2020-04-22

حقائق تاريخية.. الصهيونية من تقيّحات وإفرازات الإمبريالية العالمية

د. خليل اندراوس

الصهيونية – إيديولوجية البرجوازية اليهودية وممارساتها السياسية، ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر. ففي سنة 1897 أُنشأت في مؤتمر الصهاينة الأول في بازل في سويسرا ما يسمى بالمنظمة الصهيونية العالمية (م ص ع)، وهذه المنظمة لا تزال منذ ذلك الوقت المركز القيادي للصهيونية العالمية. وهذه الحركة أي الصهيونية هي من تقييّحات وإفرازات الإمبريالية العالمية.

الصهيونية هي إيديولوجية التعصب القومي البرجوازي اليهودي والشوفينية والعرقية، التي ترتكز على الموضوعة اللاعلمية القائلة بوجود شعب (أمة) يهودي عالمي خاص مركزه  دولة إسرائيل، هو شعب الله المختار، وسياسة هذه الحركة الصهيونية هي موالية وخادمة لمصالح الإمبريالية العالمية ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط لا بل في العالم أجمع. ومفاهيم شعب الله المختار، أي الشعب اليهودي لا تختلف كثيرا عن إيديولوجيات ومفاهيم النازية التي كانت تقول وتدعي بأن الشعب الآري هو الأرقى.

إنّ ظهور الصهيونية على المسرح التاريخي تزامن مع تحول رأسمالية المزاحمة الحرة الى إمبريالية، أي حين أخذت الطبقة العاملة وجماهير الكادحين الواسعة تنخرط بنشاط في النضال ضد سيطرة طبقة رأس المال، من أجل تحررها الإجتماعي الطبقي والوطني والقومي، وحين كانت تعمل في عدد من البلدان أحزاب ماركسية ثورية نادت ببناء مجتمع العدالة الإجتماعية المجتمع الإشتراكي كهدف نهائي.

في تلك الفترة أي أواخر القرن التاسع عشر طرأت تغيرات مهمة في السياسة الدولية، فإنّ كبريات الدول الرأسمالية كانت تخوض نضالا ضاريا من أجل مناطق النفوذ، ومصادر الخامات، وأسواق التصريف، ونضجت إعادة تقاسم العالم الذي كان منقسما. وكانت الطبقات السائدة في المتروبولات الرأسمالية تبذل جهودا طائلة لإقامة ما يسمى "السلام الطبقي"، وإثارة الانشقاق في صفوف الطبقة العاملة وصرف الشغيلة عن النضال والصراع الطبقي، والأمم والشعوب المظلومة عن النضال في سبيل حقوقها الوطنية والقومية وفي سبيل حقها في تقرير مصيرها.

وكان تأجيج الأمم السائدة لنيران أوهام التعصب القومي والأوهام الدينية، وإثارة التجاوزات وأعمال الشطط القومية والشوفينية من كل شاكلة وطراز وسيلة من أهم الوسائل في ترسانة الرجعية خادمة طبقة رأس المال. وكل ما جلبه معه العهد التاريخي الجديد كان لا بد له من أن يمس السكان اليهود أيضا في مختلف البلدان.

فمع تطور الرأسمالية حل تدريجيا انعتاق اليهود المدني. (هذه العملية بدأت في أوروبا الغربية وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شملت - لدرجة ما - أوروبا الشرقية أيضا بما فيها روسيا القيصرية حيث كان إقرار مساواة اليهود في الحقوق أحد المطالب الأساسية للحركة العمالية والديمقراطية)، ورغم أن رجال الدين اليهود والقوميين البرجوازيين الذين كانوا من حيث الجوهر يعملون جبهة واحدة مع أعداء السامية قد عرقلوا هذه العملية بجميع الوسائل.

