2020-01-24

بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثون لرحيله..

(وثيقة تاريخية بخط يد الرفيق والقائد الوطني والأممي وشاعر الحزب والثورة الفلسطينية، معين بسيسو، قدمها المستشار القانوني الاستاذ حلمي برزق الى حزب الشعب الفلسطيني)

في حتمية الصراع الفكري نحو بناء جبهة واحدة للمثقفين الثوريين العرب

ان ثقبا واحدا في الجدار، يتسلل منه خيط من النور، يفسح أمامنا المجال، لكي نحلم بالنافذة الكبيرة والعمل من أجلها في الوقت نفسه. ومع ذلك فلم يكن ثقبا واحدا في جدار القوى الرجعية الذي تسلل منه ذلك الشعاع، فجدار القوى الرجعية المحلية وعلى نطاق الوطن العربي كله، غير مثقوب فحسب، بل آيل للسقوط . والرجعية بالتعبير الفلسفي هي ذلك البرج المفرغ من الفخار الذي يمكن أن يسقطه عود من الثقاب. ويجب ألا يؤخذ هذا التصور الفلسفي أبدا، على أساس أن الرجعية، قد فقدت كل امكانياتها على الثورة المضادة، أو على الأقل فرص التحضير لها. فعود الثقاب الذي يمكنه أن يدفع هذا البرج من الفخار للسقوط، يشير الى أن الراية الفكرية المرقعة للقوى الرجعية، والرثة بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، تبسط أقدامنا الارض السياسية بكل اتساعها، لا لشن حرب الاسلحة التاكتيكية ضدها، بل باستخدام أسلحتنا الاستراتيجية.

ان تاريخ الحركة الثورية العالمية يؤكد لنا بوضوح وفي هذا الاتجاه، على أن النظرة لكافة القوى المعادية، مهما أتقنت أساليب الاختبار في قاعات الثورة وخلف أعمدتها، النظرة الى امكانية تعريتها والاطاحة بها، عن طريق الحوار الفكري معها، وفي اطار التعايش الايديولوجي الا أن تترتب عليه أخطر الفواجع السياسية، لقد تمكن التروتسكيون مثلا من انزال خسائر فادحة بقوى الثورة البلشفية، حينما كانت النظرة اليهم قبل عام 1917 على أساس أنهم تيار سياسي، وفي اطار قوى الثورة، في الوقت الذي كان هذا الطابور قد تحول بالفعل الى عصابة للتخريب والتجسس بل وممارسة الاغتيال السياسي.

فالقناصة الرجعيون على سبيل المثال، لا يتركون الفرصة أبدا، لأية خوذة ترتفع من خنادق جبهة الثورة، الا ويبادروا بإطلاق نيرانهم، مستخدمين كل خبراتهم المركزة في التصويب، هنا يبرز بالفعل المستوى الفني المرتفع للقناصة الرجعيين، وسرعة حركتهم في الانتقال بين ميادين المعركة. سحب مدافعهم مثلا وبشكل مؤقت ومرحلي من أمام القلعة السياسية المباشرة التي ترتكز على صخرة التطور غير الرأسمالي، الى القلعة الفكرية والتي لعديد من الظروف، ونتيجة لعدم الالتحام العضوي والروحي الخصب، بين منجزاتنا السياسية والفكرية في مختلف اشكالها وصورها، انخفض وبشكل ملحوظ مستوى الحراسة والدفاع عن قلاعنا الفكرية، لنلاحظ هنا مثلا، فقدان القوى الرجعية لإمكانية شن هجمة مضادة مباشرة على القطاع العام مثلا واتهامه وتصويره بالقطاع القرمزي وامكانية الصاق القرمزية وبشكل سافر، بشعرنا المعاصر، وشن حملة ارهابية على كوادر ثورتنا الفكرية، تبلغ في بعض مراحلها مستوى التحريض المباشر لجهاز الدولة، مرة بإصدار "ديكرتيو" الحرمان في أن تساهم هذه الكوادر في النشاطات المباشرة لثورتنا الفكرية" ولنلاحظ هنا مستوى التمثيل في المؤتمرات الأدبية" ومرة اخرى بالتخويف مما يسمونه غزوة الفكر المادي المستورد، ويعنون بهذا المنهج العلمي، ويستنفرون للجهاد ضده، حماة التراث الفكري، مع أن البراجماتية وهي الفلسفة الرسمية للاحتكارات المالية الامريكية والتي يدقون طبولها، لم تنحدر والتي من تراث أ. ب ذر الغفاري، أو من معرة النعمان، ولا تعثر عليها في قصائد أبي الطيب.

