2020-02-23

صمت البحر

خالد بطراوي

أذكر فيما أذكره، أننا عندما قبعنا في أحد سجون الإحتلال منتصف ثمانينات القرن المنصرم، كان أحد حراس السجن كاتبا إسرائيليا "تقدميا كما يقولون" يقضي خدمته العسكرية. كان هذا الحارس يتحاشى النظر الى أعيننا وكنا نرفض الحديث معه مطلقا أو الحوار، اللهم إلا الحديث المتعلق بعلاقة السجين بالسجان وبشكل أساسي الرد على طلبه ذكر الإسم والرقم أثناء عملية العدد.

هل قرأتم أيها الأحبة رواية " صمت البحر" للكاتب الفرنسي جان بروليه (وإسمه المستعار فركور). فإن لم تقرأوا فإنني أوصي بالإسراع في البحث عنها وقراءتها، بل وأدعو الجهات المختصة الى ترجمة الفيلم الرائع لهذه الرواية ونشره وتعميمه ليس فقط لدى الشعب الفلسطيني وإنما الشعوب العربية والإسلامية وتدريس هذه القصة القصيرة في المدارس وإن أمكن إرضاعها للأطفال مع حليب الأمهات فلا ضير من ذلك أيضا

لقد نشرت هذه الرواية سرا في فرنسا إبان حقبة الإحتلال النازي الفرنسا عام 1942 وإعتبرت أحد أهم الإبداعات الأدبية ليس فقط الفرنسية بل والعالمية للمقاومة للإحتلال النازي في تلك الفترة ( إستمر ثلاث سنوات) ولأي إحتلال تبعه.

وتدور أحداث الرواية في منزل فرنسي ريفي يمتلكه رجل وأبنه أخيه فائقة الجمال التي وقعت في غرام صامت غير معلن مع ضابط ألماني يحتل أرضها أقام عنوة في منزلهما وبادلها الغرام. وكان هذا الضابط من المثقفين الألمان المحب لقراءة الأدب العالمي وبضمنه الفرنسي الذي تأثر به وعبّر في أكثر من مناسبه عن كرهه للإحتلال الألماني للأراضي الفرنسية لدرجة أنه داخل المنزل لم يكن يظهر أمام أصحابه وهو يرتدي البزة العسكرية النازية.

وتدور أحداث الرواية التي يعشق فيها الضابط هذه الفتاة وتعشقه، لكنها لم تتحدث معه ولو بكلمة واحدة لأنه يحتل وطنها، وكانت إشارات عشقها له تظهر على محياها ونظراتها وكانت تكبت شعورها وإنفعالاتها ولا تبتسم في وجهه مطلقا حتى ولا تنظر إليه.

كان يأتي الى الغرفة حيث يجلس صاحب المنزل وإبنة الأخ التي كانت تقوم بالتطريز ويبدأ بالحديث عن الفن والأدب والموسيقى وفرنسا التي يحبها وكرهه للحرب والإحتلال الألماني النازي وللقادة العسكريين، بينما لا يصدر عن صاحب المنزل وإبنة أخيه أي تعقيب أو كلمة واحدة أو حتى نظرة إهتمام وكان ينهي حديثه بالقول " طابت ليلتكما" ويتوجه الى غرفته. لم يرغمهما على محاورته، ولم يرفع صوته يوما أو يغضب لهذا التجاهل ورغم كل " الصفات الحسنة"  التي كان يمتلكها والتي كان صاحب المنزل وإبنة أخيه يقران بها في داخلهما، إلا أنه بالنسبة لهما كان ضابطا إحتلاليا لا يستقيم بأي حال من الأحوال التحدث أو التودد إليه

ينهي الكاتب روايته بوصف اللحظة الأخيرة لمغادرة هذا الضابط على لسان صاحب المنزل بالقول " .... كنت أظن أنه في سبيله إلى إغلاق الباب ثم الرحيل، اكنه ظل يطيل النظر الى إبنه أخي ثم همس .. وداعا .... لم يتحرك .. بقي ساكنا تماما ووجهة متصلبا ومتوترا والعينان أكثر سكونا وتوترا وهما متعلقتان بالعينين البالغتي الإتساع والشحوب .... عيني إبنة أخي ولقد دام الموقف طويلا ولست أدري كم من الوقت .... دام ذلك حتى حركت الفتاة أخيرا شفتيها .. عندها تعلقت عيناي "ورتر" وسمعتها تقول له "وداعا" كان ينبغى ترصد تلك الكلمة لكي يتسنى سماعها .. لكني أخيرا سمعتها .. إعتدل في وقفته .. وبدا كمن أصاب وجهه وجسمه الإسترخاء بعد حمام ساخن مريح .. إبتسم .. كانت الإبتسامة هي آخر صورة حفظتها عنه ... ثم إنغلق الباب وتلاشت الخطوات ... في الخارج كان لمعان الشمس يلوح من بين الضباب وكان الطقس باردا".

تصوروا أيها الأحبة ... الكلمة الوحيدة التي نطقتها هذه الصبية الرائعة ووجهتها للمحتل "وداعا" .. لم تقل له " الى اللقاء" وهي مرادفة تماما الى عبارة " احتلال برا ... برا" التي يجب أن يقولها العالم العربي لهذا الإحتلال الغاصب لا أن يرحب بأفراده ورموزه على أرضنا العربية.

لماذا أتذكر الرواية الان؟

ببساطة منذ مطلع القرن المنصرم وحتى كتابة هذه الأسطر، لم تعط الصهيونية أي مجال للشعب العربي الفلسطيني وللشعوب العربية لتقبل فكرة التعايش السلمي. فقد عملت بشتى الوسائل على التهجير والتشريد وإغتصاب الأرض والقتل والتدمير والإعتقال، على نحو لا يوجد أي عائلة فلسطينية لم تغتصب أرضها أو لم يسقط من بين أفرادها شهيدا أو لا يوجد لديها معتقلا أو جريحا أو معاقا أو مبعدا والقائمة تطول. لم يعط كيان الإحتلال مجالا للتسامح الديني بالممارسات والمجازر داخل الحرم الإبراهيمي الشريف والمسجد الأقصى وكنيسة المهد وغيرها من الأماكن الدينية.
لقد كرس الكيان الإحتلالي الشعور بالبغضاء والضغينة والريبة والشك لكل ما يصدر عنه، وفشلت كل محاولاته لأن تقبل الشعوب العربية بإتفاقيات السلام التي أبرمها مع حكومات بعض الدول العربية، ولا يغرنكم كل محاولات البعض الضئيل في التقرب من دولة الكيان، فهي محاولات فردية محصورة لا تعبر إلا عن أصحابها وهم قلة أمام جحافل الشعوب العربية التي تخرج بالمليونيات تضامنا مع الشعب العربي الفلسطيني.
فهل يعيد التاريخ نفسه مرتين، ونصمت جميعنا "صمت البحر" في تعاملنا مع  المحتل ورموزه؟