2019-12-09

الذكرى الـ 32 للانتفاضة الباسلة: الانتفاضة تناديكم توحّدوا فلبوا النداء

سهيل قبلان

صادفت في التاسع من الشهر الجاري الذكرى الثانية والثلاثون لاندلاع الانتفاضة في المناطق الفلسطينية المحتلة وبرز فيها اطفال الحجارة الذين بهروا الدنيا بموقفهم البطولي وإصرارهم على كنس الاحتلال الوحشي، وبالمقابل برزت وحشية الاحتلال الذي لم يتورع جنوده عن دفن اربعة شبان احياء في قرية سالم وغير ذلك من ممارسات قمع وتنكيل وتكسير عظام.

ولم تولد الانتفاضة من فراغ وشكلت فكر الشموخ والصمود والتجذر الفلسطيني في الارض الذي حدق شبابه وأطفاله ونساءه وشيوخه في عيني الموت فارتعشت سيقانه مذهولة، وليس سهلا على المرء ان يستطيع وألا يجبن عندما تضعه الحياة امام امتحان عسير وكانت الانتفاضة كالبشارة التي اتت مع كل حجر وقالها شعبنا في احلك الظروف نعم للحرية والاستقلال مؤكدا انه لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة وفوق صوت الحق، لان الساكت عن الحق شيطان اخرس ولم تكن من منطلق اليأس والإحباط وإنما القوة والاعتزاز والإصرار على نيل وانتزاع الحق مهما كان الثمن وقدموا اغلى ما لديهم للوطن وتحريره الارواح والدماء وأبرزت معالم كثيرة اولها وأبرزها ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وانفجرت لتؤكد شرعية المطلب الفلسطيني بكنس الاحتلال وإقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية الى جانب إسرائيل، وزيادة اعتراف العالم بالحق الفلسطيني الواضح وضوح الشمس، وإجبار اسرائيل على استخلاص العبر والقائلة انه لا يمكن مواصلة الاستيلاء على شعب ولا بد في النهاية من تركه ليقلع اشواكه بيديه وحتمية الاعتراف به وبحقوقه وأولها تقرير المصير ومصادقته والتعايش معا بحسن جوار واحترام وتقدير التعاون البناء وتكثيف اللقاءات البناءة في المكاتب والغرف وليس في ميادين القتال وسفك الدماء، وزرع وقطف ثمار المحبة الطيبة وليس زرع العداوات والأحقاد والعنف والكراهية. وعلى اسرائيل التي تفاخر بالعنصرية وحق العربدة والقوة، التفكير بهتلر ومصيره وليس انتهاج نهجه، فكان يقول ان المانيا فوق الجميع فأين هو الآن؟! وكانت غولدا مئير تتساءل بكل وقاحة وغباء اين هو الشعب الفلسطيني، وذلك رغم احتلال ارضه وقمعه وحصاره ومصادرة ارضه واقتلاع اشجار زيتونة وهدم بيوته واعتقال عشرات الآلاف من ابنائه من عاديين ومسؤولين.

في حينه اعتبر قادة الاحتلال بعد الضجة العالمية على محاولة دفن الشبان الاربعة احياء في قرية سالم عام 1988 ان الامر شاذ، ولكن الواقع اكبر ادانة للاحتلال واكبر برهان لا يدحض بأنه هو النهج العادي لإسرائيل التي تصر على التمسك به وتطبيقه على الارض هنا ضد الاقلية العربية التي هي جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وضد الجزء الرازح تحت نير الاحتلال الذي يتلقى الجزء الاكبر من ممارسات الاحتلال العنصرية القمعية التنكيلية والهادف الى تحطيم نفسية الشعب المتفائلة حتى العظم والنخاع.

لا بد من طلوع فجر التحرر المشرق وكنس الاحتلال المجرم ووضع حد للجرائم والمؤامرات والحصار وجرائم الهدم والقتل  والاعتقالات العشوائية وخاصة الادارية وأكد الكثيرون من فلاسفة ومسؤولين وقادة في الجيش من اليهود ان الممارسات التي اعتبرتها اسرائيل اعمالا شاذة، اصبحت مسارا طبيعيا من اطلاق النار بشكل عشوائي الى اعمال القمع والتنكيل وطرد من العمل وفرض الحصار واعتقال وقتل الاطفال دون رادع او وازع وسهولة الضغط على الزناد والقتل السريع لمجرد الاشتباه بفلسطيني يحمل منشفة او كتابا او يتطلع بغضب الى الجنود ويرفض توزيع الورود والحلوى والملبس على الجنود القتلى، وان كما اكده كثيرون من منتقدي الاعمال القمعية التنكيلية فاق ما اقترفه النازيون في الحرب العالمية الثانية بالذات ضد اليهود، ومما اغاظ قادة الاحتلال اكثر انه رغم قوتهم العسكرية فشل الجيش في تدجين الشعب وتركيعه الذي بهر الدنيا وما في ايدي اطفاله غير الحجارة لانهم يستندون الى قوة الحق وليس الى حق القوة.