حيث حدث تمثّل عدد كبير جدًا من اليهود وانصرافهم عن اليهودية. وبعد الثورة البرجوازية الفرنسية 1789- 1794، وبخاصة منذ أواسط القرن التاسع عشر، شرعت الجماهير اليهودية تغادر الجيتو وتتحرر من وطأة الأوساط العليا الدينية الظلامية وضغطها الرسمي الرجعي بهدف عرقلة عملية الاندماج مع الشعوب الأخرى، وطفق كثيرون من العمال والمثقفين اليهود يشتركون بنشاط في الحركة الثورية في أوروبا في ذلك الوقت وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كما اعترف المؤرخ الصهيوني غ. م. زاخار، "كانت الاشتراكية الماركسية.... القوة الجذابة الرئيسية بالنسبة لليهود المشتركين في الحياة السياسية".

وقد عوّل الرأسماليون اليهود بمن فيهم كثيرون من ممثلي البرجوازية الكبيرة اليهودية الأصل المتمثلة (إلى هذا الحد أو ذاك) على الصهيونية سعيًا منهم إلى الاحتفاظ بنفوذهم في أوساط الكادحين اليهود، وإلى كبح عملية انخراطهم في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية للشعوب التي كانوا يعيشون في بيئتها، وفي الحركة الثورية للحركة العالمية، وكذلك إلى توطيد مواقعهم في صراع المزاحمة مع البرجوازية من أصل قومي آخر. وموقف الرأسماليين اليهود وممثلي البرجوازية اليهودية الأصل هذا يعتبر من أكثر المواقف انتهازية، وغادرة بالنسبة للطبقة العاملة، وتخلق مفاهيم وطروحات مناهضة للسامية ولذلك نقول بأن الصهيونية ومعاداة السامية وجهان لعملة واحدة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن أغلبية كبار المصرفيين والرأسماليين اليهود لم تتجه إلى الصهيونية وحسب، بل اتجهت كذلك بأساليب الخداع، والكذب والمراوغة إلى الاستفادة من سائر عوامل التأثير في شرائح اليهود وخاصة الطبقة العاملة. وكان آباء الصهيونية وما زالوا يقومون بدورهم  كحلفاء وأنصار طبقة رأس المال العالمي

نشأت الصهيونية وتطورت وتنامت بحماية وتشجيع الحكومات في عدد من دول الإمبريالية التي كانت تتنافس فيما بينها في السعي إلى وضع هذا التيار القومي التعصبي الشوفيني العنصري، في خدمتها ولذلك نستطيع أن نقول بأن الصهيونية هي من إفرازات وتقييّحات الإمبريالية العالمية.

قبل ظهور المنظمة الصهيونية العالمية بزمن طويل، حاكت الأوساط الحاكمة في الإمبراطوريات الاستعمارية، وخاصة بريطانيا خطط بناء كيان دولة لليهود في فلسطين، يكون قاعدة أمامية وارتكازا للتوسع الاستعماري للغرب الرأسمالي في الشرقين الأدنى والأوسط

دعمت الدول الإمبريالية وطبقة رأس المال العالمي الشعار الصهيوني القائل بإنشاء "وطن قومي يهودي" في فلسطين لأنهم أدركوا أن هذا يساعد في تحقيق خططهم وأهدافهم الاستعمارية الكولونيالية الرجعية البعيدة المدى سواء في الشرق الادنى، أو في بلدان تعيش فيها طوائف يهودية.

وهذا ما تمارسه اسرائيل والحركة الصهيونية العالمية الآن على أرض الواقع، في الشرق الأوسط وعالميا. وهنا لا بد أن نذكر بأن بدايات الفكر الصهيوني كانت في إنجلترا في القرن السابع عشر في بعض الأوساط البروتستانتية المتطرفة التي نادت بالعقيدة الاسترجاعية التي تعني ضرورة عودة اليهود الى فلسطين شرطا لتحقيق "الخلاص" وعودة المسيح، لكن ما حصل هو أن الأوساط الاستعمارية الرأسمالية العلمانية في انجلترا تبنت هذه الطروحات وعلمنتها ثم بلورتها بشكل كامل كأيديولوجية في منتصف القرن التاسع عشر. معظم زعماء الحركة الصهيونية الأوائل تعود جذورهم الى أوروبا الشرقية لكنه تعلّم في الغرب ويجمع الكثير من مظاهر الحضارة والثقافة الأوروبية البرجوازية الرجعية الشرقية والغربية يهودية وغير يهودية (صهيونية مسيحية). والشخصية الأكثر بروزًا والأكثر نموذجية في تمثيلها لذلك الجيل كان حاييم وايزمن.

