2019-12-09

غسان حرب .. اسطورة الخلود (1-2)

قراءة في كتاب "غسان حرب حياة حافلة ووداع مهيب"

 أمل غضبان- عاروري        

عندما سمى زوجي ورفيقي تيسير عاروري ابننا الصغير والأخير "غسان"، تيمنا بصديقه ورفيقه غسان حرب، لم افهم بعد وعمق هذا الارتباط الروحي والفكري بينهما.  الى ان قرأت هذا الكتاب "غسان حرب حياة حافلة ووداع مهيب" ووجدت العامل المشترك الكبير بينهما، والذي أدى إلى تسمية إبننا باسم غسان. حيث أن سفر غسان حرب وعائلته بعد زواجنا العام 1981 للدراسة في أميركا وعودته مريضا ووفاته بعد فترة وجيزة، قطع عليّ مجالات المعرفة بخفايا علاقة الإثنين ببعضهما، حيث اننا كنا نعيش بعصر العمل السري، ولم نكن نسأل، كنا نعمل ونناضل.

من بعض التحليلات يبدو لي أن فترة ألدراسة بموسكو هي أساس ألعلاقة بينهما، حيث كان تيسير مسئول الطلبة في الإتحاد السوفييتي بعد أن أنهى دراسته في معهد العلوم الإجتماعية العام 1968، وانتقل لدراسة علوم الفيزياء في جامعة موسكو. وغسان كان يدرس في جامعة الصداقة ومسئول الطلبة في موسكو. تخرجا بنفس الفترة،  غسان العام 1972 وتيسير العام 1973. عادا للوطن، وعملا في الحزب وفي جامعة بير زيت معا، واعتقل الإثنان عام 1974 ضمن اعتقالات الجبهة الوطنية. وقد ساهما في تطوير جامعة بير زيت اكاديميا ونقابيا ووطنياً على صعيد العاملين والطلبة. لقد كان من حسن طالع جامعة بيرزيت أن يعمل بها في بدايات تأسيسها سبعينيات القرن الماضي اكاديميون شيوعيون مناضلون، ساهموا في أثراء العمل الأكاديمي والنقابي والوطني، والعمل التطوعي ، والحركة الطلابية ودمقرطة التعليم فيها.

ولد غسان حرب ثائرا بطالعه في التاسع والعشرين من شهر آذار عام 1940 في مدينة عكا. حيث لجأت العائلة الى جزين في لبنان العام 1948 اثر النكبة.  وعادت بعدها واستقرت في رام الله. غسان السادس بين اخوته واخواته لعائلة ثائرة. فاشقاؤه حرب و طلعت ووالدهم ناصيف حملوا اللجوء معهم برحلة اللجوء من عكا الى بيروت. وعادوا بها والعائلة الى رام الله. حيث استقروا وعاشوا وكونوا حيواتهم وعائلاتهم ليومنا هذا. شكل غسان واشقاؤه حالة ثورية بمدينة صغيرة تعاني ويلات الحروب واللجوء. يقول شقيقه طلعت حرب في مذكراته عن غسان "كبر اخي غسان وترعرع، وكان دائم الحركة ونشطا جداً لا يترك شاردة او واردة الا تدخل فيها سائلا مستفسرا".

في مقالتي هذه سأمرّ على مقتطفات مما جاء على لسان رفاق واصدقاء غسان حرب بعد وفاته سواء في تأبينه العام 1984، او ممن كتبوا مذكراتهم مع وعن غسان بعد 35 عاماً من رحيله في كتاب "غسان حرب حياة حافلة ووداع مهيب"،  في محاولة لتشكيل صورة حياتية نضالية لمن عاشوا تلك الحقبة وصنعوا بنضالهم تاريخا بطوليا مشرفاً؛ هي محاولة لتأريخ هذه التجربة للأجيال القادمة. ولكي لا ننسى، هم رجال صنعوا تاريخا مجيدا في حياة الشعب الفلسطيني مشكّلين حالة ثورية سلمية النضال لم يحنها بطش الجلاد. وبقيت في الذاكرة الجمعية لمن شاركوا بتلك الحقبة، ونسعى لأن تبقى في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.

في تأبين غسان الذي عقد بجامعة بير زيت العام 1984 تحدث تيسير عاروري رفيقه الحزبي وزميله في موسكو ورفيقه في اعتقالات الجبهة الوطنية عام 1974 قائلا: "غسان حرب.. المناضل الثوري المحبوب... بدأ غسان حرب نضاله الثوري منذ كان شابا يافعا لم يتجاوز الثلاثة عشر ربيعا. وكان آنذاك طالبا في مدرسة الفرندز في رام الله. بدأ حياته هاتفا "نريد الخبز، نريد السلم، نريد العودة للأوطان."

