2019-12-12

(بمناسبة مرور مئة عام على بروز أول نواة "شيوعية" في فلسطين)

تاريخ الحركة الشيوعية في فلسطين 1919- 1948

د. ماهر الشريف

(القسم الخامس)

عصبة التحرر الوطني وشعار الدولة الديمقراطية

كانت مسألة الوجود اليهودي في فلسطين ومستقبله من المسائل المركزية التي واجهها الفكر السياسي الفلسطيني في عهد الانتداب البريطاني. وكان الغموض الذي اكتنف مواقف قيادة الحركة الوطنية العربية الفلسطينية، من مستقبل هذا الوجود، من الأسباب التي جعلت هذه الحركة تتخبط في موقفها تجاه استقلال فلسطين.

وإثر اندلاع الحرب العالمية الثانية، لم تدرك قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية التغيّرات العميقة التي راحت تتولد عن تلك الحرب، والتي حوّلت المستوطنين اليهود في فلسطين إلى قوة سكانية وسياسية واقتصادية كبيرة، وخلقت أجواء من التعاطف الدولي الواسع معهم، لا سيما بعد المذابح الجماعية التي صار يتعرض لها يهود أوروبا على أيدي النازية. كما لم تتنبّه إلى خطورة التوجه الذي أُقرّ في مؤتمر الصهيونيين الأمريكيين، في أيار 1942، لإقامة دولة يهودية في فلسطين تكون جزءاً عضوياً من "العالم الديمقراطي الجديد"، وهو التوجه الذي صادق عليه المجلس العام للمنظمة الصهيونية العالمية، في تشرين الثاني من العام نفسه، وكان إيذاناً ببدء انحياز هذه المنظمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ولدى قيامها، جابهت عصبة التحرر الوطني مشكلة وجود أكثر من 600000 يهودي، كانت الحركة الصهيونية قد تمكنت، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية وخلالها، من اجتذاب العدد الأكبر منهم إلى فلسطين. وعلى الرغم من اتساع النفوذ الصهيوني بين صفوفهم، حاولت العصبة أن ترسم حدوداً واضحة بين الصهيونية، من جهة، والسكان اليهود في فلسطين، من جهة ثانية، إذ رفضت ادعاءات الصهيونيين بأنهم يعبّرون عن مصالح جميع  اليهود، وأكدت أن الصهيونية تتعارض مع مصالح اليهود أنفسهم، وانتقدت، في هذا السياق، مواقف القيادة القومية العربية التقليدية التي كانت تعلن دوماً أنها "لا يمكن أبداً ان تعيش بسلام مع السكان اليهود في فلسطين، وأن تؤمن لهم أي حق ديمقراطي من حقوقهم، أو الوصول إلى تفاهم معهم"، محذرة من مخاطر هذه "السياسة غير العملية"، تجاه السكان اليهود في فلسطين، والتي قد تقود إلى تقسيم فلسطين، "والتقسيم هو أخطر حل يجر البلاد إلى المصائب والاضطرابات الداخلية".

ودعت عصبة التحرر الوطني الأوساط الوطنية العربية إلى تأمين حقوق السكان اليهود الديمقراطية في فلسطين، والوصول إلى تفاهم معهم. وحاولت أن تثبت، في الممارسة العملية، أن إمكانيات التفاهم بين العرب واليهود قائمة، من خلال سعيها إلى تحقيق وحدة العمال العرب واليهود في النضال ضد الاستعمار البريطاني، إذ نجحت، بفضل النفوذ الكبير الذي كانت تتمتع به داخل "مؤتمر العمال العرب"، في تحقيق نجاحات مهمة على هذا الصعيد، تجسدت في الإضرابات المطلبية الموحدة التي شارك فيها العمال العرب واليهود في دوائر ومؤسسات الحكومة في نيسان 1946 وفي المعسكرات البريطانية في أيار 1947.

وعندما تأكدت الحكومة البريطانية من عجزها عن إيجاد حل "للعقدة الفلسطينية"، واقترحت على الأمين العام للأمم المتحدة، في 2 نيسان 1947، إدراج القضة الفلسطينية على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلى عقد دورة طارئة لتشكيل لجنة خاصة تقوم بدراسة الأوضاع في فلسطين، أعلنت قيادة عصبة التحرر الوطني تأييدها عرض القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة، واعتبرته نصراً لنضال الشعب العربي الفلسطيني، وانتقدت، في هذا السياق، قيادة الحركة الوطنية العربية في فلسطين لأنها لم تبادر بنفسها إلى عرض القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة، ولأنها بقيت تشكك بإمكانيات التوصل إلى حل عادل للقضية عن طريقها.

وعقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بين 28 نيسان و 15 أيار 1947، دورتها الطارئة لمناقشة القضية الفلسطينية. وفي تعليقها على النقاشات التي دارت، داخل الجمعية العامة، انتقدت عصبة التحرر الوطني انجرار الدول العربية، وقيادة الحركة الوطنية العربية في فلسطين، ممثلة بـ"الهيئة العربية العليا"، وراء "أضاليل الاستعمار"، وعرض القضية "من وجهتها الخاطئة"، والاقتصار "على تبيان التناقض والاختلاف بين العرب واليهود"، وليس على طرح القضية "على أنها نضال تحريري ديمقراطي ضد الاستعمار والصهيونية، وفي سبيل جلاء الجيوش الأجنبية وإقامة حكومة مستقلة تؤمن، أيضاً، حقوق السكان اليهود".

وإثر الإعلان، في 15 أيار 1947، عن تشكيل لجنة خاصة من ممثلي إحدى عشرة دولة لتحري الحقائق في فلسطين، حذرت عصبة التحرر الوطني من مناورات الدوائر الاستعمارية التي ستسعى إلى "تأجيج الاحتراب بين العرب واليهود"، لإبقاء سيطرتها على فلسطين، وأكدت ضرورة اتصال ممثلي العرب الفلسطينيين بلجنة التحقيق الدولية والتعاون معها، ودعت إلى الرجوع إلى الشعب وعقد مؤتمر وطني، يتبنّى  "سياسة شعبية ديمقراطية " قادرة على إنقاذ فلسطين من خطر التقسيم.

بيد أن قيادة الحركة الوطنية العربية، بزعامة المفتي أمين الحسيني، رفضت التعاون مع هيئة الأمم المتحدة، وقررت مقاطعة لجنة التحقيق الدولية، وفرضت هذه المقاطعة على جميع الأحزاب والقوى الوطنية العربية في فلسطين. وقد استجابت عصبة التحرر الوطني، حفاظاً منها على وحدة الصف الوطني العربي، لقرار المقاطعة، وامتنعت عن مقابلة أعضاء لجنة التحقيق الدولية، التي وصلت إلى فلسطين في منتصف حزيران 1947.

وفي الوقت نفسه، وجهت قيادة العصبة، في آب 1947، مذكرة إلى هيئة الأمم المتحدة بعنوان: "طريق فلسطين إلى الحرية"، أعربت فيها عن معارضتها مشروع تقسيم فلسطين، وأعادت التذكير بالحل الديمقراطي الذي اقترحته، والذي يقضي بإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وسحب الجيوش الأجنبية منها وإقامة دولة ديمقراطية مستقلة، تضمن حقوقاً متساوية لجميع سكانها من العرب واليهود. وقد جاء في تلك المذكرة  بهذا الصدد: "إن هذا الحل الديمقراطي هو الحل الذي ينقذ فلسطين من قبضة الدوائر الاستعمارية ويفسح المجال أمام العرب واليهود للتعاون والعمل السلمي في ظل حياة ديمقراطية. وإننا نعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا الحل الديمقراطي للقضية الفلسطينية سيخدم أغراض السلم والاستقرار في الشرق الأوسط، وسيفسح المجال أمام فلسطين- إذا تحررت من تأثيرات المستعمرين-  للتطوّر باتساق مع شقيقاتها الدول العربية... ثم إننا نعتقد أن هذا الحل الديمقراطي سيشد أزر القوى الديمقراطية بين العرب واليهود، وسيضيّق الخناق ليس على وكلاء الاستعمار فحسب بل على العناصر الرجعية في فلسطين أيضاً".

وتقدمت لجنة التحقيق الدولية، في 23 أيلول 1947، بتوصياتها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العادية، فأوصت، بإجماع أعضائها، بضرورة تصفية الانتداب وجلاء القوات البريطانية عن فلسطين، لكنها لم تتفق على حل موحد للقضية الفلسطينية، إذ اقترحت غالبية  أعضائها تقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة عربية ودولة يهودية تجمع بينهما وحدة اقتصادية، بينما اقترحت الأقلية إقامة دولة فلسطينية اتحادية من ولايتين: عربية ويهودية، تكون القدس عاصمتها. وقد رحبت سكرتارية  عصبة التحرر الوطني، في بيان أصدرته في 5 أيلول 1947 " بالتوصية الإجماعية للجنة الدولية، التي دعت إلى إنهاء الانتداب البريطاني وضمان استقلال فلسطين، لكنها أعربت عن تحفظها على توصية أكثرية أعضاء اللجنة الداعية إلى تقسيم فلسطين، مؤكدة قناعتها بأنه ما زال من الممكن السعي إلى إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية، يتعايش فيها العرب واليهود بحقوق متساوية.