وكمستند رسمي واضح يُظهر دعم بريطانيا الاستعمارية الرأسمالية اقامة "وطن قومي لليهود" أذكر ما جاء في مذكرة الأركان العامة البريطانية بتاريخ 9 كانون الأول عام 1918، حيث جاء ما يلي: (إن إنشاء دولة يهودية في فلسطين أمر مرغوب فيه بالنسبة لبريطانيا العظمى من وجهة النظر الاستراتيجية.."

وفي الولايات المتحدة الأمريكية وُضعت في سنة 1919 خطط ترمي الى تحويل "فلسطين اليهودية" الى حصن أمريكي في الشرق الأدنى. وفي تلك السنوات صرّح الملك الأول لآل سعود بأنه لا مانع لديه من إعطاء فلسطين لليهود المساكين.

والتطور التاريخي وخاصة أحداث العقود الأخيرة تؤكد بأن هذا الثالوث الدنس – الولايات المتحدة واسرائيل والسعودية – الشيطاني هو خادم طبقة رأس المال العالمي والصهيوني العالمي، و الكمبرادوري (الوسيط) العربي الرجعي وخاصة السعودية.

إن الصهيونية – هذه الظاهرة التي ولدتها الإمبريالية، وهذا النوع الأشد إغراقا في الرجعية بين أنواع التعصب القومي البرجوازي اليهودي – قد كانت منذ بدء نشوئها عدوًا من ألدّ أعداء الماركسية. من ألدّ أعداء الاشتراكية الديمقراطية الثورية، من ألدّ أعداء الأحزاب الشيوعية.

وهكذا نرى ونستون تشرتشل يكتب في سنة 1920 معربا عن رأي الأوساط الحاكمة الانجليزية، انه يعتبر الصهيونية " ردّا على الشيوعية العالمية" في المسألة اليهودية، وأنه "ينبغي" لهذا السبب أن "تظفر" الصهيونية " بروح الشعب اليهودي".

إن ايديولوجي الصهيونية وزعماءها بدون استثناء قد أكدوا بمثابرة وإصرار على جوهرها المضاد للثورة، المضاد للماركسية والمضاد للشيوعية.

فقد جاء في وثيقة صهيونية من القرن التاسع عشر قولها: "الاشتراكية... تعترض طريق الصهيونية... الصهيونية والاشتراكية ليستا قطبين متنابذين وحسب، بل أيضا عنصرين ينفي أحدهما الآخر نفيا تاما، الصهيونية ضرورية حيث يوجد يهود، ولا غنى عنها بالإضافة يجري غليان في رؤوس اليهود". (ارشيف ثورة أكتوبر المركزي التابع للدولة – 1898 الملف – 11، الجزء 2، ب، ص 7).

إن الصهيونية التي نادت بنفسها على نحو ديماغوغي " حركة التحرر القومي للشعب اليهودي"، "وثورة يهودية" وما الى ذلك كشفت منذ أولى خطواتها، لا جوهرها البرجوازي وحسب، بل أيضا جوهرها الاستعماري الموالي للإمبريالية العالمية. وهذا ما اعترف به صراحة "أباء" الصهيونية أحيانا كثيرة. فقد كتب هرتسل، مثلا يقول: "إن برنامجي (أي البرنامج الصهيوني) برنامج استعماري.