رقية النجاب ورّاد قالت في شهادتها "انا وغسان وعفاف": "تعرفت على غسان حرب عام 1956. اثناء المسيرات والأحداث السياسية التي عمت البلاد ضد كلوب باشا وحلف بغداد. وكان غسان يشارك في هذه المسيرات وهو شاب صغير في مقتبل العمر. ولن انسى منظره حين كان يأتي لتقديم امتحانات التوجيهي مقيد اليدين الى مدرسة بنات رام الله الثانوية حيث كنت اعمل مدرسة فيها".

يتابع  تيسير عاروري في تأبين غسان 1984: "قضى غسان ثماني سنوات في السجون الأردنية" سجن الجفر الصحراوي "كمعتقل إداري، دون محاكمة، وذلك بموجب قوانين الطوارئ لعام 1945، الموروثة من عهد الإنتداب البريطاني. وبعد خروجه من معتقل الجفر الصحراوي وفي صيف 1966 سافر ابو الفجر الى موسكو حيث التحق بكلية الطب في جامعة الصداقة- المسماة باسم المناضل باتريس لومومبا. ولكن سرعان ما ادرك ان الطب ليس هو الأفضل للتعبير عن ذاته وطموحاته وتعميق اهتماماته وتفعيلها، فانتقل الى كلية الإقتصاد حيث حصل على شهادة الماجستير في حقل التخطيط الإقتصادي العام 1972".

يتابع تيسير: "وقد شاءت الظروف ان يعتقل غسان للمرة الثانية بعد 17 عاما بالتمام والكمال، اي نيسان 1974، ولكن هذه المرة على ايدي سلطات الإحتلال الصهيونية حيث قضى ثلاث سنوات بدون محاكمة ايضاً. لقد اكتشف غسان ورفاقه ممن مروا بكلتا التجربتين ان للإنتداب البريطاني وقوانين طوارئه وريثين شرعيين وليس وريثا واحداً.النظام الرجعي الأردني والنظام الصهيوني العنصري الإسرائيلي".

لقد فتحت المنح الدراسية المقدمة لأبناء الشعب الفلسطيني من دول الإتحاد السوفييتي سابقا منبرا عالميا للدارسين، وساهمت برفع مستوى التحصيل الأكاديمي والمهني لديهم في مجالات عديدة كالطب والهندسة والإقتصاد والقانون والعلوم المختلفة . كان الرفيق فؤاد نصار، امين عام الحزب الشيوعي الأردني، يتحدث دائما الى الطلبة والخريجين الموفدين من قبل الحزب الشيوعي الأردني ومن ثم الفلسطيني قائلا بان شعبهم والحركة الوطنية "ينظران اليهم بعين الأمل والرجاء". وفي هذا السياق كان ابو الفجر ومن منطلق موقعه المسئول عن الطلبة الفلسطينيين الموفدين من الحزب في موسكو  يحذر قائلا: "لقد اوفدكم شعبكم من اجل تحصيل العلم لتعودوا وتقوموا بدوركم في خدمته".

في هذا السياق كتبت د. لميس ابو نحلة في شهادتها  "غسان حرب..زوج اختي وصديقي الإنسان": "ان غسان كان يقول للطلاب اثناء تدريسهم في جامعة بير زيت، المناضلين منهم بشكل خاص، لن تؤثروا في احد لو كنتم متميزين نضاليا إلا اذا تميزتم اكاديميا".

يقول تيسير عاروري بشهادته: "لقد بقي ابو الفجر مخلصا لوصايا فؤاد نصار، وبقي متمسكا بكل القيم الإنسانية والأخلاقية التي آمن بها وتجرعها. ومن عرف غسان عن قرب لمس مدى عمق ايمانه وحساسيته تجاه ما كان يسميه النقاء الثوري".

وفي هذا السياق كتب د. شوقي حرب في شهادته "غسان حرب كما هو في الذاكرة": "غسان حرب كان يعيش حياة الماركسي الأممي، فينعكس ذلك في تصرفاته اليومية . كان يحب كل الناس ويعطف على الضعيف. وكان يدندن النشيد الأممي كلما سنحت له الفرصة. وكان يؤمن بأن مجموعة صغيرة من البروليتاريا العمالية بامكانها الإنتصار على بطش السلطة اذا كانت منظمة تنظيما ثوريا لينينياً. وقد سالته يوما: هل الإعتقاد بوجود الله يمنعك من ان تكون شيوعياً ماركسياً؟ اجاب بالطبع لا ما دمت تقوم بتفسير الوجود الإلهي من وجهة نظر الديالكتيك المادي."

