2020-04-05

تشومسكي: سنتغلب على أزمة فيروس كورونا، لكن أمامنا أزمات أكثر خطورة

نقلتها الى العربيّة: سيرين حامد - ترجمة خاصّة ب"الاتحاد"

أشار العالم اللغوي والمحلل السياسي الأمريكي المشهور نعوم تشومسكي البالغ من العمر 91 عامًا، في حديث له مع الاعلامي سريكو هورفات عبر قناة أمريكية في ولاية أريزونا، بينما يقضي وقته في عزل ذاتي بسبب الوباء العالمي، إلى أن الأزمة الصحية لفيروس كورونا خطيرة للغاية وستكون لها عواقب وخيمة ولكنها مؤقتة، في حين أن هناك أزمتان أكثر خطورة للإنسانية، ألا وهما الحرب النووية والاحتباس الحراري.

ويشير تحليله إلى أن كل هذه التهديدات تكثف السياسات النيوليبرالية وبعد نهاية هذه الأزمة ستكون الخيارات إما دولًا أكثر استبدادية ووحشية أو دولًا تحاول اعادة بناء جذرية للمجتمع بشروط أكثر إنسانية. واصفًا وجود دونالد ترامب "المعتل اجتماعيًا" في الصدارة أمر صادم بالذات في هذه الأوقات الحاسمة.

ويقول تشومسكي: "إن فيروس كورونا خطير بما فيه الكفاية، لكن من الجدير بالذكر أن تهديدين أكبر يقتربان وهما أسوأ بكثير من أي شيء حدث في تاريخ البشرية: الأول، التهديد المتزايد للحرب النووية والآخر هو التهديد المتزايد لازمة الاحتباس الحراري. بحيث ان فيروس كورونا مروع ويمكن أن يكون له عواقب مرعبة ولكن سيتم التعافي منه بينما لن يتم هذا التعافي من الأزمتين الآخرتين، انتهى الأمر".

ويضيف في حديثه بأن الولايات المتحدة لديها قوة ساحقة فهي الدولة الوحيدة التي يتبعها جميع الدول عندما تفرض عقوبات على دول أخرى مثل إيران وكوبا، تعاني هذه الدول من العقوبات الأمريكية ولكن مع ذلك: "أحد أكثر الامور سخرية لأزمة الفيروس اليوم هو أن كوبا تساعد الدول الأوروبية. بينما لا تستطيع ألمانيا مثلًا مساعدة اليونان"، مستطردًا: "ان أزمة الحضارة الغربية في هذه المرحلة مدمرة. إضافة إلى وفاة الآلاف من المهاجرين واللاجئين في منطقة البحر الأبيض المتوسط".

ويتابع تشومسكي إن الخطاب المتداول اليوم الذي يشير إلى الحرب له بعض الأهمية، فإذا أردنا ان نتعامل مع هذه الأزمة فعلينا أن ننتقل إلى "التعبئة في زمن الحرب". على سبيل المثال، في فترة الحرب العالمية الثانية قامت الولايات المتحدة في التعبئة المالية التي قادت البلاد إلى تضاعف التصنيع الأمريكي أربع مرات، الأمر الذي أدى إلى النمو وإنهاء الكساد الاقتصادي. من أجل التغلب على هذه الأزمة على المدى القصير، نحن بحاجة إلى تعامل مشابه مع الوباء وفي نفس الطريقة، التي تمكن الدول الغنية من خلالها التعامل مع هذه الازمة أيضا. ففي العالم المتحضر، ستقدم الدول الغنية المساعدة للمحتاجين بدلاً من خنقهم، وهذا ما سيدفع الناس الى التفكير في نوع العالم الذي نريده في ظل الأزمة الراهنة.

ويعتقد تشومسكي أن أصول هذه الأزمة هو الفشل الهائل للسوق والسياسات النيوليبرالية التي بدورها قد فاقمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، فيقول: "كان من المعروف أن الأوبئة من المحتمل جدا أن تحدث منذ فترة طويلة، بالإضافة أنه من المحتمل أن يكون هناك وباء فيروس كورونا مع تعديلات طفيفة على وباء السارس. كان من الممكن أن يكونوا قد عملوا على اللقاحات وعلى تطوير الحماية من أوبئة الفيروسات التاجية المحتملة، ومع تعديلات طفيفة يمكن أن يكون لدينا اللقاحات متوفرة اليوم ". بينما بالنسبة الى صناعة الأدوية الكبرى، القطاع الخاص الذي يستحيل على الحكومة التدخل فيه، فمن المربح أكثر صنع كريمات جديدة للجسم من إيجاد لقاح يحمي الناس من الدمار الشامل. انتهى خطر شلل الأطفال بلقاح من قبل مؤسسة حكومية، إذ لا توجد براءات اختراع متاحة للجميع، كان يمكن القيام بذلك هذه المرة، لكن الطاعون النيوليبرالي عرقل ذلك.

