2020-03-07

الماركسية ومفهوم الحل التلقائي لقضية المرأة  

* تاج السر عثمان

كثير من الناشطات في حركة حقوق المرأة، وفي عرضهن للماركسية وقضية المرأة يصورن أن الماركسية بشرت بالحل التلقائي لقضية المرأة بمجرد تحقيق المجتمع الاشتراكي أو تحرير المجتمع من الاستغلال الرأسمالي والاضطهاد الطبقي، على سبيل المثال الأستاذة نعمات كوكو أشارت في ورقة أعدتها بعنوان (قضايا المرأة بين النظرية والواقع، الجزء الأول) إلى أن (التحديات التي تواجه مختلف المدارس النسوية لا تعفي المدرسة الماركسية من إعادة السؤال حول تلقائية الحل لكل أنواع اضطهاد المرأة بمجرد تطبيق البرنامج الاقتصادي الذي يؤدي إلى زوال الأساس المادي لعدم (المساواة الاجتماعية)) - (ص 15).

وفي عرض الكاتبة للمدرسة الماركسية فيما يختص بقضية المرأة، أشارت إلى أن المدرسة الماركسية تركز على قضايا الصراع الاجتماعي والطبقي الذي يرتكز على البنية الاقتصادية وعلى الإنتاج المادي والاجتماعي وتربط بين قضايا الإنسان رجلا كان أم امرأة بمنظومة الإنتاج وعلاقة الإنتاج وتراكم رأس المال من فائض القيمة الناتج عن علاقات الإنتاج تلك، وترى أن قضايا المرأة جزء من هذه المنظومة، هذا على المستوى العام.. وحتى على المستوى الشخصي (النوعي)، فإنها ترى أن القضايا ذات الارتباط بعلاقة المرأة والرجل على المستوى الشخصي مرتبطة بحل القضايا على المستوى العام. إلا أن التجارب العملية خاصة في الدول الاشتراكية (الاتحاد السوفيتي سابقا) وبعض دول أوروبا الشرقية أثبتت عدم صحة هذا الطرح على الأقل على المستوى العملي مما يستدعى أن نتعامل مع (قضايا المرأة) على المستويين العام والشخصي بنفس القدر من الاهتمام من حيث الدراسة والبحث والحلول..)- (ص 4).

كما أشارت د. أمال جبر الله في مقال لها بعنوان (معالجة العمى النوعي في رؤية برنامج الحزب)( الميدان: 19/11/2008م) إلى أن (الرؤية الاختزالية داخل الماركسية ترى أن اضطهاد المراة هو نتاج للصراع الطبقي وحده وأن سيادة الرجل داخل مؤسسة الزواج والأسرة هو مجرد نتيجة لتفوقه الاقتصادي، وبالتالي وبمجرد المساواة في العمل والأجر تنتفي دونية المرأة وسيادة الرجل).

تواصل د. آمال وتقول (ظلت مسألة المرأة ثانوية لدى الكثير من الماركسيين والأحزاب الشيوعية لأنها كما يرون تنتهي تلقائيا عندما يقضى على الأسباب الاقتصادية).

وأود هنا مناقشة هذه الاطروحات وهل صحيح أن قضية المراة تحل تلقائيا بمجرد التغير في الأوضاع الاقتصادية أو بمجرد المساواة الاقتصادية أو في العمل بين المرأة والرجل؟ وهل هذا مفهوم ماركسي صحيح أم اختزال للماركسية؟