عصبة التحرر الوطني والموافقة على قرار تقسيم فلسطين

وجابهت عصبة التحرر الوطني، بعد صدور قرار التقسيم الدولي في 29 تشرين الثاني 1947، أوضاعاً شديدة التعقيد. فباستثناء البند المتعلق بإنهاء الانتداب البريطاني، لم ينطوِ قرار التقسيم على الحل الأمثل للقضية الفلسطينية بل ألحق إجحافاً كبيراً بالشعب العربي الفلسطيني وحقوقه الوطنية فوق أرضه. وبقيت العصبة تعارض ذلك القرار إلى شهر شباط 1948، عندما قررت غالبية مندوبي الكونفرانس الذي عقدته في مدينة الناصرة، الموافقة عليه وتعزيز النضال  في سبيل قيام الدولة العربية الفلسطينية، معتبرة، في بيان أصدرته بعنوان: "والآن... ما العمل؟" وتوجهت به إلى  الشعب العربي الفلسطيني، أن قيام هذه الدولة العربية "هو الطريق إلى إنقاذ المشردين [الفلسطينيين] من تشردهم، وهو الطريق للاحتفاظ بحدود فلسطين ضمن وحدة اقتصادية ثابتة ومنع تجزئتها وإضاعة معالمها إلى الأبد، وهو الطريق لأن يحكم الشعب [الفلسطيني] نفسه بنفسه".

وبعد اندلاع الحرب العربية- الإسرائيلية في 15 أيار 1948، نظّمت عصبة التحرر الوطني حملة واسعة لإقناع الفلسطينيين بالبقاء فوق أرضهم وعدم النزوح عنها، وعارضت دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، ووجهت في تموز 1948 "نداء إلى الجنود [العرب]" تدعوهم في "إلى العودة إلى أوطانهم وتوجيه ضرباتهم إلى المستعمر المحتل وإلى أذنابه"، ثم أكدت في بيان وجهته "إلى الشعوب العربية" في تشرين الأول 1948، بالاشتراك مع  الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي اللبناني، أن حكام الدول العربية "لم يعلنوا الحرب لمنع التقسيم، كما زعموا، بل لتنفيذ التقسيم كما تريده بريطانيا". أما الحركة الصهيونية، فقد استغلت حرب فلسطين "لتوطيد حكمها والتوسع في القسم العربي، ولتبرر ارتمائها في أحضان الاستعمار الأمريكي وفتح المجال لتغلغله الاقتصادي والعسكري في أراضي الدولة اليهودية وفي كل فلسطين".

خاتمة

أسفرت النكبة عن  تمزق الكيان الفلسطيني وتوزع  الشعب الفلسطيني على مواقع عدة، تميّز كل منها بظروفه الخاصة، الأمر الذي فرض على الشيوعيين الفلسطينيين، أعضاء عصبة التحرر الوطني، الانضواء في أطر تنظيمية مختلفة. ففي تشرين الأول 1948، توحّد أعضاء العصبة العرب، الذين بقوا فوق الأراضي التي قامت عليها دولة إسرائيل، مع الشيوعيين اليهود في إطار الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وفي أيار 1951، أُعلن عن تأسيس الحزب الشيوعي الأردني، الذي جمع  أعضاء العصبة الذين بقوا في الضفة الغربية مع عدد من الماركسيين الشرق أردنيين. بينما شكّل أعضاء العصبة الذي بقوا في قطاع غزة، في آب 1953، الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة.

المصادر:

- الأطرش المغربي، محمود، طريق الكفاح في فلسطين والمشرق العربي: مذكرات، إعداد وتحرير ماهر الشريف، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2015. 

- البديري، موسى، تطوّر الحركة العمالية العربية في فلسطين (مقدمة تاريخية ومجموعة وثائق 1919-1948)، القدس، دار الكاتب، 1980.

- "بيان مكتب سكرتارية عصبة التحرر الوطني حول موقفها من تواصي لجنة التحقيق"، 5 أيلول 1947.

