2020-04-04

إلى أين تشد الرحال يا ليف تولستوي؟

عبد الرزاق دحنون

تمايز ليف تولستوي في فكره وحياته من خلال بساطة العيش في الطعام والملبس والمسكن وفي الإشاحة عن هموم المجد الشخصي والجاه الاجتماعي. وبذلك نجح في إنشاء سلطته الخاصة التي وظفها أدباً وفكراً فاعلاً في مشروعه لنصرة جماهير الفلاحين الفقراء.

وفي عام 1884 كتب تولستوي لدار نشر الوسيط مجموعة حكايات تحمل عنوان "قصص شعبية" اقترن فيها فضحه للاضطهاد والقهر مع دعوته للتسامح والحب الأخوي والابتعاد عن الشر الذي يكدر عيش البشر.

ولم يصدق أهل الثقافة الارستقراطية أن هذه القصص مكتوبة بيد مبدع رواية الحرب والسلم. والظاهر أنها جرحت مشاعرهم المرهفة بعمق مضمونها وتسفيهها لأخلاقهم وطريقة عيشهم.

وقد تعرضت قصصه الشعبية لملاحقة سلطات الرقابة القيصرية مثل قصته "نيكولاي بالكين" وهي عبارة عن أهجية حادة يتعرض فيها لشخصية القيصر نيكولاي الأول, الذي كان من أشد الطغاة الذين يكرههم تولستوي. وقد قام الطالب ميخائيل نوفوسلوف من جامعة موسكو بطبع هذه القصة على آلة الطباعة بدون إذن مسبق من تولستوي، واعتقل الطالب لهذا السبب. وعندما علم تولستوي بذلك, توجه إلى إدارة الشرطة القيصرية وطالبهم بالإفراج عن الطالب وحبسه هو.

 وأعلن أن المسؤولية تقع عليه لأنه كاتب هذه القصة. وبعد أن استمع جنرال الشرطة إلى تولستوي قال: يا ليف تولستوي إن مكانتك عظيمة وكبيرة بحيث لا تتسع سجوننا لها.        

عليّ الاعتراف أنني لم أكتشف الجانب الفكري الفلسفي في شخصية تولستوي إلا متأخراً، لكن من الإنصاف للنفس القول إني ما إن أدركتُ قيمة هذا الفكر حتى تحولت إلى مبشر به، ففي قراءة فكر تولستوي الفلسفي شفاء للكثير من عذابات البشر، وفكره الفلسفي يندرج في مجمل إنتاجه في مراحله المتعددة   مما يجعل استيضاحه عسيراً للغاية.        

ويمكن القول إن مأثرة تولستوي لها جناحان أدبي تربوي وفلسفي كوني، وتنهض على هذين المسارين مجمل أعماله في العشرين سنة الأخيرة من حياته. وتولستوي من فئة المثقفين الكبار التي تظهر في أي مكان أو حقبة يغمرها مناخ حضارة مثقفة، كأخيه فيلسوف المعرة، رهين المحبسين، نزيل معرة النعمان. تتميز هذه الفئة بتكامل التكوين الثقافي بين الذهن والذات، وتتمتع بفضل التعمق في قضايا الفكر والإنسان والوجود بدرجة من الوعي الكوني تدمجها في ضمير العالم.       

المعروف عنه أنه أديب كبير خاض الكثير من أغراض الأدب، كتب روايات خالدة ومسرحيات وقصصاً وحكايات شعبية جليلة القدر، وألف كتب التعليم الموجهة للأطفال، ونشر عشرات المقالات والأبحاث في الصحف الروسية والأجنبية دفاعاً عن الفلاحين مبرزاً فساد النظام الإقطاعي. ولقب نفسه في سنوات الثورة الروسية الأولى (1905 - 1907) بمحامي مئة مليون من الفلاحين.

وفي ضيعته الموروثة ناضل للتخفيف من معاناة الفلاحين وأنشأ مدارس لأولادهم، ونظم حملات إغاثة للجياع في بعض المجاعات التي عصفت بروسيا في أعوام (1890 - 1891)، وتدخل مراراً لمساعدة ضحايا القمع القيصري مستفيداً من مكانته كوريث أرستقراطي وأديب كبير. وعمل بنفسه في زراعة أراضيه. وحين تجاوز الستين من عمره امتنع عن أكل اللحم ليصبح نباتياً صرفاً, لأنه لا يريد أن يأكل أحداً. وعاش حتى بلغ الثانية والثمانين. وتوقف قلبه عن العمل في الساعة السادسة وخمس دقائق من صباح السابع من تشرين الأول سنة 1910 وشاع خبر وفاته في أنحاء العالم.

مات في تلك المحطة النائية استابوفو على خط حديد موسكو - كورسك، وتوقفت عقارب ساعات المحطة عند الزمن الذي توقف فيه قلبه عن الوجيب. وبقيت سيرة حياته وأفكاره ومؤلفاته حية ترشد البشر إلى طريق الخلاص. وفي الأشهر الأولى بعد انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 عهد لينين إلى رفاقه بنشر مؤلفاته على نطاق واسع، ومن ضمنها المؤلفات التي منعتها الرقابة القيصرية. وبعد سنوات من العمل الدؤوب ظهرت المجموعة الكاملة لمؤلفاته في تسعين مجلداً من القطع الكبير.