2019-12-08

جلد الضحيّة لذاتها

جميل السلحوت

يقول علماء النّفس أنّ الضّحيّة تحبّ جلد ذاتها، وهذا ينطبق علينا نحن الفلسطينيّين في الوطن الذّبيح قبل غيرنا، فنحن ضحايا للاحتلال الذي أهلك البشر والشجر والحجر، تسانده الدّولة الأعظم أمريكا التي تقف سدّا منيعا أمام شعبنا؛ لمنعه من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كغيره من الشّعوب الأخرى.

وفي ظلّ الأوضاع المأساويّة التي تعيشها أمّتنا بشكل عام، وشعبنا الفلسطينيّ بشكل خاص، بسبب الهزائم المتلاحقة وعلى مختلف الأصعدة، يلاحظ ومن خلال صفحات التّواصل الاجتماعيّ- الفيس بوك- والتي تساوى فيها الجاهل والعالم، أنّ الكلّ يعرف بما لا يعرف، خصوصا في السّياسة، لأنّ الجميع ضحايا لأوضاع سياسيّة لا خيار لهم فيها، واللافت للإنتباه أنّ هناك شبه إجماع على أنّ الكلّ يدّعي الحكمة والمعرفة"، ويهاجم الكلّ الآخر الذي يخالف الرّأي، أي أنّ الغالب صار هو سياسة "التّكفير والتّخوين"، مع أنّ الغالبيّة يزعمون بأنّهم براء من ذلك.

ولا غرابة في ذلك من أمّة خاضت وتخوض الاقتتال الدّاخليّ، ولكلّ فريق حجّته وبرهانه لقتل الفريق الآخر من أبناء شعبه وأمّته، وهذا قد يكون نتاجا لثقافة "الصّحراء الوحشيّة" كما وصفها ابن خلدون في "المقدّمة". ولا ينتبه أحد بأنّه "قاتل وقتيل" في آنٍ واحد، وأنّ الوطن والشّعب هما الضّحيّة.

وإذا ما أخذنا فلسطين كنموذج لجلد الذّات، فكلّنا نعرف أنّنا نعيش تحت احتلال يرتكب الموبقات كلّها بحقّنا وبحقّ وطننا، وأنّ السّلطة الفلسطينيّة هي سلطة تحت الاحتلال، ولا تملك من السّلطة إلا اسمها، ومع أنّنا آخر شعب يعيش تحت الاحتلال، إلا أنّنا نعيش منذ منتصف العام 2007 حالة انشقاق مفزعة، بسبب انقلاب حركة حماس واختطافها قطاع غزّة المحاصر برّا وبحرا وجوّا لإقامة "إمارة إسلاميّة"، ليعيش ما يقارب مليوني مواطن فلسطينيّ حياة بؤس غير مسبوقة، وتصل إلى حافّة المجاعة في أكثر المناطق اكتظاظا بالسّكان. في حين تتعرّض الضّفّة الغربيّة وجوهرتها القدس لسرطان الإستيطان المتسارع بطريقة جنونيّة. ومع ذلك فإنّ طرفي الانقسام مشغولان بمهاجمة كل طرف منهما للطّرف الآخر، لكنّهما لا يعملان بجدّيّة لإنهاء هذا الانقسام القاتل.

وإذا ما انتبهنا لما جرى مؤخّرا في تصويت الجمعيّة العموميّة للأمم المتّحدة على قراراتها التي تؤّكدها سنويّا بخصوص القضيّة الفلسطينيّة، فإنّنا نلاحظ أنّ دولا كانت تصوّت لصالح فلسطين، قد صوّتت ضدّ القرارات آنفة الذّكر أو امتنعت عن التّصويت. ووجدنا مقالات وتعليقات لسياسيّين ومثقّفين وأناس عاديّين يهاجمون الدّبلوماسيّة الفلسطينيّة على ذلك، ويحمّلونها مسؤوليّة هذه التّغييرات في مواقف بعض الدّول، وهم بهذا يتعاملون مع السّلطة كدولة عظمى مستقلّة وذات سيادة! وكأنّهم يتجاهلون الضّغوطات الأمريكيّة الهائلة على مختلف الدّول؛ لإجبارها عى تغيير سياساتها تجاه الصّراع الشّرق أوسطي؛ وأنّ هذا يندرج ضمن السّياسة الأمريكيّة الرّامية إلى تطبيق مشروعها "الشّرق الأوسط الجديد" لإعادة تقسيم المنطقة لدويلات طائفيّة متناحرة، وتصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصهيونيّ التّوسّعيّ الذي يتخطى حدود فلسطين التّاريخيّة.

كما يتجاهلون التّغييرات على سياسات النّظام العربيّ الرّسميّ الذي يتخلّى بصمت وهدوء عن سلاح"الشّجب والإستنكار" الذي كان يستخدمه، وانتقل إلى مرحلة تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وقطع في ذلك شوطا وصل إلى مرحلة "التّعاون الأمني والعسكري". فهل مطلوب من الدّول الأجنبيّة أن تكون عربيّة أكثر من الدّول العربيّة فيما تسمّيه"قضيّة العرب الأولى"؟

وهل جلد الذّات وصل بنا إلى مرحلة تجاهل الخطر الحقيقيّ للأعداء؟