2019-12-16

أزمة المقاومة الفلسطينية .. أزمة الحركة العربية للتحرر والديمقراطية

سعيد مضية

تعتبر الجماهير المنطلقة في حراك سياسي الأداة الاجتماعية لإنجاز التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي. وقدمت التجارب الكفاحية في أكثر من مناسبة على الإمكانيات الثورية لطاقات الجماهير الكفاحية، حيث حسمت الصراعات الاجتماعية المرشّدة لصالح التحرر الوطني والإنساني في أكثر من موقعة؛ وحيث افتقدت الحركات الجماهيرية الترشيد تم إهدار الطاقات الثورية في مسارات عابثة أفضت الى الانتكاسة.

حاليا تشهد ساحات المدن العربية احتشادات جماهيرية تجاملها الحكومات الطبقية رياءًأ وتسوف في تحقيق مطالبها التي تقر بعدالتها وضرورتها؛ إذ طالما استهانت سلطات الحكم بالجماهير وأذلتها. والسلطات الحاكمة، حين تعجز عن قمع الانتفاضات الجماهيرية تراوغ وتتحايل بخلط الأوراق وحرف البوصلة بقصد تضليل الوعي وإرباك الجماهير. وإذا لم تتزود قوى التغيير الاجتماعي بخبرة النضال الثوري وإمكاناته، وتقيم علاقات الثقة مع الجماهير المنتفضة، تحصن الموقع الأمامية للوعي، فستتكرر انتكاسة دورة الانتفاضات الأولى مع بدايات العقد الحالي، شاهدة على استمرارية أزمة "التناقض بين طبيعة حركة التحرر الوطني والقيادة الطبقية الفعلية لهذه الحركة "، حسب تعبير المفكر الثوري الراحل مهدي عامل. قيادة تفشل في اكتساب ثقة الجماهير لم تستكمل مؤهلات قوة تغيير اجتماعي.  

المجتمعات العربية ما زالت مرتبطة بحبل صري بالعصر الوسيط وتعاني القهر والحجر والوصاية الأبوية. ومن المستحيل لمجتمعات مقهورة تعاني تخلف العصر الوسيط أن تصمد بوجه هجوم امبريالي – صهيوني، يسترشد بالعقلانية والتفكير الاستراتيجي ومسلح بمنجزات العلم، ويشن حملاته العدوانية ملتزما بقوانين التخطيط والتنظيم الاستراتيجيين، ويقدم على ابشع الجرائم والانتهاكات لحقوق الإنسان واثقا من استثنائه من المساءلة والعقاب.

التخلف الثقافي يغري القوى المعادية  بحبك الدسائس وتدبير المكائد؛ ومؤخرا أعلن في الولايات المتحدة عن نمط حرب ثقافية ترمي لتفسيخ المجتمعات المستهدفة وشل مقاومتها لهيمنة التحالف الامبريالي- الصهيوني. وهذا النمط من الحروب مجرب منذ أزمنة وأثبت نجاعته.

أورد كل من نوعام تشومسكي، المثقف الأميركي البارز والمناهض للإمبريالية وكذلك الكاتبة البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز آليات العدوان الثقافي ووسائله التي شكلت ولا تزال حروبا متواصلة ضد شعوب العالم لا يقل خطرها عن الحروب المسلحة. الكاتبان لفتا الأنظار الى نشاط إعلامي –ثقافي موجه لتدمير المعارضة الشعبية للمصالح الامبريالية في العالم أجمع. والحقيقة أن النظام الامبريالي، استطاع عبر عقود التغلب على أزمته البنيوية بالاستناد الى الميديا؛ حيث تقوم بدور فاعل في إضعاف الجبهة المضادة وتخريبها.

اطلقت سوندرز  اسم الحرب الباردة الثقافية، على النشاط الإعلامي – الثقافي في الغرب، وهو ما اوكلت مهمات إدارته وتنظيمه الى المخابرات المركزية الأميركية ووجهته ضد المنظومة الاشتراكية وحركات التحرر العالمية. لفتت ساندرز الاهتمام، في كتابها "الحرب الباردة الثقافية" الصادر بالعربية عن المجلس الأعلى للثقافة في مصرعام 2002، لدى مراجعة الوثائق المتعلقة بفترة الحرب الباردة والمفرج عنها، الى ان هدف الميديا في الغرب  يتركز في "تضليل الوعي وإشاعة الحيرة"، ولا يعنيه إطلاقا صحة الخبر او موضوعيته. ولتحقيق الهدف  يتركز الهجوم على "المواقع الأمامية المحصنة للوعي لقذفها بقذائف الدعاية لإضعاف المواقف المعادية". لاحظت الكاتبة الناقدة استخدام العبارات العسكرية، نظرا لوظيفة النمط الثقافي في نشاط الميديا في الغرب.

