2019-12-27

إنهيدوانا/ عشتار معلم: التعبير الذي يتحرَّر ويحرِّر

فيحاء عبد الهادي

"اقتربت من النور، لكن النور لسعني.

اقتربت من الظل، لكني كنت محاطة بعاصفة".

الشاعرة الأكدية/ السومرية، وأول مؤلفة في العالم معروفة بالاسم

كي تروي العديد من قصص النساء العربيات؛ عبر الفن؛ معاناتهن ومقاومتهن؛ استلهمت الفنانة "عشتار معلم"، شخصية المؤلفة والشاعرة إنهيدوانا، التي عاشت في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، والتي عدّها علماء الآثار أول شخصية نسائية كاتبة وشاعرة وناشطة نسوية في تاريخ البشرية، والتي "حظيت كتاباتها بقيمة عالية حتى لقرون بعد وفاتها"؛ "كاهنة معبد "إنانا" إله القمر، والتي تقابلها الآلهة "عشتار" عند البابليين، و"أفروديت" عند اليونان، و"فينوس" عند الرومان، وهي آلهة الحب والحرب والجمال والتضحية في الحروب".

لما لها من قيمة أدبية وتاريخية ونسوية؛ اختار مسرح عشتار أن يجسّد إنهيدوانا إبداعياً، ضمن عمل فني، يجمع بين المسرح والرقص والسيرك، بمرافقة عازفة الإيقاع "سيمونا عبد الله"، من إنتاج مسرح عشتار، وإخراج "إيمان عون"، وأداء "عشتار معلم"، وتقديمه ضمن أيام الحملة العالمية: 16 يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة؟

استلهم العرض نموذج المرأة المؤلفة الأديبة والشاعرة المجدِّدة، والمرأة القوية التي قاومت العنف والطغيان، والتي سعت إلى تغيير ثقافي جذري؛ يشتبك مع المفاهيم السائدة، ليرفع من شأن النساء، في مواجهة الأبوية، وينتصر للمرأة واهبة الحياة، وللحرية بتجلياتها، وللكرامة الإنسانية.

لماذا تم إيقاف عرض نهاواندا، خلال إطلاق فعاليات الحفل الختامي للحملة الوطنية #كلنا_ضد_العنف؟  الحملة التي تبدأ، ومنذ العام 2013، يوم 25 تشرين الثاني؛ اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، وتنتهي يوم 10 كانون الأول؛ اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

هل صحيح أن "كلنا ضد العنف"؟ وهل كلنا ضد العنف على النساء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هو شعار نرفعه في المناسبات فحسب؟! وكيف يكون العنف إذا لم يكن قد تجلى في منع المرأة الفنانة من التعبير، وإسكات صوتها؟

تبقى الشعارات شعارات إلى حين التطبيق على أرض الواقع.

مفاهيم تحتاج إلى مراجعة، على ضوء ما حدث، في جامعة النجاح الوطنية، يوم الثلاثاء: 10 كانون الأول 2019.

ما هي مسوِّغات إيقاف العرض؟

قال عميد كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنية: إن "لكل مجتمع خصوصياته وقوانينه وأنظمته التي تتناسب مع عاداته وتقاليده، وأن الجامعة موجودة في نابلس حيث المجتمع محافظ، وما يصلح عرضه في الناصرة وفي حيفا قد لا يصلح في نابلس وفي غزة وفي السعودية وحيث ما شئت".

يعود بنا ما حدث في جامعة النجاح، نهاية العام 2019، إلى ما حدث في الجامعة ذاتها العام 2005، حين وقع هجوم مسلح على حفل غنائي أحياه "عمار حسن"، ضمن فعاليات مهرجان فلسطين الدولي للفنون، وما حدث في العام ذاته، في قلقيلية، حين تم منع إقامة المهرجان ذاته، بقرار من مجلس بلديتها المنتخب، وإلى حدث إعدام كتاب "قول يا طير"، العام 2006، ومصادرة كتاب "جريمة في رام الله"، العام 2017.

ومن الملاحظ ما هو مشترك، في المسوِّغات التي قيلت، لتبرير إعدام ومصادرة وسحب الكتب، ومنع العروض الفنية، أو إيقافها: المحافظة على النسيج الاجتماعي ومنظومة القيم؛ الأخلاق، والعادات والتقاليد، عبر حجب مصطلحات مخلّة بالحياء، لحماية المواطن من الانحراف، ومن زعزعة قيم المجتمع.

ويذكرنا مثل هذا الحدث، الذي لم يكن الأول، بالعنف الموجّه ضد النساء، المتغلغل في الثقافة السائدة، والذي يحتاج إلى تغيير جذري؛ يغربل الموروث، ليخرج المضيء، ويتصدى للمعتم.

وإذا عدنا لنفكِّك المفاهيم، فما هي الثقافة، إن لم تكن صنو الحرية؛ الشرط الأول لممارسة التفكير، الذي يحدث التغيير؟ وكيف تكون حرية التعبير؟ إن لم تتجسد  في الفن وفي الحياة؟!

وما هو الفن، إن لم يكن التعبير الذي يتحرَّر ويحرِّر، ويعطي الحياة جمالاً وقوة؟!

وما دور المؤسسات التربوية، إن لم تمارس دوراً تنويرياً، يفتح أبواب المعرفة الواسعة أمام الطلاب، ويجعلهم قادرين على التمييز بين الخطأ وبين الصواب، وقادرين على الاختيار، واتخاذ موقف نقدي مما يقرؤون، ويسمعون، ويشاهدون؟

وهل يمكن القيام بهذا الدور في ظل وصاية أبوية، تغلق النوافذ والأبواب، في عالم مفتوح؟

هل نريد جيلاً خانعاً مقلِّداً، وممتثلاً لرؤية أحادية، وطريق واحد، وعالم واحد، أم جيلاً مبدعاً، واثق الخطا؛ يؤمن بالتعددية والاختلاف، ويؤمن بالشراكة، ويستطيع أن يتخذ قراراً مستقلاً؟

هذا هو السؤال، هذا هو التحدي.

لا ننتظر بيانات شجب وإدانة لما حدث فحسب، من المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني؛ بل ننتظر وقفة شجاعة تتداعى لها المؤسسات الثقافية، لتتصدى لهذا النهج، وتلك الرؤية القاصرة للثقافة، ولن يكون ذلك سوى بالإصرار على إنتاج المزيد من الأعمال الفنية المبدعة، وتقديمها في مدن وقرى ومخيمات الوطن والشتات، مع ضرورة فتح باب الحوار حول العروض.

وقبل كل ذلك، هناك أهمية لاستمرار وتكثيف الحملة المجتمعية، التي تدعو إلى تعليم تحرري، يزيل الوصاية عن العقول، ويلتزم البحث العلمي وحرية التفكير. تعليم يحارب التمييز العنصري والعرقي والجنسي والديني، وخطاب الكراهية، مستنداً إلى منظومة قيم الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان.