2020-03-30

* يوم الارض الخالد – انتصار وحدة الصف الكفاحية

الجماهير العربية من نفسية النكبة إلى نفسية المواجهة والتصدي

عصام مخول

لم يكن يوم الارض 30 آذار 1976 انفجارا عفويا للغضب الشعبي ردا على مشاريع التهويد العنصرية ومصادرة البقية الباقية من الارض العربية في اسرائيل فحسب، على الرغم من أن مشروع المصادرة ومشروع تهويد الجليل العنصري الذي أعلن عنه في بداية العام 1975 تحت اسم مشروع التطوير كان المبرر المباشر للوصول الى هذا اليوم الكفاحي المجيد. ويمكن الحسم بثقة، ان يوم الارض يشكل اعظم محطة في حياة الجماهير العربية في اسرائيل، وأكثرها تأثيرا على صياغة استراتيجية بقائها والتأسيس لفكرها السياسي ونهجها النضالي. وشكل يوم الارض لحظة انعطاف في تعامل الجماهير العربية مع نفسها كأقلية قومية وكقوة ديمقراطية لا يستهان بها وبوزنها في المواجهة مع مؤسسة الاضطهاد القومي في إسرائيل والتصدي لمشاريعها.

جاء يوم الارض تتويجا لمعركة سياسية متواصلة، واعية ومحسوبة ، تم تشييدها حجرا على حجر، ولُبنة لُبنة . ويشير القائد التاريخي البارز النائب الشيوعي والشخصية الوطنية توفيق طوبي، أحد أبرز قيادات الجماهير العربية في اسرائيل، وأحد أبرز قادة يوم الارض ومخططي معركته ، في مقالة له ننشرها في هذا الكتاب، الى أن "فكرة اعلان يوم الارض ومعه الاضراب العام اختمرت عبر نشاطات جماهيرية متعددة منذ أن أعلنت الحكومة مشاريع المصادرة الكبرى في الجليل في مطلع العام 1975 ".

كان واضحا أن فرصة الجماهير العربية في إسرائيل للصمود ومقارعة مشاريع مؤسسة الاضطهاد القومي والتمييز العنصري ومشاريع المصادرة والتهويد، وللمواجهة مع أدوات القمع وآليات السيطرة والاخضاع الصهيونية - الأمنية والسياسية، والاقتصادية والأيديولوجية، والتشريعية والقضائية التي تحتفظ بها المؤسسة الحاكمة، كانت مرهونة بالقدرة على استنهاض أوسع قاعدة بين الجماهير العربية وتعميق وعيها، وتحويل مشاعر الغضب والقهر القومي والظلم الشخصي إلى قوة سياسية فاعلة والى وعي ثوري جماعي. وبهذا المعنى كان مشروع بناء أطر الوحدة الكفاحية، والمبادرة الى تأسيس الجبهات الشعبية ، وتأسيس اللجان الشعبية وانتشارها في كل البلدات العربية والمدن المختلطة وتوجيهها، هو المقدمة الضرورية والضمانة الأكيدة لبناء الوحدة الكفاحية المؤهلة لزج أقلية قومية واعية في معركة مجيدة، مدعومة بتضامن حلفائها الذين جرى تجنيدهم بشكل مخطط ومدروس من بين أوساط القوى الديمقراطية التقدمية محليا وعالميا، لتفويت الفرصة على مؤسسة الحكم في اسرائيل لعزل الجماهير العربية والاستفراد بها، والامعان في تنفيذ مشروعها لتدجين الجماهير العربية المواطنة في اسرائيل وتشويه انتمائها العربي وهويتها الفلسطينية .

محور القهر القومي

ومراكمة الجاهزية الشعبية لمقاومته!

تميّزت العلاقة بين المؤسسة الرسمية الاسرائيلية والجماهير العربية الملتصقة بوطنها والمواطنة في اسرائيل بعد النكبة عام 1948 وحتى يوم الارض، بتراكم في محورين اثنين متزامنين ومتوازيين: فمن جهة، كان يجري التراكم في محور سياسة الاضطهاد القومي والتمييز العنصري المهين، وقهر الجماهير العربية ومحاصرة تطورها وتعميق تخبطها بإحباطات النكبة ونفسية الهزيمة والتشرذم والابتزاز السياسي. ولم تتورع السلطات الحاكمة عن مقايضة الجماهير على لقمة العيش في ظل سياسة المصادرة والحكم العسكري، وتهويد الارض والعمل، وسلخها عن شعبها وثقافتها، وخلق انتماءات مفتعلة هجينة وتعزيز الانتماءات الرجعية الضيقة وامتهان الكرامة والحق والمقدسات. وكان شعور المؤسسة ان زيادة الضغط على المواطنين العرب لا بدّ ان تؤتي ثمارها وان تؤدي الى خضوعهم.

