2020-01-18

"سيداو" بين لغة الحقوق ولغة السيادة

رفاه عنبتاوي

تناقلت وسائل الإعلام خلال الشهر الماضي، مجموعة من المقالات والتصريحات والبيانات جاءت على شكل حملة منظمة لمهاجمة الجمعيات النسوية والحقوقية الداعمة لترجمة توقيع السلطة الفلسطينية على اتفاقية "سيداو" على أرض الواقع، من خلال مراجعة القوانين الموجودة، ووضع قوانين جديدة تضع الاتفاقية موضع التطبيق.

وللتوضيح فإن فلسطين صادقت على اتفاقية سيداو (الاتفاقية الدولية لمنع كافة أشكال التمييز ضد المرأة) عام 2014، ضمن جهودها للانضمام إلى أكبر عدد من المؤسسات والمعاهدات الدولية، بهدف ترسيخ الاعتراف العالمي بفلسطين دولة، والتأكيد احترام فلسطين لمعاهدات حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية عامة وبما يخص النساء تحديدا.

اتفاقية سيداو هي ثمرة نضال طويل للنساء في العالم، وتهدف إلى إنهاء التمييز والظلم الواقع على المرأة، بغض النظر عن المسبب له؛ سواء كانت السياسات والقوانين، أو العادات والتقاليد والأنماط الاجتماعية التي تؤدي إلى ظلم للنساء، لا لسبب إلا كونهن نساء، وتنص الاتفاقية في بنودها على حق المرأة بالمساواة بكافة حقوق الإنسان.

كما تبرز الازدواجية بمعايير هذه الهجمة الرافضة والمحتجة على اتفاقية سيداو، فقد انضمت السلطة الفلسطينية إلى أكثر من 300 مؤسسة واتفاقية دولية، ولم نسمع من "مجالس العشائر" ولا خطباء "المنابر" كلمة اعتراض تشبه ما شهدناه من تباكي وعويل وقلق على "القيم والأخلاق والعادات"، في قضية الانضمام لاتفاقية تخص حقوق المرأة، وتحديدا عندما ارتفعت الأصوات المطالبة بتطبيق الاتفاقية على أرض الواقع، علما أن الكثير من الاتفاقيات التي وقعتها السلطة الفلسطينية سابقاً، تشمل غالبية الحقوق التي نصت عليها اتفاقية سيداو.

خطاب المؤامرة مرة أخرى

الخطابات التي ارتفعت من بعض المنابر وما تناقلته وسائل إعلام من تجييش وتحريض تجاوز النقد ومعارضة بنود الاتفاقية، ليصل حد التبلّي عليها وتقويلها ما لا تقول واعتبارها "مؤامرة لتدمير ثقافة المجتمع، وتحريض النساء على التمرد"، تثير التساؤلات حول طبيعة ودوافع هذه الحملة المنظمة التي تهاجم الاتفاقية والجمعيات النسوية بمسميات هجينة حسبناها انقرضت، كالحديث باسم "العشائر" أو"المشيخات"!. نفس العشائر التي صمتت أمام جرائم قتل النساء المستفحلة في مجتمعنا، كما تصمت كل يوم على انتهاكات الاحتلال لحياة وكرامة أهل فلسطين من نساء ورجال.

ومن نافل القول إن رفضنا هذه الهجمة يشمل أيضاً رفض مزايداتها وتهديداتها للجمعيات النسوية والناشطات بها، رغم أن الطرف الموقّع رسمياً هو السلطة الفلسطينية، الأمر الذي يثير الشكوك حول الأجندات المخفية لهذه التهديدات ومن يقف خلفها. واضح أن إثارة القضيّة استُغلّت لضرب العمل الأهلي عموماً والمؤسسات النسويّة والحقوقيّة بشكل خاص، ودعم أجندات التخلف الاجتماعي، التي تمس بجوهر نضالنا الذي يهدف برمّته إلى جعل احترام حقوق الإنسان وكرامته قيمة عليا في المجتمع الفلسطيني.