وهرتسل ذهب الى أبعد من ذلك عندما انتقل من مفاهيم ومعسكر الاندماج اليهودي مع الشعوب الأخرى الى معسكر التعصب القومي والانعزالية والشوفينية كتب يقول: " إن اللاسامية وهي قوة غير واعية وشديدة المراس بين الجماهير لن تضر اليهود". واعتبرها "حركة مفيدة لتطوير الخلق اليهودي" (يومياته – مختصرة إصدار المكتبة الكونية – ص 10).

وكما كتب المفكر الشيوعي إميل توما " وهكذا فعلى الرغم من التناقض بين اللاسامية التي تصف اليهود بكل المثالب التي اكتشفتها العقليات المتعصبة، والصهيونية التي تضفي على اليهود كافة نعوت الكمال الإنساني، فقد كان التقارب ملازمًا لهما على صعيد العمل، إذ كانت الصهيونية ترى في اللاسامية محركها التاريخي، وتحتاج إلى نشاطها لتحقق أهدافها" (اميل توما - الاعمال الكاملة – المجلد 4، ص 29).

"واتخذ هذا التقارب لا شكل سكوت عن اللاسامية فحسب بل إطار تعاون وثيق بين اللاساميين والصهيونيين. وهذا ما أظهرته حقائق التعاون بين القادة الصهيونيين مع النازيين قبل الحرب العالمية الثانية".

ولتنفيذ هذا البرنامج الاستعماري قامت منظمات وهيئات مختلفة ومتنوعة وانسجام بإشراف المنظمة الصهيونية العالمية نذكر منها التروست  الاستعماري اليهودي المعروف كذلك باسم المصرف الاستعماري اليهودي (تأسس في عامي  1898و 1899) ولجنة الاستعمار سنة (1898) والهيئة اليهودية القومية – كيرن كايمت (سنة 1901) والمكتب الفلسطيني (سنة 1908) وفي سنة 1920، انشأت في قوام اللجنة التنفيذية الصهيونية العالمية دائرة خاصة للاستعمار اسمها "الهيئة التأسيسية الفلسطينية" (كيرن هايسود) وفي سنة 1921 أنشأت الوكالة اليهودية لأجل فلسطين التي حصرت في يدها قيادة الاستعمار الصهيوني "لأرض التوراة" وروج ايديولوجيو الصهيونية العنصرية وزعماؤها الصيغ الصهيونية للنظريات العرقية بصدد "رسالة" الغرب "التمدينية"  "وأعباء الإنسان الأبيض" في الشرق.

فقد كتب هرتسل مثلا، أنه ينبغي على الصهاينة أن يبنوا في فلسطين "مخفرا أماميا للحضارة مقابلا للبربرية" "قسما من سور قلعة أوروبا ضد آسيا" "مخفرا للثقافة الغربية" "في أقصر طريق إلى آسيا".

وأقرب أصدقاء نورداو قال صراحة في المؤتمر الصهيوني السابع سنة 1905 إن بوسع الصهاينة أن يأخذوا على عاتقهم مهمة النضال ضد حركة العرب التحررية الوطنية.

وبدعوة اليهود في روسيا وجميع البلدان الأخرى إلى إنشاء "دولتهم" في "أرض الأجداد"، سعى الصهاينة إلى فصل الكادحين اليهود عن البروليتاريا في روسيا وسائر أقطار العالم، وصرفهم عن الاشتراك في الثورة الاشتراكية. وكان ذلك هدف "أباء" الصهيونية الأساسي. فقد قال هرتسل مثلا في سنة 1895 قاصدا الفقراء اليهود: "سنقتل السكان اليهود الفائضين، وبذلك نستبعد خطر الثورة التي قد تنشب بين اليهود والتي لا يعلم أحد أين ستنتهي " وفي رسالة إلى بليفة وزير الداخلية في روسيا بتاريخ 5 أيلول عام 1903 أعلن هرتسل أن الصهيونية وسيلة بمقدورها أن تحدّ من تأثير الحركة الثورية في روسيا على الشبيبة الشيوعية، ولهذا السبب بالذات قدمت الأوساط الإمبريالية للصهاينة المساعدة النشيطة والمساندة الفعالة

وفي عام 1919 اعترف زعيم الصهاينة الأمريكيين وعضو المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية براندايس، صراحة أنه  اهتم بالصهيونية  "لأسباب أمريكية " بوجه الحصر، أي بحثا عن السبل للحيلولة دون انتشار الأفكار الثورية بين اليهود في الولايات المتحدة.