على المستوى الفلسفي كما هو معلوم، تناولت الماركسية العلاقة الديالكتيكية بين المادة والوعي (أو الواقع والفكر)، وأشارت إلى أنه صحيح أن المادة سابقة للوعي ولكن للوعي استقلاله النسبي والذي يؤثر بدوره في المادة ويعيد تشكيلها، فالعلاقة ليست ميكانيكية ميتة جامدة، بل هي علاقة انعكاس ديالكتيكي معقدة لا يجوز التبسيط فيها. وفي الفهم المادي للتاريخ تناول ماركس العلاقة المعقدة بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي، وأشار إلى أن الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي، ولكن للوعي الاجتماعي تأثيره على الوجود الاجتماعي ويعمل على إعادة تشكيله، فالعلاقة ديالكتيكية معقدة، ولذلك أشار ماركس إلى أن الأفكار تتحول إلى قوة مادية عندما تتملكها الجماهير. على أنه بمجرد التغير في الوجود الاجتماعي (البنية التحتية للمجتمع)، لا يعني ذلك أن الوعي الاجتماعي (أو البنية الفوقية) يتغير تلقائيا. كما أشار انجلز في كتاباته ألأخيرة إلى خطأ اعتبار الاقتصاد كعامل وحيد في التغيير، ورغم دور الاقتصاد الحاسم، إلا انه هناك عوامل متداخلة ومتشابكة تسهم في التغيير تتكون من قومية وسياسية ودينية وتقاليد البلد المعين وتاريخا وخصوصيته الثقافية، كل ذلك نأخذه في الاعتبار عند معالجة مسألة التحولات الحاسمة في المجتمع، إضافة للمنهج الديالكتيكي الذي ينظر للظواهر في شمولها وحركتها وتغيرها وتبدلها الدائم، وبالتالي، لا يمكن التصور، أن الماركسية نظرت لحل قضية المرأة تلقائيا بمجرد زوال الأوضاع الاقتصادية والطبقية التي تكرس استغلال الإنسان للإنسان.

صحيح أن ماركس في كتاباته الأولي كان منكبا على نقد المجتمع الرأسمالي، وتابع تطوره الباطني في دراسته للرأسمالية في بريطانيا والتي وصلت فيها درجة متطورة مقارنة بالبلدان الرأسمالية الأخرى يومئذ، وتوصل في مؤلفه رأس المال إلى القانون الأساسي للمجتمع الرأسمالي وهو فائض القيمة، وتوصل إلى التناقض الرئيسي للمجتمع الرأسمالي وهو التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والتملك الفردي لوسائل الإنتاج، وأنه من أحشاء المجتمع الرأسمالي سوف يبرز مجتمع جديد اشتراكي، سوف يحمل في أطواره الأولى عناصر عدم المساواة، وأن قانون القيمة الخاص بحركة السلع في المجتمع الرأسمالي سوف يفعل فعله، وبالتالي سوف يظل الحق البورجوازي مستمرا، ويأخذ الإنسان في المرحلة الأولي من الشيوعية (الاشتراكية) حسب عمله، وطالما كان الناس يتفاوتون في قدراتهم الجسدية والعقلية فان دخولهم تكون غير متساوية، وبالتالي، فان ماركس كان واقعيا، ولم يتصور الحل التلقائي للتناقضات الطبقية بمجرد تطبيق البرنامج الاشتراكي، وبالتالي، فان عدم المساواة سوف يستمر لفترة طويلة في المرحلة الانتقالية. بما في ذلك عدم المساواة بين المرأة والرجل والذي سوف يستمر رغم زوال المجتمع الطبقي، لأن ذلك يتعلق بالبنية الفوقية التي كرست دونية المرأة لقرون طويلة، وبالتالي من المستحيل أن تزول بين يوم وليلة أو تلقائيا، هذا فهم آلي وميكانيكي وغير ماركسي، فبمجرد تحرير المجتمع من الاضطهاد الطبقي ومساواة المرأة والرجل في القانون وبقية الحقوق، لا يعني ذلك أن قضية المرأة سوف تحل تلقائيا، ذلك أن لقضية المرأة شقها الثقافي والذي يتعلق بالصراع ضد الإيديولوجية التي تكرس دونية المرأة، وهذا الصراع سوف يستمر لفترة طويلة في مرحلة البناء الاشتراكي.

وإذا كان الأمر كذلك، فانه لم يدر بخلد ماركس وانجلز ولينين، أن قضية المرأة سوف تحل تلقائيا، بمجرد قيام المجتمع الاشتراكي.

وعند معالجة فشل التجربة الاشتراكية في بلدان الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوروبا، مهم أن نوضح الأسباب الموضوعية الذاتية التي أدت لفشلها، باعتبار أن فشل هذه التجربة كان الهزيمة الثانية لجنس النساء بعد خروجهن من الإنتاج المادي بعد ظهور الطبقات والمجتمع الطبقي. لقد حققت التجربة الاشتراكية في روسيا بضربة واحدة كل المطالب التي كانت ترفعها الحركة النسوية في أوروبا منذ الثورة الإنجليزية والثورة الفرنسية، فقد تم تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في العمل والاجور (الأجر المتساوي للعمل المتساوي)، المساواة بين الزوج والزوجة، حق الطلاق، الحق الكامل في الاقتراع، التعليم المختلط…الخ.