استفاد واضعو قواعد الحرب النفسية من خبرة الحرب العالمية الثانية، حيث بادر الجنرال وليم دونوفان، مدير المخابرات الأميركية خلال الحرب، لتشكيل فيلق من النخب تابع لمكتبه، جنده من قلب المؤسسة الأميركية، السياسية والثقافية والاقتصادية والأكاديمية ومن أقوى العائلات، مورغان وميلون وبروسفاندربلت وغيرها؛ أقرت النخب مهمة "غير شرعية وغير قويمة"، بموجبها استطاع أفرادها فيما بعد ان "يفردوا نفوذهم على قاعات مجالس الإدارات والمؤسسات الأكاديمية والصحف الرئيسة والإعلام والشركات القانونية ومؤسسات الدولة. وأمدتهم معتقداتهم المسيحية بقناعة لا تتزعزع بأنهم الصفوة وليسوا الفئة المختارة".

عملت النخب تحت إشراف المخابرات المركزية التي اضطلعت، بدون سند قانوني أو قرار دستوري، بدور وزارة الثقافة، مولت الصحف والمجلات والأنشطة الأكاديمية منطوية على حروب نفسية ضد المناوئين للولايات المتحدة. أقر أفرادها صياغة  إدوارد بيرنز، أحد أبرز أعلام العلاقات العامة في الولايات المتحدة في كتاب إرشادي وضع هدفه " تشكيل عقل الجماهير وتكييفه" حيث يتم "التلاعب الواعي والذكي بالعادات والآراء المنظمة للجماهير هو عنصر هام في المجتمع الديمقراطي". بالفعل نجحت الحرب الباردة الثقافية في إنجاز مهامها وخرجت الولايات المتحدة منها ظافرة . وكما تطور أسلحة الحروب الساخنة تتطور كذلك أساليب ومواد الحرب النفسية في الزمن الراهن.

اختزل نوعام تشومسكي في مقولة "هندسة الموافقة" مجمل رسالة ميديا الغرب لتفكيك أزمة الديمقراطية الليبرالية الناجمة عن وجود حق الاقتراع العام وانتشار التعليم. غاية الميديا ليست الإعلام ، إنما تكييف وعي الجمهور والتلاعب به كي يوافق على سياسات الدولة العميقة، او ما يدعى "الاستبلاشمنت" وذلك من خلال " التحكم في تشكيل عقل الجماهير". تطور المسعى في مرحلة الليبرالية الجديدة وانهيار الاشتراكية  الى إلغاء عقل الجماهير والحط من إنسانية البشر كي لا تعود لتهديد السيطرة الكونية للرأسمال. طالع تشومسكي آلاف الوثائق الأميركية الاستراتيجية المفرج عنها بتقادم الزمن. علق باستغراب ان الوثائق بقيت سرية مع آلاف الوثائق بموجب قانون أميركي ثم أفرج عنها "ولا يقرأها بعد رفع الحظر عنها سوى العلماء، وهؤلاء لا يجدون فيها أي شيء شاذ أو منفر". في الحقيقة، العلماء الذين عناهم تشومسكي غالبيتهم مؤدلجون بحيث يتقبلون الكذب والتلفيق لتبرير جرائم أودت بحيوات عشرات آلاف البشر، كما حدث في أندونيسيا وفي حرب فيتنام وانقلاب تشيلي.

نقل تشومسكي عن وولتر ليبمان، أحد أبرز المنظرين للإعلام الأميركي، كيف يضمن تحكم "الأقلية الذكية، طبقة متخصصة مسئولة عن وضع السياسة وعن تشكيل رأي عام سديد"، ونفذت رؤيته الى لغز العلاقة بين الفكر والمنفعة، إذ عثر على نص كتبه جورج كينان، احد أشهر منظري الحرب الباردة، حول "ضرورة إيجاد نمط من العلاقات يتيح لنا (يقصد الاحتكارات الأميركية) الحفاظ على موقع اللامساواة... وعلى العالم الثالث ان يخضع للاستغلال من أجل إعادة إعمار اليابان واوروبا"؛ حدد دور ميديا الغرب في "الكف عن الحديث عن أهداف غامضة لا واقعية مثل حقوق الإنسان ورفع مستويات المعيشة والديمقراطية".