ولتمويه جوهر الصهيونية الرجعي العنصري الشوفيني و لتوطيد قاعدتها الجماهيرية، وكذلك للحصول على مساندة قسم من الرأي العام العالمي، لجأ النظريون الصهاينة على نطاق واسع، لا إلى الإنشاءات والاختلافات والأساطير الطوباوية والرومنطيقية، والليبرالية والدينية التبشيرية وحسب، بل أيضا إلى الشعارات الاشتراكية الزائفة من كل شاكلة وطراز.

ومنذ أوائل القرن العشرين أخذت تصدر في خارج روسيا، وكذلك في روسيا (باللغة الروسية واللغة العبرية) كتب ومقالات الصهاينة الذين أعلنوا كذبا وبهتانا أنهم من أنصار الاشتراكية.

وكما كتب الرفيق المفكر والمؤرخ إميل توما "إن الإيديولوجية الصهيونية في مسيرتها لم تسهم في الظروف الموضوعية في حركات التقدم الإنساني بل دعمت قوى الردة والإمبريالية على الصعيدين الأوروبي والعالمي. فمن الناحية الأوروبية الداخلية وقفت الصهيونية ضد حركات انعتاق اليهود العامة واندماجهم بمجتمعاتهم في كل قطر من الأقطار كما صادمت الحركات الاشتراكية الثورية بمحاولتها جذب العمال اليهود بعيدا عن تلك الحركات. ومن الناحية العالمية دعت إلى الاندماج في مخططات الإمبريالية العالمية بشقيها "الكولونيالي الاستيطاني والسياسي الاستراتيجي". (د. إميل توما – الاعمال الكاملة، المجلد 4 ص- 31.)

في سنة 1946 وعد بن غوريون في حديث مع عضو اللجنة الأنجلو - أمريكية لدراسة القضية الفلسطينية، عضو حزب العمال د. كروسمان بما يلي: "إذا أُنشأت دولة يهودية في قسم من أراضي فلسطين، فإنها ستكون بمثابة قاعدة بريطانية ضد روسيا... نحن لا نطالب بجلاء الجيش البريطاني من هذه البلاد".

ولا يبقى لنا غير أن نضيف أن هذا قيل بعد فترة وجيزة من الخطاب المشؤوم الذي ألقاه تشرشل في فولتون والذي دشن بداية" الحرب الباردة".

وفي 13 كانون أول عام 1946 كتبت جريدة "دافار" لسان حال الهستدروت، في مقالة افتتاحية تقول: "القوات الضخمة المنقولة إلى هذا البلد متمركزة هنا بوجه الحصر لأجل حاجات البريطانيين. ونحن نعترف بحقها في هذا ونحن مستعدون لأخذ هذه الحاجات بعين الاعتبار ولمساعدة البريطانيين، كما أن سبق أن فعلنا غير مرة".

وفي حديث مع الوزير العمالي البريطاني للشؤون الخارجية بيفن، كان بن غوريون في سنة 1947 مستعدا لحلف اليمين بأن الدولة اليهودية في فلسطين ستحمي المصالح البريطانية.

وفي آذار عام 1947 قال شاريت بدوره في اجتماع لممثلي" ماباي": "لن نراجع هيئة الأمم المتحدة... لأمريكا مصلحة فينا في الشرق الأدنى"

وهذا ما تفعله إسرائيل الآن حيث لا تعترف ولا تلتزم لا بل وترفض قرارات الأمم المتحدة وبتنسيق ودعم أمريكي مطلق وخاصة في فترة رئاسة بوش ورئاسة ترامب.

