2020-01-22

محاكمة القاضي الأشقر على خلفية الرأي والعدالة الناجزة

د. عصام عابدين

لا شك أن إحالة القاضي د. أحمد الأشقر للتحقيق ومن ثم للمجلس التأديبي من قبل رئيس مجلس القضاء الأعلى الانتقالي، على خلفية مقال رأي، تنطوي انتهاكات صارخة ومُركبة لحقوقه كقاض وإنسان من حيث إجراءات الإحالة ومضمون التحقيق والتأديب، ومتطلبات العدالة الناجزة؛ وبخاصة بعد أن قرر القاضي الأشقر استخدام حقه الدستوري والقانوني المكفول في قانون السلطة القضائية بأن تكون المحاكمة التأديبية علنية وباتت قضية رأي عام

ولا شك أن ما يجري، يثير العديد من التساؤلات؛ حول إصلاح مزعوم في القضاء ينفرد به رئيس المجلس الانتقالي المعين كما المجلس من السلطة التنفيذية على نحو غير دستوري؛ ومَن يؤازره وأصدقاءٌ في المجتمع المدني، في غياب للشفافية وإمعان في انتهاك حق المجتمع في توحيد وإصلاح السلطة القضائية على قاعدة مبدأ سيادة القانون وسمو الدستور.

سبق وأن أوضحنا في مقال عنوانه "خلاصة الكلام حرية التعبير عن الرأي للقضاة" أن حرية التعبير عن الرأي حقٌ طبيعيٌ لصيق بالإنسان، يقوم على فكرة الحقوق الطبيعية التي تولد مع الإنسان، قاضياً كان أم غير قاض، ومرتبط بمنظومة حقوق الإنسان، ارتباطاً لا يقبل التجزئة، وأن من حق القضاة دستورياً وأخلاقياً التعبير عن آرائهم بحرية في الشأن العام، وقانون السلطة القضائية واضحٌ تماماً عندما وضع ضابطاً محدداً وقابلاً للقياس على حرية التعبير للقضاة بعدم انخراطهم في "حزب أو تنظيم سياسي" وعدم "ممارسة العمل السياسي" أي الاشتغال بالسياسة كنشاط حياتي.

إن الخروج عن هذا الضابط، من خلال التعميمات التي تواتر عليها رؤساء مجالس القضاء الأعلى المتعاقبين، وسار على نهجها رئيس المجلس الانتقالي قديماً عندما كان رئيساً لمجلس القضاء الأعلى وحديثاً عندما أصبح مجدداً رئيساً لمجلس القضاء الأعلى الانتقالي، وعبّر عنها في وسائل الإعلام، ومارسها عملياً بإحالة القضاة وبخاصة الشباب للتحقيق (القاضي د. أيمن ظاهر) وللمجلس التأديبي (القاضي د. أحمد الأشقر) على خلفية حقهم الطبيعي في التعبير عن الرأي؛ يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الأساسي وإرادة المشرّع الدستوري وقانون السلطة القضائية ومدونة السلوك القضائي والاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويدلل على موقف عدائي من رئيس الانتقالي اتجاه حرية الرأي والتعبير.

عندما يقرر القاضي، استخدام حقه الدستوري والقانوني بنقل المحاكمة التأديبية من حيز  السرية التي ينص عليها قانون السلطة القضائية (مادة 52) إلى المجال العلني على ذات النص القانوني؛ فإن مفهوم "العدالة الناجزة" يأخذ أبعاداً عميقة ومُركبة، شديدة الحساسية، تطال، القاضي، والإنسان، والقاضي الإنسان، والإنسان القاضي، وهنا، يصبح من الصعب، فهم المغزى، من إطالة أمد التقاضي، والحالة تلك، بعد انتقال المحاكمة التأديبية إلى المجال العلني.

اتجهت إرادة المشرّع الفلسطيني في قانون السلطة القضائية إلى الحق الكامل للقاضي في طلب محاكمة تأديبية علنية خلافاً للأصل المتمثل في سرية المحاكمة التأديبية، كي لا يُظلم القاضي تحت جنح الظلام، بعيداً عن الرقابة المجتمعية، ولمّا كان استقال القضاء حقاً للمجتمع وقيمة مجتمعية، فإن الرقابة والدفاع عن استقلال القاضي ورأيه حقٌ للمجتمع

اليوم الإثنين، الموافق 20/1/2020، جرت الجلسة الثالثة من جلسات المحاكمة التأديبية للقاضي د. أحمد الأشقر على خلفية مقال رأي، وللتذكير، فإن الجلسة الأولى كانت بتاريخ 7/11/2019 تنحى خلالها رئيس المجلس التأديبي القاضي عبد الله غزلان لاعتبارات تتعلق بسيادة القانون واستقلال القاضي - حجر الأساس في استقلال القضاء- وحياده وضميره وكون الهيئة لم تكن مشكلة وفق قانون السلطة القضائية (مادة 48)، وفي الجلسة الثانية التي انعقدت بتاريخ 13/1/2020 كرر القاضي الأشقر دفوعه الشكلية والموضوعية قبل الدخول في أساس الدعوى وأنه لا وجه للسير في الإجراءات التأديبية، وقرر المجلس التأديبي، حسب قراءته للمادة (50) فقرة (2) من قانون السلطة القضائية، إجابة طلب مساعد النائب العام بتقديم مذكرة خطية على الدفوع المثارة من قبل القاضي د. الأشقر ورفع الجلسة إلى تاريخ 20/1/2020، وهو موعد الجلسة الثالثة التي انعقدت اليوم وقرر فيها المجلس التأديبي مباشرة بعد سماع رد مساعد النائب العام رفع الجلسة الثالثة وتحديد موعد للجلسة الرابعة بعد (20) يوماً أي بتاريخ 9/2/2020، ما دفع بالقاضي د. الأشقر إلى تقديم طلب خطي بتقريب موعد الجلسة الرابعة من جلسات المحاكمة التأديبية العلنية المستمرة.