المعلومات موجودة، لكننا لم ننتبه

"في أكتوبر 2019، كانت هناك محاكاة واسعة النطاق في الولايات المتحدة عن الوباء المحتمل من هذا النوع ولكن لم يتم فعل أي شيء. لم ننتبه إلى المعلومات. قامت الصين بإبلاغ منظمة الصحة العالمية بالالتهاب الرئوي بتاريخ في 31 ديسمبر، وبعد أسبوع حدده بعض العلماء الصينيين على أنه فيروس كورونا وقدموا المعلومات إلى العالم. ان دول المنطقة: الصين، كوريا الجنوبية وتايوان بدأوا في القيام بشيء ما، أظهر أنه احتواء على الأقل في أول موجة من الأزمة. وقد حدث ذلك في أوروبا إلى حد ما. ألمانيا التي لديها نظام مستشفيات موثوق به، قامت بالتحرك في الوقت المناسب علما انها قادرة على التصرف لمصلحتها الذاتية دون مساعدة الآخرين، ولكن لنفسها على الأقل احتوت الأزمة بشكل معقول. أما الدول أخرى قامت بالتجاهل التام، أسوأها المملكة المتحدة لكن الأسوأ منها كلها هي الولايات المتحدة".

يضيف تشومسكي: عندما نتغلب على هذه الأزمة بطريقة أو بأخرى فإن الخيارات المتاحة ستتراوح بين تركيبة دول وحشية شديدة الاستبداد، او إعادة بناء جذرية للمجتمع مشددين على مصطلحات أكثر إنسانية كالاحتياجات البشرية بدلاً من الربح الخاص. "هناك احتمال أن ينتظم الناس ويقوموا بخلق عالم أفضل بكثير الذي سيواجه المشاكل الهائلة التي نواجهها في المستقبل القريب. مشاكل الحرب النووية وهو أقرب مما كان عليه من قبل. بالإضافة الى مشاكل الكوارث البيئية التي لم يعد هناك تعافي منها بمجرد وصولنا إلى تلك المرحلة وهي ليست بعيدة، ما لم نتصرف بشكل حاسم".

ويشير: "هي لحظة حرجة من تاريخ البشرية ليس فقط بسبب انتشار فيروس كورونا الذي يجب أن يوصلنا إلى الوعي بالعيوب العميقة في العالم، الخصائص العميقة والخلل للنظام الاجتماعي الاقتصادي بأكمله والتي يجب أن تتغير إذا كان هناك مستقبل قابل للبقاء. لذلك يمكن أن تكون هذه علامة تحذير ودرسا للتعامل اليوم أو منعها من الانفجار. لكن التفكير في جذور الازمة سيؤدي إلى أزمات أكثر سوءًا من هذه".

ويلفت تشومسكي حول وضع مواجهة أكثر من 2 مليار شخص على هذا الكوكب الحجر الصحي اليوم، إلى وجود شكل من أشكال العزلة الاجتماعية لسنوات وهو مدمر للغاية. مصرّحًا "نحن الآن في حالة عزلة اجتماعية حقيقية يجب التغلب عليها بإعادة الروابط الاجتماعية بأية طريقة ممكنة وأيا كان نوعها والتي بإمكانها مساعدة المحتاجين، وذلك عن طريق الاتصال بهم، تطوير المنظمات. كما كان الحال قبل هذه الازمة، قبل ان تجعلهم فعالين أكثر ومنتجين، مقبلين نحو وضع خطط كثيرة للمستقبل، وجمع قدر الإمكان من الأشخاص معًا في عصر الإنترنت للانضمام، التشاور، التداول لمعرفة حل المشاكل التي يواجهونها والعمل عليها. الفكرة ليست بأن التواصل وجها لوجه هو أمر غير ضروري للبشرية. ولكن سيتم حرمانها منه لفترة كما يمكنها تعليقه".

واختتم نعوم تشومسكي بالقول: "ابحثوا عن طرق أخرى، اكملوا معها بل وطوروها بعمق. لن يكون الأمر سهلاً لكنه قابل للتنفيذ فقد واجه البشر مشاكل في الماضي ".

"الاتحاد" الحيفاوية