وفي معرض تحليل موقف من ادعى زورا وديماغوجيا  بأنه ينتمي إلى الاشتراكية كحزب "ماباي" من الشعب العربي الفلسطيني وأرض فلسطين من الضروري الاشارة إلى أن "الاشتراكيين" الصهاينة كانوا دائما يدعون إلى استعمار واستيطان عموم فلسطين" في الحدود التي رسمتها التوراة". وفي آب عام 1937 بحث المؤتمر العشرون للمنظمة الصهيونية العالمية خطة لتقسيم فلسطين الى دولتين عرضتها اللجنة الملكية البريطانية برئاسة اللورد بيل، وقد عارض بعض الزعماء الصهاينة قطعا التقسيم، مطالبين بعموم فلسطين. وزعم أن اسرائيل لا تُشغل سوى 25% من أراضيها.

كذلك كان الزعيم "الإشتراكي" الصهيوني الزائف والمبتذل، والديماغوغي، شاريت يقول وينادي بإنشاء "الدولة اليهودية" في أراضي فلسطين كلها.

وهنا لا بد ان نذكر بأن الصهاينة خلال عام 1948 مارسوا سياسات التطهير العرقي في فلسطين، فقيام دولة اسرائيل إقترن بأعمال دموية قامت بها المنظمات الإرهابية الصهيونية التي شارك فيها أشخاص غدوا فيما بعد من زعماء دولة اسرائيل.

ففي الأربعينات قامت جماعة " الأرغون" الارهابية بتفجير فندق "كينغ ديفيد (الملك داود) في القدس مما أسفر عن مقتل مائة شخص تقريبا. وبعد ذلك قامت هذه المنظمة الإرهابية بارتكاب مجزرة ومذبحة دير ياسين حيث قتل 252 فلسطينيا وأغلبهم من الشيوخ والنساء والأطفال.

وفي خريف عام 1948 أطلقت جماعة من الإرهابيين الإسرائيليين النار على وسيط الأمم المتحدة في فلسطين الكونت السويدي برنادوت ومرافقه المقدم الفرنسي. ونذكر أيضا مذبحة الطنطورة، والجدير بالذكر أن المذبحة في الطنطورة جرت ووقعت بعد أن أشار القرويون الى رغبتهم في الاستسلام بالتلويح بعلم أبيض. فمعظم القتل في الطنطورة نُفذ بدم بارد. واليوم يقطن كثيرون من الناجين من مجزرة الطنطورة في مخيم اليرموك للاجئين في سوريا. تفاصيل المجزرة يمكن مراجعتها في عدة مواقع ودراسات تاريخية ولكن ما كُتب في كتاب إيلان بابه – التطهير العرقي في فلسطين يذكر بشكل واضح بأن الصهاينة مارسوا قتل أسرى الحرب والسكان الأبرياء بدون تردد أو رحمة ويذكر مردخاي سوكولر من زخرون يعقوب صاحب الجرارات التي أُحضرت للقيام بالمهمة الرهيبة. حيث روى سنة 1999 أنه دفن 230 جثة وكان العدد واضحا في ذهنه: "وضعتهم واحدًا تلو الآخر في القبر".

لقد تعامل الصهاينة مع الفلسطينيين بأنهم ليسوا بشرًا. وكما جاء في كتاب إيلان بابه "التطهير العرقي في فلسطين" حيث ذكر بأنه "بموجب قرار التقسيم كان ينبغي للأمم المتحدة أن تكون حاضرة على الأرض لتشرف على تنفيذ خطتها للسلام، أي جعل فلسطين بكاملها بلدًا مستقلا، يشمل على دولتين متميزتين تجمعهما وحدة اقتصادية وقد تضمن القرار الصادر في 29 تشرين الثاني عام 1947 أمورًا إلزامية واضحة جدا، منها التعهد بأن تمنع الأمم المتحدة أية محاولة من أي من الطرفين لمصادرة أراض تعود ملكيتها الى مواطني الدولة الأخرى، أو أية مجموعة قومية أخرى – سواء كانت أراضي مزروعة أو غير مزروعة، أي أراضي مُراحة من غير زرع لمدة عام تقريبًا.

