2019-12-10

إسرائيل لا تهاب المحكمة الدولية لأن هذه ضد الدول الفقيرة فقط

برهوم جرايسي

ادعى تقرير لصحيفة "هآرتس" أمس الثلاثاء، أن المستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت حذر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، من أن فرض ما تسمى "السيادة الإسرائيلية" على منطقة غور الأردن، قد يؤدي إلى تحقيق جنائي دولي ضد الاحتلال الإسرائيلي في المحكمة الجنائية الدولية.

وأمر كهذا، في عالم آخر، كان سيردع الحكومة عن ارتكاب جريمة بهذا المستوى، إلا أن إسرائيل لا تأخذ بالحسبان القانون الدولي والمحاكم الدولية، ليس فقط لأنها مسنودة من الامبريالية الأميركية، وإنما لأن تجارب التاريخ أثبتت أن المحاكم الدولية على مختلف تسمياتها، قوية على الدول الضعيفة، وحكام تلك الدول، الذين يرتكبون جرائم مروعة، ولكن الشعوب الأخرى التي تذبح بأيدي الدول القوية، لا تأخذ بالحسبان.

وحسب الصحيفة، فإنه في المشاورات الأخيرة، أوضح العاملون في دائرة المستشار القضائي مندلبليت، أنه لا يوجد ما يمنع الحكومة الدائمة لضم غور الأردن، لكنهم أضافوا أنه يؤخذ في الاعتبار آثار هذه الخطوة فيما يتعلق بالنشاط الإسرائيلي (الاستيطان) في الضفة الغربية، على خلفية التحقيقات التي تجريها المدعية العامة في لاهاي، باتو باسودا في ما يتعلق بممارسات الاحتلال في الضفة الغربية

وأضافت الصحيفة، أنه حتى الآن، تمكن نائب مستشار القانون الدولي روعي شيندورف، في مجلس الأمن القومي، من افشال معظم محاولات "المس إسرائيل في الساحة القانونية الدولية". إلا أن المشاورات الأخيرة، أوضحت للمستوى السياسي أن الضم في الضفة الغربية قد يغير الصورة. وقد يُعرّض المستوطنات للتحقيقات. فعلى سبيل المثال، قرار المحكمة الأوروبية بشأن وضع علامة على منتجات المستوطنات سيكون مجرد بداية.

ولنأخذ هذا النبأ على أنه دقيق، ولكن فيه أمران يستحقان التوقف أكثر. أولا وقبل كل شيء، أن وجهة النظر القضائية الإسرائيلية، لم تلغ إمكانية ضم الغور وشمال البحر الميت، بقرار يصدر عن حكومة دائمة، وليس كالحكومة الانتقالية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو. وثانيا، أن نتنياهو حينما تلقى وجهة النظر هذه، عاد الى بيته، كما في كل يوم، ونام الليل الطويل، ونستطيع تخيل أي مكان تم حفظ ورقة المستشار القضائي فيه.

فأي هلع للحكم الإسرائيلي من وجهة نظر كهذه، بعد أيام من قرارات صادرة عن وكر الإرهاب العالمي، المسمى "البيت الأبيض"، يعتبر المستوطنات في الضفة "شرعية" ولا تناقض القانون الدولي، ضمن سلسلة قرارات في السنوات الأخيرة لشرعنة الاحتلال الإسرائيلي، بدءا من القدس والجولان، وضرب وكالة غوث اللاجئين الأونروا، بينما شرعنة الاستيطان لن تكون الأخيرة، أمام عالم ساكت خانع، أمام العربدة الأميركية.

قبل عشر سنوات، وقف العالم على قدميه، أمام تقرير "لجنة غولدستون" الدولية، الذي أقر بجرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في نهاية العام 2008 ومطلع العام 2009، وبات من يراقب مثول ساسة إسرائيل امام المحكمة الجنائية الدولية. فكان الرد الإسرائيلي "تز" في وجه العالم كله، مدعوما بـ "تز" أميركي، بقيادة باراك أوباما، في قلب مجلس الأمن الدولي.

وقبل هذا، سبق قرار للمحكمة الدولية ضد جدار الاحتلال في الضفة الفلسطينية المحتلة، في العام 2004، إذ واصل الاحتلال بناؤه ومضاعفة حجمه عما كان يوم صدور ذلك القرار.

وليس هذا فحسب، فقد رأينا دولا أوروبية، تتباكى ليل نهار على حقوق الانسان في العالم، سنت قوانين لملاحقة مجرمي الحرب في أي مكان في العالم، أمام محاكم تلك الدول، ولكن لاحقا، بضغط من الصهيونية العالمية، فإن العديد من هذه الدول سنّت قوانين وبنود قوانين لاستثناء إسرائيل والصهاينة من هذه القوانين.

وقبل تلك الجرائم وبعدها، ارتكبت الحركة الصهيونية أبشع جرائم القرن العشرين، لا تقل بمستواها من جرائم الحرب العالمية الثانية، التي ارتكبتها النازية وأمثالها في العالم. وعلى مدى سبعة عقود ونيّف، جعلت إسرائيل كتاب قوانينها، مرشدا عالميا لكل الأنظمة العنصرية. ولو أن أنظمة عنصرية بائدة ما تزال قائمة، للجأت للكثير من قوانين إسرائيل الحركة الصهيونية.

من المفارقة، أن المحكمة الجنائية الدولية، بدأت في هذه الأيام في النظر في جرائم حرب الإبادة التي ارتكبتها مانيمار ضد اقلية الروهينجا المسلمة، ذات الأصول البنغالية، التي لجأت الى مانيمار قبل عقود.

جيّد أن المحكمة الدولية تلاحق هذه الجرائم، وأن تلاحق مرتكبيها، وهذا حق الضحايا. ولكن في ذات الوقت، لو تابعنا منذ إقامة المحكمة الدولية في لاهاي الهولندية، لوجدنا أنها لاحقت بالأساس الجرائم التي ارتكبتها أنظمة وحشية في دول فقيرة، ودول ليست ذات حضور على الساحة الدولية، مثل رواندا والسودان ويوغسلافيا. ونؤكد مجددا على ضرورة هذا الحق.

ولكن في المقابل، ماذا عن حقوق الشعوب التي تذبح على مذابح الامبريالية العالمية وربيباتها، ماذا عن 9 ملايين فلسطيني محرومين في جميع أماكن تواجدهم من الحياة الطبيعية، ومن الثبات في الوطن، ومن الحرية والاستقلال. وماذا عن قوانين تشرعن سرقة الأراضي واقتلاع وتهجير أصحابها خدمة للمشروع الصهيوني الاقتلاعي.

تحاول المؤسسة الصهيونية الحاكمة، الظهور في مظهر دولة القانون، وهذا "صحيح"، حينما يكون في منطق الصهيونية وربيبتها الامبريالية الأميركية، أن إبادة شعب بأكمله، هو واحد من قوانين "العدل العالمي".