وازاء التراكم في محور القهر ، كانت تجري على ساحة الجماهير العربية بالمقابل مراكمة من نوع اخر، يقودها الشيوعيون - حزبهم ومؤسساتهم وصحفهم – الاتحاد والجديد والدرب والغد، مراكمة قوامها تعميق الانتماء القومي، وتأكيد الوعي الوطني، وترسيخ اللغة والثقافة الوطنية والانسانية التقدمية والديمقراطية، وتخريج ابرز الشعراء والكتاب والمثقفين الوطنيين، والسهر على تنشئة الاجيال المتتالية على نفسية الراس الشامخ المرفوع، والتصدي للظلم، والتثقيف على قوة الغضب العادل وقدرة الكف على ملاطمة مخرز القهر والاضطهاد القومي والطبقي، وفاعلية وحدة الصف الكفاحية، واكتشاف البعد الوطني الحقيقي والعميق للبقاء في الوطن والتثبت بالأرض، والتوعية على رفض الاعتذار عن هذا البقاء المجبول بالصمود وبالدفاع عن هذه الجماهير وكرامتها القومية والانسانية، والامتناع عن الاعتذار عن ممارستها لدورها المتميز على ساحة المجتمع الاسرائيلي المعقدة، والاصرار على الاسهام في تغيير هذا المجتمع وتغيير موازينه ووجهه ووجهته.

مع بداية السبعينات كانت الجماهير العربية وقياداتها التقدمية تعمل على بناء اطرها الكفاحية بكثافة اعدادا لمرحلة جديدة من التطور والقدرة على التصدي للتراكم الموازي في محور السلطة. فتأسست اللجنة القطرية للطلاب الثانويين، ومجالس الطلاب، ولجان الطلاب العرب في الجامعات، واتحادهم القطري، وتنظيمات الأكاديميين، والحرفيين والتجار، ولجنة المبادرة الدرزية، ولجنة الدفاع عن الارض، وانتظمت اللجان المحلية للدفاع عن الارض في كل مكان، وقامت جبهة الناصرة الديمقراطية وانتصرت في انتخابات العام 1975 انتصارا تاريخيا قاده القائد الشيوعي والوطني توفيق زياد أحد أبرز قادة يوم الارض لاحقا ، مما هز أركان المؤسسة الحاكمة وأدواتها الرجعية العربية، وتأسست العديد من الاطر الكفاحية، في تحد لإصرار السلطة على التعامل مع الجماهير العربية ليس كأقلية قومية، بل كطوائف وحمائل وملل، يجب اخضاعها وتدجينها.

وكان من الطبيعي ان يحدث الاصطدام حول قضية الارض في 30 اذار 1976، القضية التي تحمل في طياتها كل المعاني التي ينطوي عليها وجود الاقلية القومية العربية في وطنها، وطنيا ومدنيا، فكان في مخطط تهويد الجليل ما يكفي من الاستفزاز لاستنفار الجماهير العربية للدفاع عن حقها بالمساواة، وعن ارضها وعن بقائها وعن مستقبلها، في مواجهة سياسة لا زالت تؤمن بقدرتها ليس على مصادرة الارض فقط، بل ومصادرة حق الاحتجاج السياسي والاضراب والتصرف الجماعي كأقلية قومية لها قضية مشتركة. لقد جرى الانفجار، لان الجماهير البطلة المعبأة وقيادتها الشجاعة والمسؤولة لم ترتدع ازاء تهديدات السلطة ووعيدها ما لم تتراجع لجنة الدفاع عن الاراضي عن قرار الاضراب. كانت هذه الجماهير المعبّأة سياسيا وقيادتها الشجاعة، على استعداد لان تدفع ثمنا باهظا ممهورا بدماء الشهداء والجرحى، ومئات المعتقلين والمفصولين من العمل لقاء التمسك بالموقف المشرف الذي كان يؤذن ببدء مرحلة جديدة في حياة الاقلية القومية العربية في البلاد، وفي وعيها لذاتها وموقعها وطريقها المتميز، تحوّل يوم الارض في اطارها الى لحظة انعطاف قوّضت فيها نهائيا نفسية النكبة ووطدت مكانها نفسية التصدي الصدامي دفاعا عن نفسها وعن حقوقها وتجذّرها.