طبيعي ان الحرب الثقافية واكبها حروب ساخنة وضغوط وتدخلات وانقلابات عسكرية ضد حكومات منتخبة ديمقراطيا، هبت الميديا في الغرب لتبريرها، بل تمجيدها باعتبارها انتصارا للحرية والديمقراطية! يخلص كل من تشومسكي وسوندرز الى الدعوة بإلحاح كي تعير قوى مناهضة الامبريالية الاهتمام اللائق بالجبهة الثقافية، وان تكثف الجهود التثقيفية لتمتين الجبهة الداخلية وتعزيز المناعة الروحية في الصراع  المحتدم مع التسلط الامبريالي – الصهيوني.

الكاتبان ليسا وحيدين في المضمار؛ إذ تداعى مثقفون كثر للدعوة الى تقديم الثقافة والتربية على بقية  وسائل للهيمنة الطبقية والقومية. فلا يقتصر النضال الثقافي ضد هذا التحالف الاستراتيجي العدواني على تحليل بنيته وكشف أساليبه ؛ إنما يقتضي بناء الجمهور المقاوم، تعزيز دفاعاته الأمامية بحيث لا تجوز عليه الخدع والتلفيقات الكاذبة، وكذلك المحاولات التي لا تكف  لحرفه عن القضية الأساس، كي يمسك بقوة وثبات بالبوصلة الدالة صوب التحرر.  إن هذا يملي على قوى التحرر والتقدم مهمة تصعيد الاهتمام بالجبهة الثقافية في الصراع الوطني التحرري، وتربية الجماهير سياسيا وفكريا.

هكذا فترشيد النضالات الوطنية بالعقلانية غدت ضرورة بقاء. المشكل الذي تخفيه تشوهات القهر الذي عانته المجتمعات العربية عبر القرون، رغم تكراره عبر التاريخ، إن كل القوى الاجتماعية، عندما لا تجد من يصغي لشكاواها ويخاطب همومها، تميل نحو التطرف بكل أنواعه، وتغدو صيدا لليمين، واحيانا للفاشية، وتهرع لحمل السلاح غير واعية بأنها بالسلاح تدمر فرصها لحياة كريمة وكرامة شخصية.

العقل المثقف ينطلق من وعي فكر الثورة، أي الماركسية تفرد للجماهير مكانة أساس في التغيير الثوري. "مفهوم الثورة لا يكتسب معناه المحدد وتميزه إلا ضمن فضاء الماركسية، وخارج فضاء الماركسية يهبط النشاط السياسي الى مجرد تصنيف سطحي للأحداث والظواهر"، كما اكد مرارا الدكتور هشام غصيب، الباحث العاني في الفكر الماركسي وتطويره وفقا للظروف الراهنة. النشاط السياسي غير المرشد بالماركسية مقاربات عشوائية مزاجية للقضايا الماثلة.

تتجلى مادية الفلسفة الماركسية في تناولها للوقائع بموضوعيتها واستكناه جوهرها ودينامية حركتيها، كما هي عليه، وليس بناء على تصورات او تخيلات واهمة أو مجاهل خرافية؛ تتجسد علمية الماركسية في إرجاعها لمشاكل البشرية الى عوامل اجتماعية تتعين في أنشطة قوى اجتماعية تحركها الرأسمالية الاحتكارية؛ تتكشف العوامل للممارسة النضالية، حيث تكمن مواقع الحراك الشعبي، مواقع تثقيف الجماهير وتربيتها السياسية والفكرية. على الكوادر الحزبية إتقان فن وجدل الفكر والممارسة. يتميز الوعي الماركسي، كما يقول الدكتور غصيب، "بالوحدة الجدلية بين النظرية والممارسة وبين الفكر والفعل، وبين الفهم والسلوك.

ان الالتزام بالماركسية هو التزام بمشروع للتغيير ينطوي على فهم معين للمجتمع البشري، والتزام بفهم معين ينطوي على مشروع للتغيير، وهو يرتكز اساسا الى الإيمان بالإنسان  وبقدراته الاجتماعية وإمكانية ان يسيطر على بيئته الاجتماعية والطبقية، وان يضبط مسيرته الحضارية عقلانيا".