إن المجلس التأديبي، الذي ينظر في جلسات المحاكمة التأديبية، والذي نحترمه ونقدره، ولا نتدخل في إجراءاته، يُدرك بلا شك مدى حساسية نقل المحاكمة التأديبية لقاض على مقال رأي من حيز السرية للمجال العلني، في قضية رأي عام، تأثيرها على نفسية ووجدان القاضي وهو يعتلي منصة القضاء ويفصل في المنازعات بين الناس، وعلى حقوقه الوظيفية التي أفصح عنها القاضي الأشقر في جلسة اليوم والتي يمكن أن تتأثر في ظل عدم الوصول لغاية الآن للعدالة الناجزة، ويدرك أيضاً أن العامل الزمني، والحالة تلك، شديد الحساسية، شديد التعقيد، وقد يتدحرج مثل كرة الثلج أو النار.

وما يثير الاهتمام، أيضاً، أن المركز الإعلامي القضائي أبلغ الصحفيين اليوم في بداية الأمر أن التصوير داخل قاعة المحاكمة التأديبية غير مسموح، خلافاً للجلسة الأولى والثانية للمحاكمة التأديبية، ومن ثم أبلغهم قبل افتتاح الجلسة أن بإمكانهم التصوير داخل قاعة المحاكمة التأديبية. وإذ نعتبر، الرجوع إلى الصواب، باحترام علانية جلسات المحاكمة، والسماح لوسائل الإعلام بتغطيتها بالصوت والصورة، خطوة إيجابية، فإنه من الأهمية توضيح الموقف القانوني والحقوقي من تلك المسألة الهامة على صعيد الحقوق والضمانات وحق المجتمع في الرقابة على الأداء والإصلاح القضائي.

علانية المحاكمة، حقٌ مكفولٌ في القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية والقوانين الإجرائية وفي الشرعة الدولية لحقوق الإنسان (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية) والعديد من المبادىء الدولية وإعلان المدافعين عن حقوق الإنسان والعديد من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي الميثاق العربي لحقوق الإنسان. وعلانية المحاكمة، حقٌ ومبدأ، لا يتجزأ؛ أي بمعنى أنه لا يُسمح بالقول إن العلانية مثلاً مقتصرة على الجمهور ويستثنى منها وسائل الإعلام، أو أنها مقتصرة على التسجيل المرئي للصحفيين لجلسات المحاكمة دون التسجيل الصوتي، وما شابه، تحت ستار إدارة القضاء أو إدارة الدعوى، لأننا والحالة تلك نكون أمام "تجزئة" للحق والمبدأ في علانية المحاكمة تنتهك القانون الأساسي والتشريعات والاتفاقيات والمعايير الدولية ذات الصلة.

والحق في علانية المحاكمة، غير مقتصر على أطراف الدعوى، ويعني أن تكون جلسات المحاكمة مفتوحة أمام الجمهور ووسائل الإعلام، ولا يهدف فقط إلى صون حقوق القاضي والحالة تلك، أو صون حقوق المتهم في الدعاوى الجزائية، وإنما يهدف أيضاً إلى صون حقوق العامة في معرفة ومراقبة كيف تُدار منظومة العدالة وتصدر الأحكام ( المادة 9/3/ب من الإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان، والقرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 53/144) كما ويطال واجب الرقابة المجتمعية على القضاء، كحق للمجتمع، لا ميزة لمن يتولى إدارة القضاء أو إدارة الدعوى القضائية.

إن ما يجري مؤخراً، سواء فيما يتعلق بجلسات المحاكمة التأديبية للقاضي د. أحمد الأشقر، أو في قضية الموظفتين في المحكمة الدستورية العليا الأستاذة مروة فرح والأستاذة دعاء المصري التي تحولت أيضاً إلى قضية رأي عام وما حملته من أبعاد ودلالات غير مسبوقة، مضافاً إليها امتناع رئيس المحكمة الدستورية العليا عن تطبيق قرار الحماية الذي صدر بحق الفتاتين منذ تاريخ 12/1/2020 ولغاية الآن رغم تسلمه القرار، في انتهاك صارخ لمبدأ سيادة القانون الراسخ في القانون الأساسي، من محكمة دستورية فشلت في حراسة القانون الأساسي وحماية الحقوق الدستورية وانتهكتها، وغياب المجتمع المدني عن المشهد بأكمله؛ ما دفع بإحدى الفتاتين في المحكمة الدستورية إلى رثائه على صفحتها الشخصية، يكشف أزمة عميقة ومستمرة داخل المجتمع المدني الفلسطيني، ومن المرجح، وآمل أن أكون مخطئاً في التشخيص، أن تزداد عمقاً واغتراباً في المرحلة القادمة، في ظل استمرار غياب المراجعة والتقييم الجاد في الخطاب والأدوات وتآكلها.

ويبقى الرهان الكبير، على المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وبخاصة الشباب، ويقيني، أنهم قادرون على مواجهة التحديات رغم بؤس الحال، قادرون على تنظيم أفكارهم وصفوفهم، بعيداً عن المصالح والامتيازات والمساومات التي عصفت بالمجتمع المدني الفلسطيني، قادرون على بناء جسور الثقة مع القاعدة الشعبية التي خسرها المجتمع المدني، قادرون على العمل ضمن مجموعات ومجالات متعددة داخل منظومة حقوق الإنسان، قادرون على مواجهة الظلم والفساد وامتهان الحقوق والكرامة الإنسانية، قادرون لأنهم أمل الناس في بر الأمان وأمل فلسطين في حياة أفضل.