2020-01-03

خطيئة الإخوان المسلمين في فلسطين..!

د. إبراهيم أبراش

كثيرة هي التساؤلات والمواضيع التي يكتنفها الغموض حول كل ما جرى ويجري منذ ظهور المجمع الإسلامي 1973 في غزة، والسياسة المناوئة التي انتهجها تجاه منظمة التحرير الفلسطينية، ثم ظهور (حركة المقاومة الإسلامية - حماس) بداية الانتفاضة الأولى 1987، إلى الانقسام والانقلاب على السلطة الفلسطينية 2007، ونهج حركة "حماس" ومفاوضاتها حول الهدنة مع إسرائيل بمعزل عن منظمة التحرير، وعلاقاتها المتميزة مع قطر وتركيا وجماعة الإخوان المسلمين، وموقفها في المواجهة الأخيرة بين حركة الجهاد وإسرائيل وصيرورة أهداف (المقاومة) فقط الدفاع عن سلطة "حماس" في غزة، وأخيراً كل الإجراءات والمشاريع على الأرض لتكريس كيان في غزة بمعزل عن منظمة التحرير والسلطة الوطنية، كالمستشفى الميداني الأمريكي والحديث عن المناطق الصناعية الخمسة وميناء عائم ومطار وتسهيلات لعمل قطاع غزة في إسرائيل.

هذه التساؤلات ستكون مفهومة إذا وضِعت في سياق أن حركة "حماس" منذ تأسيسها تتصرف باعتبارها امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين، فالدور الذي تقوم به "حماس" في فلسطين امتداد لدور الإخوان المسلمين على مستوى العالم العربي كمشروع إسلامي يسعى لتأسيس دولة الخلافة على أية بقعة أرض تسيطر عليها وهو في ذلك وبالضرورة يتموقع كحالة معارضة وصدامية مع الدولة الوطنية والمشروع القومي العربي والقوى التحررية والتقدمية، وفي كثير من الأحيان يلتقي هذا المشروع مع المصالح الغربية والامبريالية ومع الدور التخريبي للجماعات الإسلاموية التي صنعها الغرب وعاثت فساداً ودماراً في العالم العربي في مهمة تدمير الدولة الوطنية بهويتها وثقافتها وجغرافيتها.

فشلت جماعة الإخوان المسلمين طوال ثمانية عقود وعبر العالمين العربي والإسلامي في تأسيس إقليم- قاعدة أو دولة لتكون منطلقاً لدولة الخلافة المزعومة التي تشمل العالم (الأستاذية)، باستثناء الوضع الملتبس للسلطة القائمة في تركيا، ونظام البشير في السودان الذي ثار عليه الشعب أخيرا، ومرحلة حكم محمد مرسي في مصر، فوجدت حركة الإخوان في قطاع غزة الذي لا تريده إسرائيل وفصلته عن الضفة كما لا تريده مصر، وجدت فيه مبتغاها المنشود لتُقيم عليه إمارة إخوانية بتشجيع أو باستدراج خبيث من واشنطن في سياق سياسة (الفوضى الخلاقة) التي تزامن طرحها مع موافقة "حماس" على المشاركة في السلطة من بوابة الانتخابات 2004.

هذا لا يعني أن كل المنتمين لحركة "حماس" ومؤيديها عبر العالم مشاركون في هذا المخطط، فكثير منهم انتموا لـ"حماس" وأيدوها من منطلق وطني ولأنها رفعت شعار تحرير فلسطين وعدم الاعتراف بإسرائيل، وبالتالي غير مدركين للعبة السياسية الدموية التي تجري في قطاع غزة وحوله، كما أن حياتهم المعيشية أصبحت أسيرة ما توفره جماعة الإخوان وسلطة "حماس" ومن يدعم مشروع الانفصال من أموال.

لم يكن خطأ حركة "حماس" أنها مارست المقاومة المسلحة أو الجهاد، فالمقاومة حق لكل شعب خاضع للاحتلال وسيأتي يوم لن يكون فيه أمام الشعب إلا العودة للمقاومة بكل أشكالها، وبالتالي ليس مطلوب أن تستمر "حماس" وفصائل المقاومة الأخرى في نهج المقاومة المسلحة إلى ما لا نهاية، ولكن كان على حركة "حماس" عدم تحويل الشعب الفلسطيني لحقل تجارب لمشاريع وأجندة خارجية، كما أن الخلل يكمن في أن "حماس" مارست المقاومة بدون استراتيجية وطنية وفي سياق مناكفة منظمة التحرير، والأسوأ من ذلك أن "حماس" وظفت المقاومة المسلحة لخدمة مشروعها الإخواني الذي يهدف لإقامة كيان في قطاع غزة ليكون إقليم/ قاعدة للإخوان المسلمين، وكل الشهداء والجرحى والخراب الذي أصاب قطاع غزة خلال المواجهات والحروب في غزة وعليها كان لتحقيق هذا الهدف، والآن وبعد أن أصبح كيان غزة الإخواني شبه ناجز بدعم إسرائيلي وأمريكي فوظيفة المقاومة انتهت بالنسبة لحركة "حماس" وهذا ما يفسر المفاوضات حول الهدنة طويلة الأمد.

