2020-03-26

من الجزيرة الشيوعية "كوبا" إلى أنحاء العالم كافة

* محمد غنيم

في قبل عقد من انتهاء القرن الماضي، وتحديداَ مع انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت بداية حقبة جديدة مظلمة يقودها رأس المال وأذياله في جميع أنحاء العالم، عصر جديد خفتت على عتباته وهج الشيوعية التي انارت طريق الأنسان الى سبل خلاصه، ليعم ظلام الرأسمالية ولتتعزز قبضتها على الجنس البشري لأجل أطماعها القذرة في مضاعفة أرباحها على حساب عذابات وهلاك وترهيب الفئات الكادحة والمسحوقة .

مرحلة زمنية انهارت خلالها شيوعية السلام والدفاع عن العمال والكادحين والفلاحين والفقراء، ضد التمييز الطبقي والهيمنة العسكرية للشركات الرأسمالية، ضد الارهاب الرأسمالي والبرجوازية والانتهازية، ضد النظام الامبريالي الصهيوني الفاشي.. شيوعية العدل في وجه الظلم، شيوعية الحب في وجه الحقد والكره والبغض, شيوعية المشاركة في وجه التفرد والسرقة، شيوعية المساواة في وجه الاستغلال، شيوعية الانسان في وجه رأس المال.

لم يكن منتصف القرن المنصرم سوى بداية حقبة جديدة تمثلت بالكذب والخداع وتشتيت البشرية وتلفيق التهم والاشاعات حول الشيوعية، شارك فيها بوعي وبغير وعي رجال الاديان، استخدموا بكل اسف ورقة لا يستهان بها لتغييب عقول الشعوب لخدمة الرأسمالية وشركائها، حرضوا عبر منابر كنائسهم ومساجدهم ومختلف دور عبادتهم، ان لا تقربوا الشيوعية والشيوعيين، رفعوا القضايا الدولية ضد الدول الشيوعية، واعترضوا على مضامين دساتيرها، هاجموها في مختلف الاماكن، الحقوا الاذى برفاقنا ورفيقاتنا.. نكلوا بهم بأدوات تعذيبهم الفاشية، ورشقوهم بالأحماض الحارقة، نعتوهم بالمنحرفين والضالين، وشهدائهم بالسكارى الثكلى، ارهبوا أطفالهم واهانوا نسائهم، تعرضوا لحياة كل من امن بالشيوعية فكرا ثوريا علميا وصولا لنصب المشانق لهم، واعتقالهم وتعذيبهم في اقبية الزنازين، ومنهم من اذابوا اجسادهم في القار المغلي، وذلك من قبل انظمة القمع والاستبداد والظلامية. كل هذه الوحشية مورست بحقهم بدعاوي "الفسق والارتداد والالحاد" والحقيقة لم تكن كذلك، فهم استغلوا عواطف البسطاء، واستغلوا عقول العامة ليوهموهم بان القيام بمثل هذه الافعال الشنيعة الا أخلاقية تخدم مصالحهم، وبان ايمانهم بالعداء للشيوعية هو تذكرة دخولهم للجنة الموعودة.

اجل .. نجحوا بدعم رأس المال والطغم الحاكمة في تشويه مبادئ وقيم الشيوعية الانسانية، جندوا لذلك ماكنة اعلامية ضخمة ومرتزقة لتأليف ونسج الأكاذيب وتحويلها لحقيقة في عقول ملايين  البشر. وطمسوا وشوهوا حقيقة هذا الفكر الانساني الثوري الذي وجد للدفاع عن حقوق العمال والكادحين والمضطهدين، فالشيوعيين اينما وجدوا رفعوا راية النضال ضد الاستغلال والاضطهاد والاستعمار والاحتلال، فهم من انتصر على النازية اواسط القرن المنصرم لينقذ العالم من بطشها، وهم من قاوموا وناضلوا ضد انظمة القمع الفاشية والعنصرية في مختلف بقاع الارض وانتصروا على معظمها، وبرغم ما عانته الانظمة الشيوعية من انتكاسات لأسباب عديدة، الا ان جذوة الفكر الشيوعي والقناعة بحتمية انتصار الشيوعية كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي انساني يحقق العدالة لم تنطفئ في عقول ووجدان وسلوك ملايين الاحرار في هذا العالم، كما ان رايتهم بقيت خفاقة في العديد من دول العالم، في الصين وكوبا وفنزويلا وفيتنام، وغيرها من الدول التي تستعيد مكانتها الان بعد ان اصطلت بنار الرأسمالية واثارها الكارثية على مصالح ومستقبل الشعوب .

اليوم وفي بداية عشرينيات هذا القرن، ترفع من جديد ستائر الكذب والخداع عن جوهر الشيوعية الانساني، امام أزمة يعانيها العالم والبشرية جمعاء مع انتشار وباء كورونا، لتشكل خطرا حقيقيا على مصير الشعوب كافة، ولتضعنا من جديد على طريق الحقيقة .. حقيقة ما الحقته الرأسمالية بتوحشها من كوارث اضرت بالشعوب وبكوكب الارض، وبفشلها امام معركة تهدد البشرية جمعاء، وحقيقة ان الشيوعيين الصينين هم من انتصروا على هذا الوباء في مركز انتشاره، وعلى قاعدة " الانسان اولا "، مستخدمين قوة الانضباط والارادة الجمعية المنظمة، والقدرات الفذة في ادارة الازمة، والتكنلوجيا المتطورة، والتوازن بين مكافحة الوباء والحفاظ على الاقتصاد، وهم اليوم وانطلاقا من ايمانهم بمستقبل البشرية المشترك، يقومون بمساندة الدول التي اجتاحها الوباء، مجندة بذلك كل امكانياتها البشرية والمهنية واللوجستية، دون التفات للخلاف السياسي مع هذه الدول، وكذلك ما تفعله كوبا هذه الجزيرة الشيوعية التي انهكوها على مدار اكثر من ستين عاما حصارا ظالما، فبالرغم من امكانياتها المحدودة تنطلق ماردا انسانيا لإسناد ومد يد العون للدول والشعوب التي يتهددها الوباء، في حين ان دول تحالفت واتحدت فيما بينها ادارت الظهر لبعضها البعض في مواجهة هذه الكارثة .

نعم.. انها معركة القيم الانسانية الحضارية، ففي وقت الازمات تنكشف الحقائق، ويظهر معدن الانظمة والحكومات، وتنجلي معالم وحقيقة الافكار والأيدولوجيات والاحزاب، فمنها من يقدم النموذج لصالح البشرية لينقذها من كوارثها، ومنها من يفشل في ذلك ليظهر عجزه وتخلفه على المستويات كافة.

وفي هذا الميدان يعيد الشيوعيون اليوم البريق لقيمهم ذات المضمون الثوري والانساني والحضاري، وتقيمون الحجة على الرأسمالية وما خلفته من كوارث وعجز لنصرة الانسانية وشعوب العالم، ونقول بكل ثقة ان ما بعد كورونا لن يكون كما قبلها، ونثق بان انصار الانسانية والقيم الحضارية هم من سيقودون العالم ومستقبله، وكذلك هم الشيوعيون .

* سكرتير منظمة حزب الشعب الفلسطيني - كوبا