ولننتقل الى تجسيد مباشر للمعركة، معركتنا ككوادر للفكر الثوري، ضد قوى الفكر الرجعي، فنحط الاتجاه الذي سارت منه ما أسماه البعض مخطئين، بعضهم بالطبع من حسن نية، المعركة بين ما أسموه مخطئين للمرة الثانية الشعر التقليدي الحديث، يؤكد أن الرجعية بعد هزائمها السياسية المتواصلة، وبعد أن استقطب النضال ضد قوى قطب الاستعمار العالمي، وعلى رأسه الاستعمار الأمريكي، ألد الأعداء لحركة التحرر الوطني العربي، تبحث عن مجالات جديدة، تكسب فيها بعض الانتصارات الجزئية عن طريق استفزاز المشاعر الشوفينية واستنفارها وتزوير وتشويه مسارات الفكر الجديد ومنابعه في حياتنا الجديدة، ونبش صناديق قمامته الايديولوجية الاستعمارية العالمية، والقائها في وجه الفكر الجديد.

والمعركة لم تكن أبدا بين تقليدي وحديث، لأن هذا يفرض منطقيا ولاية أكثر القوى رجعية وسوادا في حياتنا الفكرية على تراثنا الفكري القديم، وهم الذين مارسوا الى أبعد حد في الماضي كما يمارسون الآن، عمليات الردم لكل النبضات والاشراقات الثورية في تراثنا الفكري وطمس معالمه، ودفع أكثر الافكار والاتجاهات يمينية الى دوائر النور. والنظرة للمعركة أيضا وعلى أساس هذا التقسيم الخاطئ، يعني أن شعرنا المعاصر مثلا، هو نبات شطب في لا جذور له في أعماق تراثنا الشعري وتقاليده الثورية العريقة وهذا ما نرفضه، لتلك الاسلاك الشائكة الوهمية التي تحاول القوى الرجعية أن بين كل ما هو ثوري ومتقدم في تراثنا الفكري، وبين انجازاتنا الفكرية المعاصرة، ان المعركة في صميمها كانت وما تزال، معركة قوى الثورة بمختلف أسلحتها، ضد قوى حملة رايات الثورة المضادة بكل أسلحتها، ويجب أن لا تنحرف درجة واحدة عن هذا الاتجاه.

فلماذا تمكنت الرجعية من أن تقوم بالفعل، بشن هجمات مباشرة ضد فكرنا الثوري الجديد وضد كوادره، وتمكنت بالفعل أيضا من احراز بعض المكاسب المؤقتة، رغم فقدانها تماما لأرض الثورة السياسية.

فالذي نلاحظه بوضوح هو أن النظرة الرسمية للصراع، تسيطر والى حد بعيد، على استخدام كوادرنا الثورية، لهذا السلاح، فهم لا يبدأون في شحذه واستخدامه، الا حينما يستيقظون، ويجدون القوى الرجعية تحاصرهم حتى النوافذ، وقد وضعت شاراتها على أبوابهم. وهكذا تستخدم الكوادر الثورية سلاح الصراع في رد الهجمة المضادة للعدو، ثم سرعان ما يلقى السلاح في غمده بعد انقشاع غبار المعركة، والتي تكسبها القوى الرجعية، رغم وقوع عدد من الأسرى والجرحى بل والقتلى منها، واكتسابها هذا ، يأتي من زاوية عدم ملاحقتها حتى القواعد الرئيسية التي تنطلق منها، والاستمرار في عملية التطويق والحصار، والكشف والفضح، وبالتالي تقدم لها على طبق من الذهب، فرص تضميد الجراح وترقيع الرايات.

واذا كانت النظرة الموسمية للصراع تشكل مثل هذا الخطر، على منجزاتنا الفكرية، فالانجرار الى تنصيف وتبويب الكوادر الثورية لبعضها البعض ، يشكل خطرا آخر يترتب عليه أن يفتح المثقفون الثوريون وعلى نطاق الوطن العربي الكبير كله، نيران مدافعهم وعلى خنادق جبهتهم الواحدة، في الوقت الذي يواجهون فيه نيران الرجعية المركزة التي تستهدف ابادتهم جميعهم بغض النظر عن الاختلاف في الاتجاه فيما بينهم.