ولكن هذه الحقوق شئ والواقع شيء آخر، فعندما قامت الثورة الروسية، كانت روسيا متخلفة، نسبة الأمية فيها، كانت 70%، كما واجهت الحصار الاقتصادي والحروب الأهلية والحرب العالمية الثانية، مما أدى للفقر والمجاعة وأصبح عمليا في ظل هذه الأوضاع أن يتم تنفيذ حق المرأة في الطلاق، كما استمرت البنية الفوقية التي تكرس دونية المرأة والتي هي نتاج قرون، ومن المستحيل أن تزول بين يوم وليلة وتحتاج لسنوات طويلة للكفاح والصراع ضدها في الجبهة الثقافية.
وبالتالي واجهت المرأة عقلية الرجل الشرقي والذي هو نفسه ضحية لها، الذي لا يساهم معها في العمل المنزلي الذي تتحمل المرأة أعباءه وحدها، بعد وصولهما الاثنين من العمل في وقت واحد، هذه إضافة للتقاليد الإقطاعية التي كانت سائدة في الجمهوريات السوفيتية الآسيوية، والتي تكرس دونية المرأة والتقاليد البالية والتي تحط من قدر المرأة رغم التحولات الاقتصادية التي تمت والحقوق الواسعة التي نالتها المرأة، وكما كان لينين يقول (المساواة في الحقوق لا تعني المساواة في الواقع)، فقد كانت المكاسب التي حققتها المرأة شئ والواقع شيئا آخر.

هذا إضافة للجمود في النظرية الذي كرسه ستالين والذي كان يبسط من الأشياء ولا يضعها في حجمها الحقيقي، مثل الحل التلقائي لقضية المرأة بمجرد انتصار الاشتراكية، إضافة للنظام الشمولي الذي فرضه، وتراجعه عن الكثير من الحقوق التي نالتها المرأة مثل التوجه للصناعة الثقيلة، والتي كانت على حساب السلع الاستهلاكية الخفيفة والتي تساعد المرأة في العمل المنزلي، كما أدى انتشار الفقر إلى انتشار الدعارة رغم إلغائها بالقانون..الخ، المهم في الأمر، ضرورة التقويم الموضوعي لتلك التجربة الاشتراكية والتي رغم فشلها، فإنها دفعت حركة تحرير المرأة خطوات إلى الأمام. واهم دروس تلك التجربة: أن مصادرة الديمقراطية والقمع الستاليني إضافة لتخلف الواقع الروسي نفسه، كان له الدور الرئيسي في إجهاض مكتسبات المرأة التي حققتها في بداية الثورة الروسية، وكان هذا من أسباب انهيار التجربة الاشتراكية (قمع نصف المجتمع)، ولآن المرأة التي تتمتع بحقوقها كاملة هي الأقدر عن الدفاع عن النظام الجديد.

والواقع أن ماركس وانجلز لم يكتفيا بالأساس المادي والاقتصادي لقضية المرأة، بعد نقد المجتمع الرأسمالي باعتباره الذي يعيد إنتاج عدم المساواة في الدخل بين المرأة والرجل وبين الأمم، ولكن كان ماركس وانجلز منفتحين على الدراسات الميدانية حول قضية المرأة ومتابعة المستجدات، ولذلك تابع ماركس أبحاث عالم الأحياء دارون ونظريته التي جاءت نتيجة لدراسة ميدانية شاقة حول تطور الأنواع بالانتخاب الطبيعي، كما تابع عالم الاجتماع الأمريكي مورغان ودراسته الميدانية حول قبائل الهنود لفترة عشرين عاما، والتي خرج فيها بنتائج حول المجتمعات البدائية أسهمت في ترسيخ الفهم المادي للتاريخ وتابعت الجذور التاريخية لعدم المساواة بين المرأة والرجل وكيف تراجعت المرأة من النشاط الإنتاجي إلى العمل المنزلي في مجتمعات الرق والإقطاع التي كرست دونية المرأة وكأنها منذ الأزل وليست نتاج تطور تاريخي، وكيف ظهرت مؤسسة البغاء كشكل من أشكال استعباد المرأة.. الخ.