 الماركسية كنظرية علمية تدعم وتغتني بمنجزات العلوم الطبيعية والإنسانية، وقدم الباحثون العلميون العرب منجزات في ميدان العلوم الإنسانية حول الخلاص من التخلف، مبنية على الفكر المادي الجدلي، وقابلة لأن ترشد عملية الخلاص من تخلف العصر الوسيط، لكنها ما زالت مجهولة لدى قوى التغيير. من هذه المنجزات تشكيلة البنية الأبوية المتجذرة في المجتمعات العربية بسبب بيئة قاهرة ألزمت المجتمعات القبلية الانصياع لقيادة أبوية من اجل البقاء.

ولما التقت الأبوية بالإمبريالية فقدت الكثير من قيم التكافل والاعتماد الذاتي واستعصت على التطور. وتدعم الامبرياليات الغربية توجهات الحكم في البلدان العربية خاصة والعالم النامي بعامة نحو الأوتقراطية والتضييق على الجماهير وتجميد حركيتها. بالثورة الديمقراطية الراديكالية يتم تفكيك البنية الأبوية من أجل التحرر والتقدم والتنمية، وتتفتح امام  الجماهير آفاق الخلاص من قيم العصر الوسيط وعلاقاته الاجتماعية ونماذجه الإنتاجية.

القهر المزمن يجمد طاقة العقل ويولد نزعة عنف وانفعالية تنفجر على شكل طوشات حمائلية وتصرفات فتوة ، تحول أبسط الخلافات إلى مآس فادحة، حيث تترواح ردود أفعال الجماهير بين الرضوخ والانفعال النزق، لا تمارس السياسة لكنها تنفجر في نوبات مدمرة. في ظروف الاستلاب تنحو النفوس المقهورة باتجاه العنف المدمر والفتن الطائفية او العرقية أو العشائرية.

أما بصدد النضال الوطني فالانتكاسة أمر محتم، حين تعوض العقلانية بالانفعالية ويستبدل التخطيط بالارتجال، ويتحكم قصر النفس والهياج الانفعالي بردود الفعل، وتستبد طرائق الإدارة الأوامرية، ويتم التعامل مع الجمهور بلغة الإكراه والعنف، ويغدو الثوريون مضطهِدين للجمهور، يجيرون ضده نتائج قصورهم في ميدان الثقافة. وهذا ما جرى مرارا وتكرارا للمقاومة الفلسطينية.

القضية الفلسطينية جزء عضوي من الحركة العربية الشاملة للتحرر والديمقراطية. والحركة الصهيونية ممثلة في قاعدتها إسرائيل، مدعومة بقوى الامبريالية والليبرالية الجديدة المحتضنة للمشروع الصهيوني في فلسطين، تكاد تحقق انتصارا شاملا بالاستيلاء على كل فلسطين، ضمن مشروع مضمر لتعزيز مكانة دولة إسرائيل دولة إقليمية تتحكم في جميع دول المنطقة.

إسرائيل كانت وستظل تضمر مخططات تخريب حركات التحرر الوطني العربي كافة، وتقويض المجتمعات العربية إن اتيحت لها الفرص. فمركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للأمة العربية قضية امن استراتيجي، وليست خيارا سياسيا. ان صمود الجماهير في اشتباكها مع المشروع الصهيوني ميدانيا، والاستمرار في مقاومته، شرط مسبق لاستمرار الدعم الخارجي عربيا ودوليا؛ وكلما زادت حدة الاشتباك مع المشروع الصهيوني ميدانيا، تعاظم الدعم وتراجعت فكرة التطبيع معه وتكييف المنطقة لقبوله؛ وإذا تداعى  الاشتباك من قبل أصحاب القضية او ضعف يخفت الدعم الخارجي ويتبدد. اما الاكتفاء بالاستنجاد بالمجتمع الدولي واستجداء تضامنه فموقف عقيم. المشتبكون على الأرض لا يمكنهم تحقيق الانتصار بقدراتهم الذاتية فقط، ويحتاجون دعما متواصلا من محيطهم العربي ثم الاسلامي ثم العالمي، من أنصار الحرية والعدالة والمساواة وقوة الحق. لابد من إعادة تمتين الوضع الفلسطيني الداخلي، بالعودة إلى كل الشعب الفلسطيني في كل مكان، بدون تهميش أو إقصاء أو احتواء، ثم تفعيل البعد القومي للمقاومة الفلسطينية.