ليس معركة "نخب" نيابة عن الشعب

إنما بناء معركة قوامها المشاركة الشعبية !

فقط قيادة شجاعة ومسؤولة الى أقصى الحدود، متمرسة في المواجهة مع سياسة الاضطهاد القومي، حكيمة ومجربة، تستند الى مشروع سياسي وطني وتقدمي واضح المعالم ، كان بمقدورها أن تقف على رأس هذه المعركة وأن تخطط لها وتوجهها . كانت الشرارة قد انطلقت من اجتماع تشاوري عقد في 29/7/1975 في نادي "الاخوة" في حيفا (مقر الحزب الشيوعي والجبهة حاليا) تناول مشاريع المصادرة المطروحة، وأقر تشكيل لجنة تحضيرية لعقد اجتماع موسع في الناصرة، في 15/8/1975 وانتخبت عن مؤتمر الناصرة الموسع لجنة تحضيرية من 40 شخصية. هكذا تأسست منها وعلى أساسها "لجنة الدفاع عن الاراضي العربية " واختير لرئاستها الشخصية الوطنية القس شحادة شحادة ومعه مركزا لعمل اللجنة القائد الشيوعي صليبا خميس ومحامي الارض والشعب حنا نقارة، لتكون أداة وطنية شاملة و "إناء" نضاليا يتسع لبناء وحدة الصف الكفاحية، وفتحت أبوابها أمام كل المعنيين بالمشاركة في معركة الدفاع عن الارض ومقاومة مشروع التهويد العنصري، وجابت لجنة الدفاع عن الاراضي البلاد من أقصاها الى أقصاها، من الجش وعرب العرامشة شمالا وحتى النقب جنوبا، تنظم المهرجانات الاحتجاجية وتستنهض أصحاب الاراضي المتضررين من مشاريع المصادرة وتحشد التأييد الشعبي، وتؤسس اللجان المحلية للدفاع عن الارض، تعبئِّ الجماهير الشعبية من الفلاحين والعمال والمثقفين والطلاب الثانويين والطلاب الجامعيين والحرفيين والتجار، رجالا ونساء وتخاطب جمهور الشباب الذين شكل في حينه قرابة 60% من المجتمع العربي في البلاد، وتوقع بيانات التأييد للمعركة، وتعقد الاجتماعات الاحتجاجية الحاشدة وتعلن رفضها ومقاومتها لمشاريع التهويد والمصادرة.

كانت هذه العملية المتواصلة من اجتراح أساليب النضال والتحشيد وبناء الوعي وآليات المشاركة الثورية هي التي جعلت الجماهير العربية تتصرف كأقلية قومية واعية ومنظمة . كان هذا هو المفهوم الذي جعل من يوم الارض 30 آذار 1976 محطة تاريخية غير مسبوقة في حياة الجماهير العربية الفلسطينية في اسرائيل .

ليس مجرد انفجار غضب عفوي ، بل نقطة انعطاف نقلت هذه الجماهير نقلة استراتيجية نوعية، فرضت من خلالها هيبتها كأقلية قومية واعية على مؤسسة الاضطهاد القومي في اسرائيل، وفرضت هيبتها فلسطينيا وعربيا وعالميا كقوة كفاحية وطنية وديمقراطية ، يحسب لها حساب، تخوض معركتها بعناد على الساحة الاسرائيلية دفاعا عن أرضها ووجودها.

لقد صاغت معركة يوم الارض استراتيجية كفاح الاقلية القومية العربية في اسرائيل للمدى البعيد. وعكست هذه المعركة التي وقف في مركزها حزب شيوعي اممي مجرّب، جدلية التفاعل والتأثير المتبادل بين المعركة على حقوقها القومية ومساواتها القومية والمدنيّة، وبين المعركة على حقها في التأثير على وجهة المجتمع الاسرائيلي، وخوض المعركة على تغيير طابعه، من خلال مراكمة التناقضات الداخلية في الفكر الصهيوني وممارساته، ومن خلال التصدي لسياسة الاحتلال والحرب والاستيطان والانتقال الى خيار الحل السلمي العادل مع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.

