2020-02-25

التمايز الايديولوجي بين الشيوعية واليسار

* تاج السر عثمان

بعد فشل التجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوروبا، برزت اصوات باسم اليسار الفضفاض، دعت الي التخلي عن الماركسية والطبيعة الطبقية للاحزاب الشيوعية، والتخلي عن اسم الحزب الشيوعي، بحجة استحالة بناء مجتمع شيوعي، وأن فكرة المجتمع الشيوعي فكرة (طوباوية)، وهي افكار تحتاج لمناقشة بعد تجربة اكثر من عشرين عاما، من السير في طريق العولمة الرأسمالية الذي افقر الملايين من الكادحين، وجردهم من ابسط خدمات التعليم والرعاية الصحية وحدمات الكهرباء ومياه الشرب النقية، اضافة الي النهب المكثف لثروات بلدان العالم النامي، وتركيز الثروة في ايدي قلة.

هي تجربة مريرة مرت بها شعوب العالم الكادحة ومازالت تقاومها من خلال نهوض الطبقة العاملة وجماهير الكادحين في مختلف بلدان العالم، من اجل تحسين اوضاعها المعيشية والثقافية، كما تجلت في انتفاضات وثورات شعوب البلدان الرأسمالية المتطورة وثورات شعوب امريكا اللاتينية وشعوب المنطقة العربية ضد الانظمة التي سارت في طريق الفساد والخصخصة وإفقار الشعوب.

وهي تجارب نحتاج معها الي وضوح فكري ونظري يساعد في الصراع من اجل انتزاع الديمقراطية والسير قدما نحو المجتمع الاشتراكي والذي يفضي الي تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين الاحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للكادحين.

فما هي قضايا التمايز الايديولوجي بين الشيوعية واليسار الفضفاض؟.

رغم أن الشيوعية هدف بعيد، وحتى على مستوي ذلك الهدف البعيد، نلاحظ ان ماركس وانجلز في البيان الشيوعي كانا يتحدثان عن ان من اهداف المجتمع الشيوعي تحقيق مجانية التعليم العام، نجد أن هذا الهدف تحقق بفضل نضال العاملين حتي في المجتمعات الرأسمالية المتطورة.

وإذا رجعنا للمبادئ الاولية التي تحدث عنها ماركس والذي اعتقد انه كان من اكثر المفكرين والفلاسفة واقعية وبعيدا عن الطوباوية، علي سبيل المثال: تحدث ماركس في مؤلفه(نقد برنامج غوتا) عن مجتمع اشتراكي سوف يخرج من احشاء المجتمع الرأسمالي الحالي الذي يتميز بالتناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج وعلاقات الانتاج التي تقوم باستحواذ قلة علي جهد العاملين، اي ان فائض القيمة يذهب لثراء قلة من الرأسماليين بحكم منطق نمط الانتاج الرأسمالي الهادف الي تحقيق اقصي قدر من الارباح علي حساب الكادحين. اشار ماركس الي انه عندما يخرج المجتمع الاشتراكي من صلب المجتمع الرأسمالي، سوف يكون حاملا لسماته لفترة تاريخية طويلة، اطلق عليها ماركس الاشتراكية أو الطور الادنى من الشيوعية، وفي هذه الفترة سوف يظل التفاوت بين الناس حسب قدراتهم الجسدية والعقلية قائما، و بالتالي سوف يتفاوتون في دخولهم وهو ما اطلق عليه ماركس (من كل حسب قدرته ولكل حسب عمله)، اي أن الحق البورجوازي سوف يظل مستمرا، اى أن قانون القيمة الخاص بحركة السلع في المجتمع الرأسمالي سوف يظل فاعلا، وبالتالي ان هدف مرحلة الانتقال (الاشتراكية) هي لجم التطور الرأسمالي وليس إيقافه، اما فائض القيمة الناتج من عمل الكادحين فسوف يتحول الي تلبية احتياجات الناس الأساسية: في التعليم الصحة، حماية الامومة والطفولة، الضمانات الاجتماعية ضد الشيخوخة..الخ.

كان ماركس واقعيا، لأنه افترض ان الرأسمالية لا يمكن ان تزول بين يوم وليلة، وبالتالي أشار الي مرحلة الاشتراكية كطور ادني من الشيوعية، والتي يستمر الحق البورجوازي فيها لفترة تاريخية طويلة.