كما لم يكن خطأ "حماس" أنها ترفض الاعتراف بإسرائيل وترفض نهج المفاوضات معها فهذا موقف إيجابي من حيث المبدأ، بل لأنها حاولت من خلال هذا الرفض أن تؤسِس مشروعاً بديلاً لمنظمة التحرير وللمشروع الوطني، وبالرغم من انكشاف خطأ صيغة الاعتراف المتبادل بين المنظمة وإسرائيل وهناك مطالبات بالتراجع عنه إلا أن حركة "حماس" تسعى من خلال وسطاء لإيجاد صيغة توافقية للاعتراف بإسرائيل بشروط أو التعايش معها، بل ان "حماس" اليوم تقبل بدويلة في قطاع غزة، وإلا ماذا تعني الهدنة أو التهدئة التي تجري مفاوضات بشأنها بمعزل عن السلطة والمنظمة، والحديث عن ميناء ومطار وتسهيلات إسرائيلية أخرى، وماذا يعني انتقال المقاومة إلى (استراتيجية المقاومة الدفاعية) وعن أي شيء ستدافع؟!

أيضاً دأبت حركة "حماس" ومن يواليها من الأحزاب على التنديد بالتنسيق الأمني بين أجهزة السلطة وإسرائيل وأن هذا التنسيق يصب في خدمة أمن إسرائيل ويضيِّق الخناق على المقاومة، كما تعتبر "حماس" أن سبب توقف عملياتها الاستشهادية أو الحربية في الضفة والقدس سببه التنسيق الأمني، ولكن، على كل من يرفض ويندد بالتنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل، وهو تنسيق مُدان ومرفوض بالفعل، أن يرفض ويُندد بالهدنة بين "حماس" وإسرائيل لأن الهدنة أو التهدئة تعتبر تنسيقاً أمنياً بجدارة، وزعم "حماس" أنها وافقت على التهدئة ووقف مسيرات العودة كإجراء اضطراري لتسهيل الحياة على المواطنين في القطاع وحتى تحمي أرواح المواطنين من البطش الإسرائيلي هي نفسها الأسباب التي قالت بها حركة "فتح" والسلطة كتبرير للتنسيق الأمني، مع أن إسرائيل حتى الآن فرضت معادلة هدوء مقابل هدوء دون أن يتم رفع الحصار أو تخفيفه وتبخرت كل الوعود بهذا الشأن.

حتى وإن كانت "حماس" تنسق أمنيا ًبطريقة غير مباشرة لأنها لا تعترف بإسرائيل رسمياً إلا أن نتائج أو مخرجات التنسيق والهدنة واحدة وهي وقف المقاومة، ووقف المقاومة مع استمرار الاحتلال والاستيطان وتهويد المقدسات الإسلامية معناه الخضوع والاستسلام لواقع الاحتلال، وإعلان فشل لكل من يقولون بالمقاومة والتحرير.. وكانت المواجهة الأخيرة الناتجة عن اغتيال بهاء أبو العطا كاشفة لكل فصائل المقاومة وخصوصاً حركة "حماس".

بعد تراجع مشروع الإخوان المسلمين عالميا وخصوصا بعد إنهاء حكمهم في مصر الذي استمر حوالي العام فإن الشعب الفلسطيني يدفع الثمن وحركة "حماس" تتخبط بعد أن فشلت مراهنتها على الإخوان وعلى الإسلاموية السياسية بشكل عام.

فشلت حركة "حماس" في اختبار الجدارة الوطنية ،ولم يتوقف الأمر على فشل مشروعهم للمقاومة المسلحة أو الجهاد لتحرير فلسطين كما كانوا يقولون بل إنهم فشلوا حتى في المقاومة السلمية، فمسيرات العودة ورفع الحصار على حدود غزة تآكلت تدريجياً وأخيرا تم المساومة عليها مقابل المال..! كما فشلت "حماس" في تأمين المتطلبات الحياتية للمواطنين بحيث باتت تستجدي المال من أي كان وبأي ثمن حتى لا ينفرط عقد منتسبيها ومؤيديها، والأدهى من ذلك أن إسرائيل وظفت "حماس" كأداة للانقسام وفصل غزة عن الضفة، والمسؤولية الكبرى عن كل ذلك تتحملها جماعة الإخوان المسلمين ومن يواليهم ويتبعهم، الذين نزعوا قطاع غزة عن سياقه الوطني وحملوه أكثر من قدرته على التحمل.

فهل ستقوم جماعة الإخوان بمراجعة لسياساتها تجاه فلسطين وتعترف بخطئها وتعتذر للشعب الفلسطيني وخصوصا لأهالي قطاع غزة؟ وهل ستقوم قيادة "حماس" الحالية بالبناء على المراجعة النسبية، كما وردت على لسان خالد مشعل في سبتمبر 2016، وفي وثيقتها الجديدة التي طرحتها في الأول من أيار/ مايو 2017؟ أم أن المخطط متواصل وحسابات الإسلاموية السياسية أهم وأقوى من الحسابات الوطنية وما أفسده الإخوان المسلمين لن تصلحه انتخابات أو نوايا حسنة عند بعض قيادات "حماس"؟ إن لم تحدث هكذا مراجعة فلا قيمة لأي انتخابات عامة أو لحوارات مصالحة؟

وأخيرا سنسمع من يتهمنا بالتحيز للطرف الثاني، المنظمة والسلطة وحركة "فتح"، ونقول لهؤلاء إن أخطاء هؤلاء لا تبرر خطيئة حركة "حماس" وخصوصاً أن قطاعاً كبيراً من الشعب راهن على حركة "حماس" وخصوصاً في انتخابات يناير 2006 لتصحح مسار السلطة، إلا أن حركة "حماس" وقعت وأوقعت الشعب في أوضاع أكثر سوءاً مما كان موجوداً قبل الانتخابات وقبل سيطرتها على القطاع. لأن في الوطن متسع للجميع ولأن الوطن يحتاج للجميع، ما زلنا نأمل من حركة "حماس" تدارك الأمر قبل فوات الأوان.