2020-01-04

الآباء لا (يكسرون) الأبناء.. همسة في أذن إدارة جامعة بيرزيت

بسام الصالحي 

الامين العام لحزب الشعب الفلسطيني   

للعديد من الاعتبارات لا بد من رأي في ضرورة تجاوز أزمة جامعة بيرزيت، ولا بد من محاولة تنهي استمرار هذه الأزمة وتفتح الباب لحوار جدي وعميق حول أسباب هذه الأزمة وكيفية الحيلولة دون تكرارها. ومن الممكن في هذا السياق اقتراح استضافة بدء الحوار من قبلنا في حزب الشعب الفلسطيني أو من خلال منظمة التحرير أو وزارة التعليم العالي أو أي من المؤسسات ذات العلاقة، ليصار فوراَ مع الاتفاق على ذلك لفتح الجامعة مع حق الطلبة باستمرار خطواتهم الاحتجاجية إلى حين الاتفاق.

ولكن الموضوع الأهم، هو لماذا وصلنا الى هذه المحطة في العلاقة بين الطلبة وإدارة الجامعة، وهي محطة غير مسبوقة، ولم يحصل ان شهدتها جامعة بيرزيت بحيث يصبح مجرد الحوار يحتاج إلى حلول، وبحيث يجري هذا الاهمال والتجاهل لأزمة الجامعة المستمرة منذ عدة اسابيع ؟

ومن الطبيعي ان نجد لدى إدارة الجامعة تبريراتها لذلك، ومحورها ان الطلبة لم يعودوا كما كانوا، وانهم باتوا يكسرون كل القواعد، وان تنظيماتهم السياسية أيضاَ مسؤولة عن تدهور حالتهم، وان سلوكهم هو سبب كل ذلك. كما انه من الطبيعي ان نجد لدى الطلبة اعتباراتهم التي تتلخص في تراجع ثقتهم في إدارة الجامعة وفي رفضهم لأسلوب التجاهل والارضاخ الذي تمارسه الإدارة معهم، وكذلك لأسلوب معالجة المشكلة الخاطئ من قبل ادارة الجامعة منذ حدوثها.

ولكن من الطبيعي أكثر، مرة أخرى السؤال: لماذا انتفت ولأول مرة لغة الحوار في الجامعة الأكثر ليبرالية في فلسطين، والأكثر تجربة في هذا النوع من المواجهات النقابية، ومنذ متى كانت إدارة الجامعة تتحول عن دورها من راع لطلبتها وتضعهم في موقع التحدي بدل ان يكونوا في موقع الأبناء ؟

وبرغم اختلاف التجارب بين أجيال الحركة الطلابية، فإن من المفيد التذكير انه لم يحصل ان ارتاحت إدارة الجامعة في أية مرة لاحتجاجات وأسلوب احتجاجات طلبتها، بل انها رأت فيها دائما حالة غير مبررة، ولكنها كانت في نهاية الأمر تستجيب لحلول وسط كانت مرفوضة لديها في البداية، ومن غير المفيد ان يكون اختيار الاصرار على (كسر الطلبة) هذه المرة بسبب القضية التي انفجرت بسببها الازمة، هو الدافع الرئيسي لحالة التعنت القائمة. فبرغم ان بعض المظاهر الاحتفالية في الانطلاقات غير مفيدة أو ضرورية، إلا ان تضخيم إدارة الجامعة لهذه المظاهر غير مفيد أيضاَ، فمن غير الصحيح اظهار الأمر وكأن هناك (عسكرة) في الجامعة لربما تستغل لتثبيت هذه (التهمة) على الجامعة وحركتها الطلابية رغم ان الحالة الموصوفة والتي نتفق انه لا لزوم لها لا تتعدى (الفرجة) كما وصفها الدكتور عبد الرحيم الشيخ، ولا يجوز تضخيمها أكثر من ذلك بما فيه نعتها (بالعسكرة)، كما انه لا يمكن طبعا قبول أي تخريب أو تكسير لمرافق الجامعة او غير ذلك.

وبالتأكيد فإن قدرة الجامعة على اقناع طلبتها باعتباراتها في هذا الأمر، هي أحد مقاييس النجاح بما لا يقل عن مقاييس النجاح في تفوق الجامعة الأكاديمي وحصولها على درجات التميز التي تستحقها.

إن تضامن الطلبة مع بعضهم رغم اختلافاتهم السياسية يجب ان يقابل بالتقدير لا بالتحريض، وان الوصول الى الحل الوسط بالحوار معهم يجب ان يكون الهدف وليس (كسرهم)، علّنا رغم اختلاف الرأي معهم في هذه القضية أو تلك نحافظ على روح (التمرد) لديهم، فهي روح أحق بالرعاية والتوجيه من اخضاعهم وتفتيتهم.

في حسن التعامل هذا، كسبت إدارات جامعة بيرزيت روحها على الدوام، وكسبت الاعتزاز الدائم لطلبتها بها، وبرغم ان الطلبة قد يشعرون بالنشوة فيما لو خطت إدارة الجامعة الخطوة الأولى نحوهم، إلا ان ذلك لن يضير إدارة الجامعة لأن الطلبة سيكتشفون كما اكتشفنا نحن في تجارب مماثلة قبلهم، ان هذا ليس عن ضعف من إدارات الجامعة، ولكنه عن مكمل تربوي طبيعي لدورهم الأكاديمي، وان الكاسب الأكبر في النهاية هو هذه التجربة الخاصة وهذه النكهة الدائمة لما يسمى مجتمع بيرزيت. وبالتأكيد  لا يجب ان يفوت على إدارة الجامعة ان إشهار الطلبة لمطالبهم النقابية، هو التفاتة ذكية من قبلهم للتعبير عن استعدادهم لمعالجة موضوع الاشكال الأساسي الذي انفجرت بسببه الأزمة، ولكن بطريقة مفيدة وعزيزة للجميع.