2020-01-14

لا لاستخدام المرأة ضد المرأة في معركة المساواة

ريما كتانة نزال

أحلامُكِ تُغادر! وأكاد أجزم أنها تغادر، كأحد التفاصيل ذات المغزى على وجهة التحولات الجارية، ما بعد الاضطراب والزعزعة التي طال أمدها، تغادر بالجملة والمفرّق. انظري حولك، أصغي السمع ومُدّي النظر نحو البعيد، تمعني في الفراغ الواقع بين العين البصيرة واليد القصيرة.

الأحلام تلملم أسمالها يأساً. كلّ شيء يصغر في نظرك ويخسر من وزنه وجدواه، لا يستحق بذل الجهد في استئناف الحوار مع خصومه، فاليد التي تمتد داعية إلى الحوار تغتالها يد الظلاميين الرافضة للحوار، واضعة العصا بيد النساء لضرب وإخضاع النساء. أي شيطنة هذه التي يتم فيها استخدام المرأة ضد المرأة؟ يا لها من حرب قذرة تتحرك من مدينة إلى أخرى بإفراط وسخاء غير اعتيادي بالنسبة لهم، لإلحاق الهزيمة بقطاع اجتماعي يعادل نصف المجتمع، حرصاً على إبقائه في زوايا الظلام مشلولاً عن الفعل العام.

اطمئنوا أيها المحرضون، لن تنطلي على ماجدات فلسطين تلك الحرب المزعومة حتى لو تم تضليلهن لبعض الوقت، بل ستقلنها بكامل قوتكن النابعة من الرغبة في إزاحة فكر الظُلم والعبودية الذي ستصطلي بناره جميع النساء دون تمييز، هذا إن لم نقل إن لهيبها سيطال عموم المجتمع، نعم طال الوقت أم قصُر سترفعين صوتك ضد حرب متهافتة وخبيثة، ستقولينها مجردة من كل زيف ورياء: حربكم لتحجيم نصف المجتمع وحرمانه من حق المساواة كأساس لتحقيق العدل حرب تفوح من ثناياها المصالح الذكورية والسياسية، وبالتالي هي حرب لا تلزمنا.

أدرك مخاوفكن وأدرك أيضاً أن فئة واسعة من النساء بسبب القمع والاضطهاد الاجتماعي لا تجرؤ على إعلان موقفها الرافض لهذه الحرب المأجورة، ومع ذلك يمكنكن أن ترفضن تحويلكن الى مطية للظلاميين الذين يصرون على زجكن في محرقة حطبها النساء ضد النساء، لا تضعفي الى حد تسمحي بموضعة النساء ضد مصالحهن، وجعلهن أدوات حرب لحماية مصالح ذكورية باسم الدين، ولكي  تصطفي ضد صلاح المجتمع وتعزيز ثقته بنفسه وحشد قدراته وطاقاته في معارك الشعب الحقيقية والرئيسية الوطنية والتنموية والثقافية. لا لن تقبلي الانجرار إلى خدمة معركة تُوَظّف فيها النساء ضد قيم ومبادئ العدالة والمساواة. ولن ينطلي عليك خبث المقاصد وتهافتها، ولن تساهمي في تسهيل المهمات الالتفافية، وتصويرها معركة جارية بين المرأة والمرأة.

ولا أُجانب الصواب بالقول إنه لا خلاف بين النساء على صعيد المعاناة من وطأة التمييز الممارس ضدهن في الحيز الخاص والعام، لوْ تجرد الأمر من التحريض والتجييش وبث الكراهية البينية باسم الدين، سيكون الجميع موحداً ضده. فأنت تتقاطعين معهن في رفض تزويج الطفلات. وتتفقين معهن في رفض الطلاق المنفرد والتعسفي وتبعاته، أنتِ وهن تجتمعن ضمن فئة الـ 97% المحرومات من الحصول على حقهن في الميراث، أنت وهن معاً مشتركات في الوقوع تحت طائلة العنف المنزلي وتجتمعن في الصمت عليه، وتجتمعن في رفض النصوص القانونية الظالمة في الحضانة والنفقة...وإلخ من سياسة التمييز الظالمة.

  لا تستوحشي طريق الحق ولا تنخدعي في اجتماع او اكثر أُخرجت فيه النساء المُتعبات والمجيّشات والمُحَرضات على صبّ اللعنات على المدافعات عن حق المساواة للجميع من بنات جلدتك، اللواتي تم حقنهن بخطاب الكراهية، أو حتى المفتونات بالخطاب الذكوري والثقافة التقليدية. يجب ان تتساءلي ونحن معك نتساءل أين كان هؤلاء «الغيورون» الذين يلبسون عباءة الدين، وهمهم الوحيد مهاجمة النساء المناضلات اللواتي كن في ميدان المواجهة مع الاحتلال وما زلن، فيما هم يقفون متفرجين دون خجل او وجل، وكأن أمر الاحتلال لا يعنيهم؟ لماذا لم يغضبوا وقد مضى عشرات السنين على اغتصاب الوطن وتهويد المقدسات، بينما نجدهم لا يهدؤون في خلق الفتن وتهديد السلم المجتمعي؟

لسنا دعاة تفرقة، بل نحن من أشد الحريصين على الوحدة الوطنية ووحدة النسيج المجتمعي، ولهذا لن ترهبنا حربهم الخبيثة باستخدام النساء ضد النساء وتجييش المجتمع ضد نصفه، كنتن ولا زلتن دعاة حق كفله الدستور، من يرغب بالحوار ويقبل بالاختلاف فأهلاً به شريكاً في الوطن، ومن يرفض الحوار ويرفض الاختلاف والتنوع نزولاً عند داعشيته وظلاميته فهذا شأنه، ولا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد، باختصار لن نقبل بديلاً للحوار الديمقراطي البنّاء في الخصوصية الثقافية الفلسطينية وضمن أطر وبنى الدولة الفلسطينية الشرعية، بما فيها المؤسسات المدنية والأهلية.

تغادر الأحلام الجمعية لمدة لا تعرفين نهاية لها، إنها مرتبطة بالسياق العام الذي يعاني من التشوّه وأمراض الذُهان والانسداد وتشوُّه المفاهيم والقيم الكفاحية. لن تنتظري حتى يتعافى، لأن تعافيه مشروط بالضرورة بمواصلة تأدية المهام دون وَجَل، ومرتبط بقوة في ثبات الأقدام على الطريق الصعب المفضي إلى المساواة في الحقوق والواجبات. لا يمكن الانتظار حتى ترسو سفن الحوار في مرافئها الطبيعية، لأن الصيغة المُثلى التي نطمح جميعاً لتحقيقها لا تنتظر، أننا مختلفون لكننا متساوون.