ومن المؤكد أن الالتزام بالاتفاقيات العالمية لحقوق الإنسان (بمجملها) يهدف الى خلق إجماع عالمي يتجاوز "الخصوصيات الثقافية"، وكافة العقبات التي تحرم المهمشين والمستضعفين من العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. استعمال ذريعة "التمويل الأجنبي"، باعتبارها دليلاً على "التدخل الأجنبي أو الغربي" لفرض ثقافته على مجتمعنا، هي ديماغوجية فارغة أمام واقع يكاد يخلو من المؤسسات المموّلة محليّاً دون اللجوء إلى مصادر التمويل العربية أو الإسلامية أو الدولية على أنواعها. من المؤسف أن علينا التذكير مرة أخرى بأن المؤسسات النسوية والناشطات بها، هن جزء لا يتجزأ من المجتمع الفلسطيني لها ما له وعليها ما عليه، وهي حريصة على ملاءمة برامجها للواقع السياسي الاجتماعي المركب الذي تنشط فيه، لتلبية احتياجات النساء الفلسطينيات ومعالجة قضاياهن بالشراكة التامة معهن.

رفع الظلم الداخلي بداية التحرر

نضالنا من أجل احترام كافة حقوق الإنسان الفلسطيني، بما فيها حق تقرير المصير والتحرر من الاحتلال، يحتم علينا الاستمرار بربط النضال الوطني بالنضال المجتمعي الهادف لتحرر المرأة من كافة أشكال التسلط والتمييز التي تعاني منها النساء. إن إيماننا بحقنا بالحرية من الاحتلال وتقرير المصير، لا يمكن أن يتماشى مع قبول الاضطهاد والتمييز والعنصرية ضد النساء، أو بين أفراد المجتمع الطامح لهذه الحرية. وهي قيم لا يمكن ان نضحي بها أو نؤجل الحديث عنها، فلا تحرر للشعوب دون تحرر المستضعفات والمستضعفين فيها من كافة أشكال الظلم والقهر.

هذه الهجمة الشرسة على الاتفاقية والعمل النسوي هي مؤشر لضرورة اتخاذ السلطة الفلسطينية خطوات عملية تؤكد على استمرار تبني اتفاقية سيداو، ووضع قوانين جديدة لضمان المساواة بجميع الحقوق، ليشمل ذلك مراجعة القوانين القائمة وملاءمتها لمبادئ الاتفاقية، وإلغاء السياسات الظالمة ومكافحة العادات التي تتيح الظلم وانتهاك الحقوق. على السلطة الفلسطينية التحرك بشكل جدي يتجاوز الإعلانات والتصريحات نحو سن قوانين تكفل الحق بالتنظيم وحرية التعبير لكافة النشطاء والفاعلين في المجتمع المدني.

متطلبات المرحلة

إن الجمعيات الحقوقية والنسوية الفلسطينية تعمل منذ سنوات طويلة من أجل تطبيق الاتفاقية وإنهاء التمييز ضد الفلسطينيات في كل فلسطين التاريخية. إن استمرار هذا النشاط يتطلب موقفاً واضحاً يعتبر عملنا ضمن الجهود الشرعية لوضع النساء الفلسطينيات على قدم المساواة. أصبح من الملحّ في هذه المرحلة صياغة المشروع الوطني الإنساني على قاعدة القيم العالمية وعلى رأسها احترام حقوق الإنسان وكرامته. ويأتي ذلك بتبني خطة عمل مشتركة، تنتقل بالعمل الحقوقي والنسوي من مرحلة الدفاع عن حقها بالوجود، إلى مرحلة إحداث التغيير المجتمعي وتحقيق إنجازات تنتقل بنسائنا ومجتمعنا نحو مستقبل أفضل.

عملنا في كيان "تنظيم نسوي" على الساحة الدوليّة، والذي يشمل تقديم التقارير البديلة للجنة سيداو، ينطلق من اعتبار هذه الساحة مهمة ومتممة لعملنا الرئيسي في مجتمعنا المحلّي. فنحن نعمل بالتنسيق والتعاون مع المنظمات الحقوقية والنسوية في الضفة الغربيّة وغزة على توحيد الجهود وتعزيز الربط بين العمل الدولي والضغط من أجل تنفيذ الاتفاقيات الدولية، وبين العمل الميداني مع الناس؛ من أجل مواجهة كافة التحديات المنافية لحقوق المرأة وحقوق الإنسان الفلسطيني عامة أيا كان مصدرها، سواء كان الاحتلال ومؤسساته، أو السلطة ومؤسساتها، أو المجتمع بممارساته وأعرافه الذكورية التي ترسخ دونية المرأة.