فتقدم معركة الجماهير العربية من اجل حقوقها كأقلية قومية وانتزاع مساواتها، ومنع مصادرة ارضها وهدم بيوتها ووقف سياسة التمييز العنصري ضدّها، هي حلقات اساسية في المعركة على الديمقراطية والمساواة الشاملة والعدالة الاجتماعية والتقدم في اسرائيل بمجملها، تؤثر فيها وتتأثر بها، كما ان التحويل الديمقراطي التقدمي للمجتمع الاسرائيلي لن يكون ممكنا من دون ان ينعكس في وقف سياسة التمييز العنصري والاحتلال والاستيطان والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، لتصبح المعركة الديمقراطية والوطنية معركة واحدة، تخص الجماهير العربية والقوى الديمقراطية في اسرائيل بشكل موضوعي متداخل ومتكامل.

ومن المفارقات الهامة التي رافقت محطة يوم الارض، ان اللحظة التي عكست زخم اشد مواجهة وطنية خاضتها الاقلية القومية الفلسطينية في اسرائيل بفعل ارتباطها بالأرض، وعمقت انتماءها القومي وعمقها الفلسطيني ، هي اللحظة نفسها التي اكتشفت فيها هذه الجماهير عمق الدور الذي افترضته معركتها على الساحة الاسرائيلية، والطاقات الكامنة في تميز هذا الدور، وقدرته على المساهمة في تحويل طابع النظام القائم في اسرائيل نحو الديمقراطية الحقيقية والمساواة القومية والمدنية والسلام العادل .

من وثيقة كيننغ 1976

إلى وثيقة 6 حزيران 1980 (المؤتمر المحظور)

لم يكتف حكام اسرائيل بسياسة المصادرة العنصرية لأرض المواطنين العرب، ولا بمخططات التهويد والقمع الدموي الذي أغرقت به يوم الارض الخالد، فقد تزامن تحرك الجماهير العربية ضد مشروع المصادرة مع إعداد وثيقة يسرئيل كينغ متصرف لواء الشمال في وزارة الداخلية والتي رفع فيها توصياته الفاشية كخبير حكومي أول في الشؤون العربية ، حول كيفية تعامل الدولة ومؤسساتها الرسمية، مع الجماهير العربية لإخضاعها وكسر معنوياتها في الطريق الى يوم الارض وبعد يوم الارض. ولم يتورع هذا المتصرف عن تضمين وثيقته بنودا فاشية لا تكتفي بالدعوة الى تكثيف مشروع تهويد الجليل وتسريعه، بل توصي بخطوات للتقليل من تكاثر العرب ومواجهة خطر الخلل الديمغرافي في الجليل بما في ذلك تشجيع الهجرة العربية الى الخارج ووضع العراقيل امام عودة الطلاب الجامعيين الى البلاد وتضييق الخناق الاقتصادي على العرب . (الوثيقة مثبّتة بالكامل في هذا الكتاب) .. وخص يسرائيل كينغ حزب "راكح" (اسم الحزب الشيوعي في هذه المرحلة – القائمة الشيوعية الجديدة)، بأكثر من عشرين بندا في مذكرته يدعو خلالها الى مقاومة هذا الحزب، ومهاجمته وتشويه صورة قياداته، والحيلولة دون نشر مواقفه شعبيا. ويبرر كيننغ  تحريضه على الحزب الشيوعي بتركيزه على ان الحزب وقادته هم من وقف من وراء معركة يوم الارض وقادها تحت غطاء لجنة الدفاع عن الارض، ودعا الحكومة الى تسهيل إقامة الاحزاب القومية والدينية وخلق قيادات عصرية جديدة موالية للسلطة تساعد على محاصرة تأثير حزب راكح، ومنع استفادته من المراكمة التي اكتسبت في معركة يوم الارض . (انظر الوثيقة المرفقة في الكتاب).