اعتقالات الجبهة الوطنية 1974 وصمود الشيوعيين الأسطوري

في شهادته "تسعون يوما في الكومونة "  كتب د. جبرا الشوملي قائلا: "كغيري من الشباب المدفوع بالحس الوطني في منتصف السبعينات من القرن الماضي، قذفتني امواج المعركة الوطنية التي كانت شرارتها تشتعل تحت وفوق السطح الى الأسلاك الشائكة في سجون الإحتلال. ومن الصدف الكريمة وجدت نفسي بعد فترة التحقيق في الزنازين، في نفس غرفة السجن مع المعلم غسان حرب. ومعه عدد من المعتقلين الشيوعيين الذين انهوا معركة التحقيق في الزنازين بشرف الطلائع وهزموا الجلادين وسجلوا مآثر بطولية، اسست لمدرسة عدم الإعتراف في التحقيق".

لقد عكس الشيوعيون المعتقليون في اعتقالات الجبهة الوطنية العام 1973 التربية الشيوعية نفسها في اعتقالات الجفر الأردني العام 1957-1965. يقول د.الشوملي: "وما ان اصبحت واحداً من سكان غرفة السجن حتى لفت انتباهي نمط حياة تلك المجموعة من الشيوعيين التي كانت منظمة ونابضة كخلية نحل. في اوقات القراءة الصباحية يخيل اليك انك تسمع طنين الصمت، في مواعيد الطعام تنساب لوحة فذة من الإيثار: يتسابقون من لا يكون الأول الذي يمد يده للطعام. متحفزون من يكون الأول الذي يترك مائدة الطعام ويخلي المائدة لغيره، في الليل تبدأ الأمسيات الفكرية والوجبات الثقافية الدسمة، وفي الصباح يستيقظون مبكرا قبل ان يقرع الجندي جرس العدد، كل ذلك محفورا بهيبة رجل كاريزماتي اسمه غسان حرب".

عصام عاروري قال في شهادته "المناضل غسان حرب ما تعلمته منه كانسان ثوري ومثقف عضوي": "يرتبط اسم المناضل الراحل غسان حرب إبان حقبة الاعتقال أواسط سبعينيات القرن الماضي بالحالة الثقافية التي ميزت الحركة الإعتقالية في تلك الحقبة. وامتاز قادة الشيوعيين المعتقلين ومنهم الراحل غسان حرب في تلك الفترة بثقافتهم ومستواهم التعليمي العالي".

في مكان آخر من شهادته يقول عصام "وربما الأهم من التعليم بمختلف اشكاله هو مساهمة هؤلاء القادة في التربية على إيثار الآخرين ونكران الذات والصمود في مواجهة ظروف السجن من تعذيب وعزل وضغوط حياتية تتعلق بتلبية الإحتياجات الأساسية والتعامل مع الإختلاف والتنوع الفكري والسياسي".

اصبح مؤكدا ان تجربة صمود الشيوعيين هذه الهمت الحركة الوطنية باسرها فبات هذا الموقف من مواجهة الإحتلال هو المعيار المكمل للفعل الكفاحي قبل الإعتقال.

يقول عدنان داغر في شهادته (غسان حرب كما عرفته عاش مناضلاً، وقضى عظيماً": "خضع غسان الى تحقيق قاس جداً مع ثلة من قيادة تنظيم الشيوعيين الفلسطينيين في الضفة الغربية آنذاك، في معتقل صرفند العسكري الذي كان مجرد ذكر اسمه يثير الرعب في قلوب الأسرى الفلسطينيين، لمعرفتهم ان الداخل اليه يمكن ان لا يخرج منه حياً. خضعنا كلنا (معتقلو الجبهة الوطنية من الشيوعيين) لآعتقال إداري ترواح بين سنتين الى أربع سنوات بدأت بثلاثة شهور، جرى تمديدها لستة شهور وتتالت التمديدات الى ان جرى الإفراج عن آخر معتقل بعد نحو أربع سنوات". (تيسير عاروري كان اخر معتقل إداري يفرج عنه من معتقلي آلجبهة آلوطنية نيسان 1974- شباط 1978").

(يتبع.. الحلقة الثانية)