ومما برز في الانتفاضة توحيدها للشعب مسدلة الستار على مرحلة الدفاع عن النفس وهيأت الاوضاع للانتقال الى مرحلة الهجوم الواضح والمشروع لصاحب الحق وانها جاءت من صنع الجماهير فرغم المشاريع الاستسلامية انطلقت من المخيمات الى القرى والمدن بكل صلابة ورفض للاحتلال واستمراريته وممارساته الوحشية وداست على المشاريع الاستسلامية من تقاسم وظيفي وروابط القرى وكامب ديفيد والستاتوس كفو، وكان العنصر المحرك لها جيل الشباب الذي ولد في ظل الاحتلال ورغم اساليب القمع هب منتصب القامة ليؤكد عمق تشبثه بالأرض وبالعلوم وبحق الحياة الكريمة في دولة له مستقلة فأكد الرفض للانسجام مع المخططات الاستسلامية المعادية مبينا للعالم اجمل وحدة تجلت معجونة بالوعي والتفاهم بين الجميع على ضرورة محاربة الاحتلال كعملاق واحد بجسد واحد، لان الاحتلال يقمع ويقتل وينكل بالجميع بغض النظر عن الانتماء لهذا الفصيل او ذاك فاللغة عربية واضحة للجميع تناشدهم قائلة توحدوا، توحدوا رصوا الصفوف وتقدموا شامخين لمقاتلة العدو المتعجرف.

حقيقة ان العناق الفلسطيني بين الدم والأرض يشكل البوصلة التي تقود الى الدولة المستقلة والقادمة لا محالة كالفجر في كل يوم خاصة ان وقودها الواضح كان الوحدة والشمولية والاستمرارية والمصداقية الامر الذي اكد الرفض للانسجام مع المشاريع الاستسلامية المعادية مؤكدا مبدأ الالتصاق بالوطن بقوة الحق للغلابة مهما طال الزمن على تغييبها وان الاحتلال متنور برغم ممارساته القمعية الفتاكة والقاتلة.

واتضح ان من استعبدته العنصرية والشرور والأحقاد لا يعرف السلام وقال حاخام في التلمود السبب في السقوط الاول لليهود هو عبادة الاصنام والثاني شدة كراهية اليهود لغيرهم وهو اسوأ من عبادة الاصنام ويدعون ان الله اختارهم ليعطوا النموذج الاعلى للاخلاق لجميع بني البشر، والسؤال، هل ما يحدث يؤكد ذلك القول ام يدحضه ولم يتورعوا حتى عن مداهمة المسجد الاقصى والحرم الابراهيمي في الخليل والإصرار على تهويدهما وزج قطعان المستوطنين بحماية الجنود للاستفزاز وقلع اشجار الزيتون وحرق الاطفال، ويعتقدون ان الحق الفلسطيني هو بمثابة سجين مجرم داخل سياج شائك وضمير العالم الخاطئ اصبح زنزانة له، ولكن المعنويات الفلسطينية عالية والهمم قوية بالرغم من ظلم العالم لا بد من ازالة الشريط الشائك وتحطيم السجن والسجان ليصبحوا حول الشر والخطيئة والمطلوب فورا من الفلسطينيين شعبا وقيادة بالذات في الذكرى الثانية والثلاثين للانتفاضة تعميق الوحدة وإخراج الكلام عنها والذي طال الى النور للاغتسال بالشمس.

لا يوجد اي مبرر مقنع لغياب الوحدة واستمرار التشرذم فباسم دماء الشهداء من ياسر عرفات الى الاطفال والنساء والشباب توحدوا.. توحدوا وتقدموا تقدموا لملء الشوارع بالمظاهرات الغاضبة وتفجير انتفاضة غاضبة في كنف التأييد والدعم والتضامن العالمي الواضح وهنا في التأني الندامة وفي السرعة السلامة فالانتفاضة تناديكم لعناقها فلبوا النداء ووحدوا الصفوف واقضوا على داء التشرذم الفتاك.