ونحن نواجه الخطر نفسه بنظرة التعايش الفكري مع هذه القوى، وتوهمنا بأننا نستطيع فقط تطويقها وحصارها بل بإسقاط شجرة أقنعتها عن طريق نتاجنا الفكري وملاحقتها به، فكل هذا انتاج يصبح سلاحا مثلوما لا نفع فيه، بل ثوبا فكريا مرقعا، بنظرة التعايش مع هذه القوى، فاذا فرضت بعض الظروف المؤقتة وجود مثل هذه القوى في بعض مستويات التوجيه الفكري، فلا يجب وفي كل الظروف، فهم هذه المرحلة على أساس ابقاء سلاح الصراع الفكري في غمده الصدئ، فلا يعني أبدا وفي ظرف مرحلي، عدم تركيز النيران ضد هذه القوى، وبشكل وظائفي يستهدف اقصاءها عن دائرة الانتاج والتوجيه الفكري، أن نتعايش معها فكريا، فبمقدار ما نطو سلاح الصراع الايديولوجي مستحوذا ، تكون قدرة دوائر كوادرنا الفكرية الثورية على الاتساع، نكون قد دفعنا بمرحلة استقطاب الفكر الثوري المعاصر، وبحركة المثقفين الثوريين العرب، وفضح بطاقات المرور المزيفة التي تحملها القوى المضادة.

وهكذا يتضح أكثر فأكثر أهمية الصراع الفكري الدائب والجسور ضد كافة الاتجاهات الرجعية وكوادرها الفكرية التي رسخت تقاليدها عبر عشرات السنين، واستطاعت في هذه المرحلة أو تلك تقديم جرعات ورشوات شوفينية.

ان قضية الصراع هي مسألة حتمية، ويجب تناولها من كافة زواياها، حتى لا تسير حياتنا الجديدة، بساق المنجزات والمكتسبات السياسية وحدها، وحتى لا تجد التغيرات الاجتماعية الجذرية نفسها في عزلة عن انتاجنا الفكري وكوادرنا الفكرية، وحتى لا يظل هذا الفكر غريبا في أرضه السياسية والتي قاتل طويلا من أجلها.

وهكذا يلاحقنا بإلحاح شعار الجبهة العريضة الواحدة لكافة المثقفين الثوريين العرب، الذي يمكن أن ينهض بمسؤولياته التاريخية لا بالنسبة لقوى الفكر الرجعي المضاد، بل بهندسة الافكار السياسية للجماهير الشعبية العريضة وعلى نطاق الوطن العربي كله، وبالذات الاسهام في انهاض الحركة الجماهيرية العربية ، في الاجزاء التي لا تزال بشكل أو بآخر، ترزح تحت نير القوى الاستعمارية العالمية والرجعية المحلية.

وفي هذا الاتجاه، ومن أجل الانتقال بحركة الجبهة العريضة الواحدة لكافة المثقفين الثوريين العرب، من مرحلة الشعار الى مرحلة التطبيق، تبرز ظاهرتان تاريختان لا يمكن المرور عليهما بدون أن تركيز بعض الضوء عليهما.

أولاهما، ما تم مؤخرا ونحو تركز كل القوى الثورية الرئيسية في قطب ثوري رئيسي واحد، وهذا ما يبرزه الاتجاه التاريخي الذي انعطفت اليه في الجزائر المنبر المستقل للماركسيين اللينينبين الجزائريين، وانصهارهم في البوتقة الواحدة لجبهة التحرير الوطنية الجزائرية، والأمر نفسه بالنسبة لتركيز كافة القوى الثورية في قطب الاتحاد الاشتراكي العربي في الجمهورية العربية المتحدة. والذي لا يمكن تجاهله، وبالنسبة لهذا الانعطاف التاريخي هو أن قوى الثورة المضادة وعلى نطاق الوطن العربي كله، يمكن أن تدشن مثل هذا الانعطاف ، بل ستدأب على التشكيك فيه ووضع كافة العراقيل في طريقه، وممارسة أعلى مستويات الاستفزاز والتحريف ضده، ولكنه وفي كل الظروف فالذين أتموا مثل هذا الانعطاف، يعلمون تماما، أنهم وقد اتخذوا مثل هذا الاتجاه، انما يسيرون على بساط الثورة، وليس على بساط قوى الثورة المضادة.