أى أن الاشتراكية هي طور ادني من المجتمع الشيوعي الذي يشكل بداية تاريخ الانسانية الحقيقي، ويتحقق شعار لكل حسب حاجته، وتطور الفرد الحر كشرط لتطور المجموع الحر، والانتقال من مملكة الضرورة الي مملكة الحرية، واضمحلال الدولة وليس الغاءها، والغاء قانون القيمة الذي يتم فيه سيطرة المنتوج علي المنتجين (زوال الاستلاب).

في بلد نامي مثل السودان، رغم أن الشيوعية مازالت هدفا بعيد المنال، وحتى الاشتراكية، والمرحلة الوطنية الديمقراطية، اذ أن الهدف المباشر حاليا هو اسقاط نظام البشير الذي قهر شعبنا تحت شعارات الاسلام السياسي وانجاز برنامج البديل الديمقراطي الذي يتم فيه اصلاح الخراب الذي تم في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاخلاقية، وهذا البرنامج يتداخل ويتشابك مع المهام الوطنية الديمقراطية، اذ أن كل خطوة نحققها في ذلك تقربنا من البرنامج الوطني الديمقراطي.

عليه ليس هناك مبرر منطقي لأن تتخلى عن هدفنا البعيد المجتمع الشيوعي، الذي يبدأ فيه تاريخ الانسان الحقيقي، ويزول فيه كل اشكال الاستغلال، فالاشتراكية هي طور ادنى، يظل يعمل فيه قانون القيمة الذي يعبر عن التفاوت موجودا، فلماذا نستبدل الذي هو اعلي بالذي هو ادنى؟.

هذا اضافة الي أن الارتداد من الاشتراكية الي الرأسمالية يمكن أن يتم بسهولة، كما حدث في التجربة الاشتراكية السوفيتية وبلدان شرق أوروبا، ونماذج دول الرفاه في اوربا الغربية. ونماذج مثل: الناصرية ، والبعث التي حكمت باسم اليسار في المنطقة العربية.

فإذا كان هدف احزاب اليسار الفضفاض الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية، فإنها تطلب الطور الادنى الذي يسهل منه الارتداد للرأسمالية، وليس الطور الاعلى الذي يتم فيه الغاء كل اشكال الاستغلال، ويستحيل فيه الارتداد للرأسمالية.

كما اشرنا سابقا الي أنه من منطلق الواقعية في بلد كالسودان، ان الهدف المباشر الآن: برنامج "البديل الديمقراطي" الذي يتم فيه وقف الحرب والحل الشامل والعادل لمناطق دارفور وجنوب النيل الازرق، وجنوب كردفان والشرق، وبإعادة تأهيل القطاع الزراعي والصناعي والبنيات الاساسية مثل: السكة الحديد والنقل النهري والخطوط الجوية والبحرية، وان تدعم ما تبقي من عائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان التعليم والصحة والخدمات (مياه، كهرباء.الخ)، التحول الديمقراطي وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، السيادة الوطنية، وإعادة توحيد الوطن علي اسس طوعية وديمقراطية، علي اساس دولة المواطنة التي تسع الجميع.

هذا البرنامج الاسعافي يتشابك ويتداخل ولا ينفصل عن المهام الوطنية الديمقراطية بقواها وتحالفاتها، اضافة الي أن المرحلة الوطنية الديمقراطية تتشابك ولا تنفصل عن المرحلة الاشتراكية، والاشتراكية نفسها لا تنفصل عن المرحلة الشيوعية، اذا أن الاشتراكية هي الطور الادنى من الشيوعية.

اذا امتلكنا هذا الوضوح النظري والمتماسك الذي يربط ربطا ديالكتيكيا بين الاهداف البعيدة والقريبة، فلن تركبنا الحيرة، ولا نحتاج لتصفية الحزب الشيوعي باسم اليسار، بحجة استحالة الوصول الي المجتمع الشيوعي بطرح غير سليم لمفهوم الشيوعية، علما، بأن هذا الطرح كانت قد تبنته احزاب الاممية الثانية بعد وفاة ماركس وانجلز، والتي حذفت المجتمع الشيوعي كهدف بعيد من برامجها، واكتفت بالاشتراكية فقط، ولكنها في النهاية وقعت في مصيدة الرأسمالية، ولم تنجز تحولات اشتراكية عميقة عندما وصلت للسلطة، بل مالت الي التهادن الطبقي مع رأس المال والاستغلال الرأسمالي البشع للكادحين، وأبقت علي المجتمع الرأسمالي بركائزه. ولم تحدث تغييرا جذريا فيه.

* قيادي بارز في الحزب الشيوعي السوداني