ولم يتأخر رد الجماهير العربية، ولم يتأخر رد الحزب الشيوعي (راكح) ، ففي مؤتمره الثامن عشر المنعقد في كانون الاول من العام نفسه 1976، طرح الحزب وثيقته التاريخية حول موقع الجماهير العربية في اسرائيل، وبرنامج الحزب لمساواة الجماهير العربية في الحقوق القومية والمدنية ليكون محور نضالها والدفاع عن مستقبلها. (انظري برنامج المساواة القومية والمدنية في الفقرة المقتبسة من تلخيصات المؤتمر المرفقة هنا). كما طرح المؤتمر الثامن عشر شكلا جديدا من تنظيم الجماهير وتأطير وحدتها الكفاحية التي ولدت في يوم الارض، وذلك من خلال دعوته الى إقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتي ما لبثت أن تأسست في العام 1977. لم ينته يوم الأرض بالإضراب المهيب الذي نفذته الجماهير العربية الموحدة، ولا بالجريمة التاريخية التي ارتكبتها المؤسسة الحاكمة بحق المواطنين العرب وشهداء يوم الارض.

لقد افتتح يوم الأرض مرحلة جديدة من الصراع وصلت قمة جديدة لها مع بدء الاعداد لمؤتمر الجماهير العربية عام 1980 (وهو المؤتمر المحظور بأمر عسكري من مناحيم بيغن رئيس الحكومة في حينه). وتمت صياغة وثيقته الشهيرة (وثيقة 6 حزيران 1980) ومطلعها: "نحن اهل هذه البلاد، ولا وطن لنا غير هذا الوطن" ردا على اصوات فاشية هددت الجماهير العربية، ولا زالت تهددها اليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود بالترانسفير وتكرار الترحيل، وردا على الانفلات الاستيطاني الفاشي السائب في المناطق المحتلة في ظل حكومة الليكود الاولى...

ولذلك أضافت الوثيقة :" لم ننكر ولا يمكن أن ننكر أصلنا العريق حتى لو جوبهنا بالموت نفسه: إننا جزء حي وواع ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني ، لم نتنازل ولا يمكن أن نتنازل عن حق هذا الشعب في تقرير مصيره وفي الحرية والاستقلال على ترابه الوطني ".

لقد جاء الاعداد لهذا المؤتمر الذي قاد التحضير له القائد التاريخي الوطني والشيوعي د. اميل توما، ليطرح امام المجتمع الاسرائيلي، باسم الاقلية العربية، بديلا تقدميا وديمقراطيا، يناقض الاجماع القومي الصهيوني ويرفضه، وليطرح امام الجماهير العربية انها مؤهلة للتدخل والتأثير على وجهة هذا المجتمع وقادرة على صياغة البديل الذي يستبدل الحكم في اسرائيل، ويقودها الى طريق السلام العادل وانهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وحل قضية اللاجئين وحقهم في العودة ،والاعتراف بالأقلية القومية العربية في البلاد كأقلية قومية ، صاحبة حق وشريك شرعي في هذا الوطن الذي لا وطن لها سواه.

ليس صدفة أن تنفلت وثيقة كيننغ متصرف لواء الشمال بشكل فاشي على الحزب الشيوعي، وليس صدفة أن تصبّ حكومة الاضطهاد القومي جام غضبها وأبواق تحريضها على الحزب الشيوعي في معركة يوم الارض وفي أعقابها، فقد كانت المؤسسة الرسمية تعي أن يوم الارض عبر عن استراتيجية "راكح" (الحزب الشيوعي) في قضية دور الجماهير العربية في قضية دور الجماهير العربية وهويتها الكفاحية، وأن يوم الارض نجح في تحويلها من استراتيجية حزب، الى استراتيجية شعب في قلب المعركة، يترجمها ممارسة سياسية مسؤولة وواضحة الهدف، تتناقض وجوديا مع مشاريع الدولة تجاه هذه الجماهير.

لم يكن احياء ذكرى يوم الارض سنويا ولأربعين عاما مضت، من قبيل الحنين الى يوم بطولي مضى، بقدر ما كان قضية حياتية تخص واقع الجماهير العربية والتحديات التي تواجهها، ومستقبل تطورها، في ظل سياسة التجاهل والتجهيل والقهر والتمييز القومي. وبفعل ذلك، بات يوم الارض اكثر من يوم ، وقضيته اكبر من الارض ذاتها، لتشمل قضية الانسان الفلسطيني المواطن في اسرائيل وموقعه وواقعه، وموقفه من وطنه ومواطنته، ومن جدلية الوطن والمواطنة وجاهزيته للنضال، دفاعا عنهما.

* مقدمة كتاب – أعده عصام مخول ونبيل عويضة، بعنوان: يوم الأرض انتصار وحدة الصف الكفاحية

صدر عن معهد اميل توما للدراسات في آذار 2016)