المقاومة الفلسطينية تتطلب قيادة ثورية والاسترشاد بالنظرية الثورية وتجميع الطاقات  وإطلاقها بتكتيكات ثورية. تتشعب القضية الفلسطينية في أربعة محاور: إعادة الاعتبار لكل الشعب الفلسطيني، وإعادة بناء أو هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، لتصبح الخيمة الكبرى التي يستظل تحتها كل أبناء الشعب الفلسطيني الواحد، والمحور الثالث يتمثل في تهديف النضال صوب الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة الاعتبار للحقوق الوطنية الفلسطينية الكاملة غير القابلة للتصرف. اما المحور الرابع فيتقصى أكاذيب الصهيونية وفساد روايتها وتهافت ادعاءاتها، وذلك بالاستناد الى معطيات الأبحاث الأركيولوجية العلمية المتحررة من تأثير الحكايات التوراتية. يستند نهج نتنياهو الإقصائي وهجومه على العرب والدعوة لترحيلهم خارج وطنهم الى تخيلا ت وفبركات استشراقية لا تستند الى معطيات مادية وحسم العلم انها مجرد زيوف.

حيال هذا الفهم يتوجب على الطرف الفلسطيني المبادرة بمأسسة وتشبيك العلاقة مع النضال العربي المشترك وتشكيل هيئة محلية لإدارة التضامن الدولي وتزويد الأصدقاء الدوليين بممارسات الاحتلال الهمجية واللاإنسانية، وحشد التضامن مع ضحايا التهم باللاسامية لمن يتضامن مع الشعب الفلسطيني.

من اجل الحفاظ على العلاقة التحاورية بين القوى الثورية والجماهير، ورفع سوية النضال الوطني باضطراد يتوجب على القوى الثورية فرز كوادر النشاط في أوساط الجماهير وتربيتها سياسيا وفكريا. الكوادر الحزبية مثقفون، او هكذا يجب أن يتصرفوا، يتقنون جدل الفكر والممارسة، متحررين من آفات التخلف العقلي كالتخبط والعشوائية والنزوية المتضافرة مع  العطال الذهني القاصر عن التحليل والتركيب والتفكير الجدلي. وهي آفات موروثة في ثقافة البنية الأبوية، وهي إحدى مخرجات النظام التعليمي الأبوي، الهادف تكييف الأفراد والمجموعات للخضوع لمن هم أعلى وأكثر قوة، وانتظار التعليمات وتنفيذها بدون جدال.

تتجمع لدى الكادر المثقف المعلومات والدراية والأناة، حيث يشرع بمحاولة التعريف بالمشكلة ثم يحدد الهدف المطلوب الوصول اليه؛ بعد ذلك يجري تجميع المعلومات والمعطيات المتوفرة عن المشكلة في مختلف جوانبها ومستوياتها وفرزها من حيث الأهمية، لتطرح تصورات متعددة من الحلول والبدائل طبقا للهدف الذي تم تحديده، ويختار الأنسب بعد مقارنة السلبيات والإيجابيات في كل بديل؛ بعد ذلك ترسم خطوات الحل ومراحل التنفيذ وأدواته وأساليبه. وأخيرا تتم مراقبة التنفيذ والمراجعة النقدية واختزال الخبرات، وطرح المهمات اللاحقة.

ومن أضاليل ميديا الغرب وزيوفها  الطعون المضطردة  في علمية الماركسية، حتى قبل انهيار الاشتراكية وتفوق الرأسمالية في الحرب الباردة. تنبع ضرورة الماركسية وآنيتها من تناقضات النظام الرأسمالي وتجنبا لمخاطرة الكارثية على البشرية. رغم انهيار التجربة الاشتراكية في الزمن الراهن يرتفع الشعار الخلاصي: الاشتراكية او فناء البشرية. النظام الذي انهار تقوض بمعاول سدنته البيروقراطيين، ممن همشوا الطبقة العاملة وروضوها وجمدوا منظماتها النقابية والاجتماعية والسياسية، فلم توقف في الوقت المناسب فساد إدارتهم وتعارضها مع جوهر الاشتراكية ومبرر قيامها كبديل للرأسمالية. جوهر الاشتراكية هو التطوير المضطرد للاقتصاد ولرفاهية الجماهير المنتجة. والحقيقة التي يجب ان يعيها الكادحون أن قادة الفكر الماركسي أكدوا ان بناء الاشتراكية يخضع لظروف وملابسات مرحلة البناء ، ومما يتعارض مع علمية الماركسية وضع تصميم للاشتراكية يصلح لكل مكان وزمان.