وكان ماركس ينوى عمل دراسة استنادا على إنجازات مورغان، ولكن المنية عاجلته، وأنجز انجلز هذه المهمة في مؤلفه (أصل العائلة والدولة والملكية الخاصة)، فالماركسية أصلا كانت منفتحة على نتاج الفكر الإنساني في مختلف العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية وحول قضية المرأة، قبل أن تصاب بفيروس الجمود.

وحتى بعد ماركس وانجلز انجز علماء الاجتماع دراسات ميدانية كثيرة لمجتمعات بدائية أغنت الماركسية وعلم الاجتماع وأكدت الدور الذي لعبته النساء في اكتشاف الزراعة ويشير ماندل في مؤلفه (النظرية الاقتصادية الماركسية، الطبعة العربية1973 م)، وبعد متابعة لدراسات ميدانية كثيرة أنجزها علماء اجتماع، إلى أنه كان للنساء الفضل في التقدم الحاسم، ذلك الذي حققنه في ممارسة الزراعة، حيث نلاحظ في عدة مجتمعات بدائية أن المرأة التي تنقطع في المجتمع البدائي إلى التقاط الثمار وتبقي في اغلب الأحيان بجوار المسكن هي أول من بدأ يزرع بذور الثمار الملتقطة تسهيلا لتموين القبيلة، ولقد كانت نساء قبيلة وينباغو الهندية مرغمات على إخفاء الأرز والذرة المخصص للزراعة وألا اكلهما الرجال، كما يشير ماندل: إلى أن هناك ارتباطاً وثيقاً مع تطور الزراعة على يد النساء وظهور أديان جديدة قائمة على عبادة آلهة الخصب، وان نظام الأمومة الذي يمكن البرهان على وجوده لدى شعوب شتى سابقة مستوى واحد من التطور الاجتماعي مرتبط بالدور الذي لعبته النساء في اكتشاف الزراعة (ماندل: ص، 31).

وبالتالي، فان جوهر الماركسية هو منهجها وانفتاحها على المدارس والتيارات والدراسات الميدانية حول قضية المرأة، وتناولها الناقد لتلك التيارات، وبذلك تتطور النظرية وتغتني ويتم اثراء منهجها، الذي يتعارض مع الجمود. كما أنه من المهم النظرة الشاملة لقضية المرأة والتي تأخذ ابعادها المختلفة: الطبقية والنوعية والثقافية.

واصل الاتحاد النسائي النضال من اجل حقوق المرأة في التعليم والأجر المتساوي للعمل المتساوي والحقوق السياسية للمرأة، وقوانين ديمقراطية للأحوال الشخصية، حتى استطاعت الحركة النسائية السودانية تحقيق مكاسب كبيرة في هذا الجانب، ولازال النضال مستمرا من اجل حقوق المرأة، كما صارع الاتحاد النسائي من اجل استقلاله ضد النظام المايوي الذي ربط الحركة النسائية بالدولة، أى أن الحزب الشيوعي لم ينتظر حتى الاشتراكية ليتم الحل التلقائي لقضية المرأة، وحتى في المرحلة الاشتراكية سوف يستمر النضال من اجل المساواة التامة والفعلية بين المرأة والرجل. كما طرح الحزب ضرورة تنوع أشكال نشاط الحركة النسائية في حركة نضالية متصلة متعددة الأشكال والمنابر، لاستيعاب الاهتمامات المتنوعة والمتسعة للنساء، كما طرح قضايا ومطالب المرأة كجنس، وأشكال تنظيمها الموحد مع الرجال في الحركة النقابية ودور فرع الحزب في بناء الحركة النسائية في مجالات الأحياء.

في كل الأحوال يظل ذهننا مفتوحا للدراسات النوعية الجديدة والميدانية حول قضية المرأة، والنضال ضد كل مستويات وأشكال الاضطهاد التي تتعرض لها المرأة في مختلف الجبهات السياسية والاقتصادية والثقافية.

* مفكر وقائد في الحزب الشيوعي السوداني