- بيان من عصبة التحرر الوطني في فلسطين، "أيها الشعب العربي... إن السكوت بعد اليوم على كل ما حدث معناه الفناء"، [من دون تاريخ].

- توما، إميل، يوميات شعب (30 عاماً على الاتحاد)، حيفا، منشورات عربسك، 1974.

- الحزب الشيوعي العراقي، والحزب الشيوعي السوري، والحزب الشيوعي اللبناني، وعصبة التحرر الوطني في فلسطين، "بيان إلى الشعوب العربية"، تشرين الأول 1948.

- الدجاني، موسى، "حركتنا الوطنية حركة جماهير الشعب العربي"، عصبة التحرر الوطني في فلسطين، النشرة الثالثة، 23 شباط 1944.

- رضوان الحلو سكرتير عام الحزب الشيوعي الفلسطيني 1934-1943، رام الله، مركز فؤاد نصار، حزيران 2003.

- الشريف، ماهر، الأممية الشيوعية وفلسطين (1919-1928)، بيروت، دار ابن خلدون، 1980.

- الشيوعية والمسألة القومية العربية في فلسطين 1919-1948، بيروت، مركز الأبحاث-منظمة التحرير الفلسطينية، 1981.

- فلسطين في الأرشيف السري للكومنترن، دمشق، دار المدى، 2004.

- في الفكر الشيوعي الفلسطيني: الشيوعيون وقضايا النضال الوطني الراهن، دمشق، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1988.

- من تاريخ الصحافة الشيوعية العربية في فلسطين 1924-1936، رام الله، مركز فؤاد نصار، 2011.

- شنير، خليل، "موقف حركتنا العمالية من أصحاب العمل"، الاتحاد، حيفا، 30 كانون الأول 1945.

صدقي، نجاتي، مذكّرات، تقديم حنا أبو حنا، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2001.

- عبد الغني، عبد الرحمن، ألمانيا النازية وفلسطين 1933-1945،  بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1995.

- عصبة التحرر الوطني في فلسطين، "إلى الوحدة العمالية"، داخلي، الأربعاء 5 نيسان 1944.

- عصبة التحرر الوطني في فلسطين، "حركتنا الوطنية والقوى التحريرية العالمية"، النشرة العاشرة، داخلي، الأربعاء في 12 نيسان 1944.

- عصبة التحرر الوطني في فلسطين  1945-1948 (ثلاث وثائق تاريخية)، رام الله، مركز فؤاد نصار، 2001.

- عصبة التحرر الوطني في فلسطين (مكتب السكرتاريا)، " العقدة الفلسطينية والطريق إلى حلها"، نص المذكرة التي أرسلها مكتب السكرتاريا لعصبة التحررالوطني في فلسطين إلى المستر اتلي رئيس الوزارة البريطانية، في 10 تشرين الأول 1945، حيفا.

- عصبة التحرر الوطني في فلسطين، "والآن... ما العمل؟" [من دون تاريخ].

-  عصبة التحرر الوطني في فلسطين، "نداء إلى الجنود [العرب]"، تموز 1948.

- "الفاشستية وخطرها على الأقطار العربية"، الطليعة، بيروت، الجزء الخامس، السنة الخامسة، أيار 1939، عدد خاص، لمناسبة انعقاد مؤتمر مكافحة الفاشستية السوري اللبناني الأول.

- فرح، بولس، "العمال العرب وقضية التحرر الوطني"، الاتحاد، حيفا، 18 حزيران 1944.

- فرح، بولس، "الاقتصاد الوطني والعامل العربي"، الاتحاد، حيفا، 10 أيلول 1944.

- قرارات اللجنة المركزية لعصبة التحرر الوطني، "حول الوضع الذي نشأ في فلسطين بعد نجاح المؤامرة الاستعمارية الدامية عليها، وعن أخطاء عصبة التحرر الوطني وعن تكوين حزب موحد للطبقة العاملة في القسم العربي من فلسطين وشرق الأردن"، [1951].

- مجلي، نظير، "مقابلة مع توفيق طوبي"، الجديد، حيفا، العدد الخامس، 1978.

- ناطور، سلمان، "مقابلة مع منعم جرجورة"، الاتحاد، حيفا، 2 آذار 1979.

- نصار، فؤاد، "الإرهاب الفردي والقتل السياسي"، منشورات لجنة الثقافة السياسية، [من دون تاريخ] (كراس أعيدت طباعته في وثيقة من 12 صفحة موجودة في محفوظات الحزب الشيوعي الأردني).