2019-12-28

هل ستنجح الجنائية الدولية فيما فشلت فيه الأمم المتحدة؟

د. إبراهيم أبراش

قرار المدعي العام لمحكمة الجنائية الدولية يوم الجمعة الموافق 20 من ديسمبر الجاري بفتح تحقيق رسمي في جرائم حرب تم ارتكابها في فلسطين أمر مهم، في دلالته السياسية لأنه جاء بناء على طلب فلسطيني وهذا يعني اعتراف ضمني ومبدئي من المحكمة بأن إسرائيل قد تكون ارتكبت جرائم حرب، وفي توقيته حيث جاء في وقت يشهد بداية تململ عالمي رسمي وشعبي من سياسات إسرائيل العدوانية والاستفزازية في فلسطين وفي دول الجوار، إلا أن القرار بداية معركة قانونية وليس نهايتها.

في هذه المعركة أو المواجهة القانونية ستعمل إسرائيل والولايات المتحدة على خلط الأوراق وفتح ملفات متعددة وإثارة قضايا ستتذرع إسرائيل بأنها محل خلاف ومنها: مسألة الوضعية القانونية للدولة الفلسطينية ومدى أهليتها للتصرف كدولة ذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة، المقاومة الفلسطينية المسلحة وإطلاق الصواريخ من غزة مما يتطلب أن يدافع الفلسطينيون ومن يمثلهم قانونياً عن حق الفلسطينيين بمقاومة الاحتلال بكل أشكال المقاومة بما فيها المسلحة، كما ستُثار مسألة الولاية الإقليمية للضفة والقدس وغزة، وهل هي أراضي فلسطينية محتلة كما هو الواقع وكما تنص قرارات الشرعية الدولية؟ أم أراضي متنازع عليها كما تزعم إسرائيل وإدارة ترامب؟ وفي هذا السياق أيضا سيبرز وضع قطاع غزة إن كان ما زال خاضعاً للاحتلال؟ أم أن إسرائيل انسحبت منه ولم تعد مسئولة عنه كما تزعم؟ أم تم تحريره كما تزعم بعض فصائل المقاومة؟ ومسألة حق الدفاع عن النفس الذي ستتذرع به إسرائيل لتبرير جرائمها ..الخ، وكل هذا يتطلب وحدة الموقف والخطاب الفلسطيني في هذه القضايا، ونعتقد لو حُسمت هذه المسائل حسب وجهة النظر الفلسطينية لكان هذا انجازاً بحد ذاته لا يقل عن انجاز إدانة واعتقال مجرمي الحرب الإسرائيليين.

المعركة القانونية ستكون شرسة لأن الأمر يتعلق بدولة إسرائيل المارقة التي لم تلتزم يوماً بقرارات الشرعية الدولية وتضع نفسها فوق القانون الدولي والشرعية الدولية، كما أنه يتعلق بأمريكا وإدارة ترامب التي تقف وراء إسرائيل وتدعمها وتدافع عن ممارساتها الإرهابية في المحافل الدولية، وهي التي لا تعترف بأن الضفة والقدس أراضي محتلة وهي التي أضفت شرعية على الاستيطان، وهي التي تعتبر مقاومة الاحتلال إرهاباً، وأن ما تقوم به إسرائيل من عدوان وإرهاب إنما يندرج في سياق حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، وهي التي اعترفت بأن القدس عاصمة لإسرائيل..!

المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست عام 2002 وبالرغم من أنها مشكلة من شخصيات قانونية مشهود لها بالنزاهة ولها نظامها الخاص بها ودرجة من الاستقلالية كما لا يوجد فيها حق الفيتو لأية دولة، إلا أن قدرتها على مواجهة التوازنات الدولية وصراع المصالح والنفوذ وما تمارسه واشنطن من ضغوط وابتزاز يبقى محدوداً، ومن الملاحظ ان كل القضايا التي تناولتها او اصدرت فيها قرارات إدانة تتعلق بدول فقيرة من العالم الثالث ليست من حلفاء أو اصدقاء الغرب.

مثلا، أصدرت المحكمة أمري اعتقال للرئيس السوداني السابق عمر البشير عامي 2009 و2011 ولم يتم الاعتقال حيث استمر رئيساً ويتنقل من بلد لآخر حتى أطاح به الشعب السوداني، وخلال هذه الفترة تم ابتزاز البشير بمسألة الانفصال عن جنوب السودان والتضييق على شخصيات وجماعات متهمة من الغرب بالإرهاب. أما بالنسبة لإدانة واعتقال الزعيم الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش وهو الانجاز الأهم للمحكمة فالأمر يعود لأن هذا الشخص الذي ارتكب بالفعل جرائم حرب في صربيا والبوسنة وكوسوفو دخل في مواجهة مسلحة مع حلف الأطلسي عام 1999 وقد تم القاء القبض عليه من طرق القيادة الصربية الجديدة في مارس 2001 وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا.

نتمنى على كل الفصائل والأحزاب الفلسطينية أن تُدرك أهمية وخطورة ما سيجرى مع المحكمة الجنائية الدولية وعدم الاكتفاء بالتصفيق والحديث عن انتصار، وأن يقرءوا جيداً صيغة القرار الذي يتحدث عن (مزاعم) بوجود جرائم مرتكبة من الطرفين، وعليهم الحفاظ على وحدة الموقف من كل القضايا التي ستثيرها إسرائيل وأمريكا وأن يتم منح صلاحية كاملة للفريق الذي ستشكله القيادة للتعامل مع المحكمة. كما أن حبل المحكمة الجنائية الدولية طويل والأمر قد يستغرق سنوات حتى يتم توجيه اتهام لمرتكبي الجرائم، وحتى إن تم إدانة قادة الصهاينة فالأمر يحتاج لسنوات أخرى حتى يتم اعتقالهم.

وعلينا أن نستحضر مصير تقارير وقرارات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مثل تقرير جولدستون حول الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في عدوانها على غزة 2014، وقبله قرار/توصية محكمة العدل الدولية 2004 حول بناء جدار الفصل، وكل القرارات والتوصيات الصادرة عن الأمم المتحدة والتي بقيت حبرا على ورق. فهل ستنجح المحكمة الجنائية الدولية في ما فشلت فيه الأمم المتحدة؟ نتمنى ذلك، ويجب العمل على ذلك.