وإنصافا لممثلي الأمم المتحدة المحليين، يمكن القول أنهم على الأقل شعروا بأن الأمور تتجه من السيئ الى الأسوأ، فحاولوا الدفع في اتجاه إعادة تقويم سياسة التقسيم، لكنهم عمليا لم يقوموا بأكثر من المراقبة وإرسال تقارير عن بدء التطهير العرقي.

وكان وجود الأمم المتحدة في فلسطين محدودًا لأن السلطات البريطانية منعت وجود فريق منظم من الأمم المتحدة في فلسطين (مع أن الانتداب البريطاني على فلسطين بقرار من الأمم المتحدة وبريطانيا تقر وترفض وجود لجنة من الأمم المتحدة، أليست هذه جريمة من قبل كل أطراف الانتداب والأمم المتحدة!! د. خ (.

لقد سمحت بريطانيا بحدوث التطهير العرقي (وليست بريطانيا وحدها بل أيضًا الولايات المتحدة والدول التي أرسلت السلاح إلى الحركة الصهيونية كتشيكوسلوفاكيا عن طريق وزير خارجيتها مساريك صديق بن غوريون وهذه قصة طويلة تحتاج لدراسة واسعة. د. خ) الذي جرى تحت بصر وسمع جنودها وموظفيها خلال فترة الانتداب التي انتهت في منتصف ليل 14 أيار عام 1948، كما أنها أعاقت جهود الأمم المتحدة للتدخل بطريقة كان من الممكن أن تؤدي الى انقاذ كثيرين من الفلسطينيين.

أما الأمم المتحدة ( والدول الكبرى أعضاء الأمم المتحدة د. خ) لا يمكن تبرئتهم من ذنب التخلي، بعد 15 أيار عام 1948 عن الشعب الذي قسمت أرضه وسلمت أرواحه وأرزاقه إلى اليهود الذين كانوا، منذ نهاية القرن التاسع عشر، يريدون اقتلاعه والحلول مكانه في البلد الذي كانوا يعتقدون أنه ملك لهم". (إيلان بابه – التطهير العرقي في فلسطين ص 138).

إن طرد الشعب الفلسطيني بالقوة وتأسيس المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة هما السياسة الثابتة لحكام اسرائيل والحركة الصهيونية العالمية والآن اليمين الأمريكي الذين صبغوا في الماضي والحاضر بعناد الشعار العنصري "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" وصفقة القرن وبرنامج نتنياهو بضم الأغوار ومناطق أخرى من الضفة الغربية لاسرائيل هي التعبير والممارسة المتغطرسة العنصرية الشوفينية لهذا الشعار الهمجي البربري الذي ينفي وجود الشعب العربي الفلسطيني على أرضه ووطنه. ولكن صمود الشعب الفلسطيني بعد النكبة وبعد يوم الأرض والآن ورغم الاحتلال والاستيطان الكولونيالي لأكبر دليل بأن الايديولوجية الصهيونية مصيرها مزبلة التاريخ.

وبعد النكبة عندما فرضت حكومات اسرائيل المتتالية التي تدّعي بأنها "اشتراكية صهيونية" والتي أوهمت وخدعت بعض الدول بأنها ستكون دولة اشتراكية فرضت على الأقلية العربية الفلسطينية نظام الحكم العسكري، والذي منح أي هذا النظام صلاحيات واسعة تستطيع بموجبها أن تهجر السكان وتقيّد تنقلاتهم وتبدل أماكن إقامتهم وتفرض الإقامة الجبرية عليهم أو التوقيف الإداري دون محاكمة أو تحقيق أو أن تقوم بنفي من يعارض سياسات الحكومة الصهيونية وهذا ما مورس مع عشرات من أعضاء وقيادات الحزب الشيوعي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وفي تلك الفترة أحيلت الى المستوطنين اليهود قطع كبيرة من الأراضي في إطار المناطق العسكرية المغلقة. وفيما بعد إتخذت إجراءات لإضفاء صفة الشرعية على الأراضي الفلسطينية المغتصبة، ومن تلك الإجراءات "قانون الأراضي البور" عام 1948، و"قانون إكتساب الأراضي" عام 1953 وغيرها.

وفي اسرائيل هناك عشرات القوانين والقرارات والتي تتميز بالتفرقة  العنصرية وتقيّد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للأقلية الفلسطينية داخل اسرائيل وأسوأ هذه القوانين العنصرية قانون يهودية الدولة.

وكتب الشخصية الاجتماعية الامريكية الحاخام الميسر بيرغر يقول :"إذا كانت العنصرية شكلا للحكم وبنية المجتمع حيث تسجل القوانين رسميا الحقوق والواجبات تبعا للديانة ولون البشرة والمنشأ الاثنوغرافي فإن اغلبية القوانين الاسرائيلية "الأساسية" الصهيونية الطابع تندرج ضمن هذا التعريف".

الاحتلال الاستيطاني الكولونيالي المستمر للأراضي العربية الفلسطينية والممارسات العدوانية والحصار على غزة، كل هذه الممارسات تمثل تحديًا من جانب الصهيونية العالمية والصهيونية المسيحية واليمين الأمريكي والاسرائيلي للمجتمع العالمي وخرقًا فظًا لأصول القانون الدولي

في آذار عام 1972 صادقت الكنيست بالأغلبية الساحقة، ولم يصوت بالمعارضة غير الشيوعيين والنواب عن كتلة هذا العالم "העולם הזה" على قرار يعلن أن "الحق التاريخي للشعب اليهودي في إرتس اسرائيل لا جدال فيه "، وقد تكلم باسم الحكومة رئيس اللجنة البرلمانية للشؤون الخارجية و"الدفاع"، والذي أكد انه "يلاحظ" بين الأحزاب الصهيونية "عددا قليلا جدا من الفوارق في الآراء بصدد الحق التاريخي للشعب اليهودي في أرض اسرائيل" وان الخلافات لا تنجم إلا عن امكانية تحقيق هذه الحقوق في الوقت الحاضر

الحركة الصهيونية العالمية وحكام اسرائيل قاعدة امامية للإمبريالية العالمية للشرق الأوسط وبسبب تمزق وانشقاق العالم العربي وخيانة الانظمة الرجعية العربية وخاصة  السعودية والإمارات تسعى الولايات المتحدة واسرائيل، بالاعتماد على دعم الدول الامبريالية وعلى دعم الحركة الماسونية العالمية، حيث أن الماسونيين يشغلون أماكن رئيسية في النخبة السياسية والإقتصادية والعسكرية بالولايات المتحدة، من رؤساء الولايات المتحدة إلى رؤساء أضخم الاتحادات الاحتكارية وأصحاب الرتب العليا. فكل قادة الناتو تقريبا لهم ضلع بالماسونية مثلًا، وعلى دعم المساعدة المالية والاقتصادية الضخمة من جانب البرجوازية وطبقة رأس المال اليهودية الأصل وغيرها الى تحقيق أحلام أمريكا وإسرائيل في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا وإحدى الخطوات الأولى لتحقيق هذا الهدف فرض ما يسمى بصفقة القرن على الشعب العربي الفلسطيني وتقسيم سوريا وتركيع ايران وحزب الله، ولكن كل هذه المحاولات الصهيونية الامبريالية سيكون مصيرها الفشل والهزيمة.

المراجع:

د. إميل توما – الأعمال الكاملة، المجلد الرابع

إيلان بابه – التطهير العرقي في فلسطين

دادياني – الصهيونية على حقيقتها

أندري غراتشوف – أخطبوط الإرهاب

من وراء الإرهاب الدولي وثائق وشهادات