والظاهرة التاريخية الثانية، هي أن وضوح الرؤيا هذه بالنسبة للقوى الثورية، في القطاع الثوري المتقدم، في وطننا العربي، قطاع طريق التطور غير الرأسمالي وارساء الاشتراكية، يقابله نير الإمبرياليين القدامى والاستعماريين الجدد، في القطاعات غير المتحررة في وطننا العربي، وبالتالي لا يمكن سحب ما حدث في القطاع الثوري، على القطاع اللاثوري واللامتحرر في وطننا العربي، وبالنسبة للقوى الثورية ذات الثقل الرئيسي في المعركة الوطنية، فبقاء هذه الثورية في ميدان النضال، شرط رئيسي من شروط الانتصار على قوى المستعمرين العالميين وانجاز مرحلة التحرر الوطني.

وقد يبدو مثل هذا التفاوت بين مختلف قطاعات وطننا العربي، وللوهلة، أحد العوائق القائمة في طريق انجاز الجبهة العريضة الواحدة لقوى المثقفين الثوريين العرب، ولكن مثل هذه الأوضاع في القطاع اللاثوري واللامتحرر يمكن معالجتها في تقديري بأسلوبين للعمل، اسلوب الجبهة الوطنية المتحدة، لكافة القوى الثورية في هذا القطاع، واسلوب الالتقاء والحوار المباشر مع هذه القوى الثورية، وامتدادا وتطويرا للاتجاه التاريخي الذي يسير على ضوء بوصلته، كل من الاتحاد الاشتراكي العريي، وجبهته التحرير الجزائرية، وعلى اساس تقاليد الالتقاء والحوار المباشر مع كافة التنظيمات السياسية الثورية الدولية، وتبادل الخبرات، وفتح الابواب والنوافذ على مصاريعها، للاستفادة من كل تجارب تلك التنظيمات في ميدان، النضال السياسي، والتنظيم والبناء، واذا كان ارساء مثل هذه التقاليد الثورية، ضروريا في مثل هذه المرحلة التي نمر بها، وبمثابة اغناء واثراء واضافة الثوري الجديد، لترسانة تجاربنا الثورية، فاللقاء مع كافة التنظيمات الثورية بمختلف اتجاهاتها وعلى نطاق الوطن العربي كله، أشد الحاحا وضرورة، لا من أجل ضرب قوى الثورة المضادة، وتعميق مجرى حركة التحرر الوطني العربي، بل من أجل احباط مؤامرة التقسيم العقائدي لقوى الثورة العربية وتحطيم مناورة الاستعماريين العالميين القديمة للعب على حبال التناقضات واستماتته في الحيلولة دون انجاز مرحلة الالتقاء بين كافة القوى الثورية واطلاق أعنة الحوار الفكري الخصب فيما بينها. هذا في الوقت الذي يشكل فيه مثل هذا الالتقاء والحوار، خطرا داهما أكيدا، لأية مناورة ضيقة الأفق من الممكن أن تقوم بها بعض القوى ذات الواجهة الثورية في وطننا العربي، بالدعوة للقاء والحوار، بينها وبين القوى الثورية، ولا تستهدف من وراء ذلك الا ستر رقع ثوبها الفكري، وتعويق انجاز مرحلة اللقاء والحوار الأصيل بين قوى الاتحاد الاشتراكي العربي في الجمهورية العربية المتحدة، وجبهة التحرير الجزائرية، كتيبتي الصدام الحقيقتين الجادتين لحركة التحرر الوطني العربي، والقوى الثورية وعلى نطاق الوطن العربي كله، بمختلف قطاعاته. وبهذا الانعطاف وحده في تقديري، الانعطاف نحو ابقاء سلاح الصراع الايديولوجي مشحونا على الدوام، ضد القوى الرجعية ، وابقاء مبضع الجراح لامعا، وفي الوقت نفسه الانعطاف نحو الحوار الايديولوجي عن طريق اللقاء المباشر لكافة التنظيمات الثورية بمختلف اتجاهاتها، يمكن أنه نرسي أعمدة الجبهة الواحدة العريضة لكافة المثقفين الثوريين العرب، ونعجل باستقطاب قوى الثورة العربية، وبالتالي يمكن لقوى الثورة أن تسير على ساقين من مكتسباتها السياسية والفكرية، وبالتالي نكف ككوادر للفكر الثوري، عن القاء قمحنا، موضوعيا في طاحون غير طاحوننا .

معين توفيق بسيسو