2020-05-06

هل يستطيع العمّال إدارة المجتمع؟

"جون مولينو"

ترجمة ياسر المعادات

الشيء الوحيد الذي أثبتته تداعيات جائحة كوفيد-19 بشكلٍ قاطعٍ هو فقط من هم العمال "الأساسيون". في عيد العمال هذا يسأل جون مولينو عمّا إذا كان بإمكان العمال أن يذهبوا أكثر إلى الأمام - هل يمكنهم إدارة العالم؟

العمّال الأساسيون ليسوا أصحاب المليارات مثل دينيس أوبراين، ريتشارد "أنقذوني" برانسون أو جيف بيزوس، ولا المذيعون الّذين يتقاضون رواتب باهظةً مثل ريان توبريدي. هم ليسوا من المشاهير أو "المؤثرين"، أو حتى الرؤساء أو رؤساء الوزراء.

العمّال الأساسيون هم الأشخاص العاديّون الّذين يتقاضون أجوراً زهيدةً، ويعملون بشكلٍ مبالغٍ فيه ولا يحظون بالتقدير الكافي، وهم الّذين يعملون في مستشفياتنا، ويهتمون بكبار السنّ وبأطفالنا، ويديرون وسائل النقل الخاصّة بنا، وينتجون ويبيعون لنا طعامنا، وينظّفون شوارعنا، ويحافظون على إمدادات الطاقة الخاصّة بنا، ويؤدّون آلاف المهام الحيوية التي تحافظ على دوران عجلة مجتمعنا بشكلٍ يوميٍ، والّذي دونهم سيفشل في أداء واجباته في ساعاتٍ أو حتى دقائق.
ولكن هل يستطيع مثل هؤلاء النّاس إدارة المجتمع بالفعل؟

هل يمكنهم إدارة البلد؟

هل يمكنهم إدارة العالم؟

اسمحوا لي أن أقول في البداية أنّه إذا كان العاملون في القيادة ويتّخذون القرارات الرئيسية لكان لدينا استجابةٌ مختلفةٌ للغاية للأزمة الحاليّة عن تلك التي قام بها ترامب وجونسون وفرادكار.

لن يكون علينا اللعب بفكرة "إعدام" كبار السنّ أو التّخلي عنهم في دور الرعاية أو التردد في توفير معدات الوقاية الشخصيّة للعاملين في الخطوط الأمامية في مواجهة الفيروس والأقنعة لعامّة السكان. لن يكون لدينا خدمةٌ صحيّةٌ من مستويين حيث يعتمد وصولك إلى العلاج المنقذ للحياة على حجم محفظتك، وما إلى ذلك.

بالطبع ما أتحدّث عنه هو فكرة أن تدير الطبقة العاملة المجتمع بشكلٍ جماعيٍ، وليس فردًا أو اثنين من خلفيةٍ عمّاليةٍ. هذا لن يغير طريقة عمل النّظام أكثر من أن يجعل وصول امرأةً لمنصب رئاسة الوزراء بريطانيا أكثر مساواةً أو أن يجعل وصول رئيسٍ أسودٍ الولايات المتّحدة أقل عنصريةً وإمبرياليةً.

للأسف، لا تستطيع الطبقة العاملة إدارة المجتمع من خلال البرلمان. من الواضح أنّه من الجيّد انتخاب ممثّلين برلمانيين اشتراكيين سيقاتلون من أجل مصالح الطبقة العاملة، مثل الأعضاء التشريعيين في تحالف "الأشخاص قبل الربح" أو أعضاء الشين فين أو ثوريو الدايل، ولكن حتّى لو كان لدى هؤلاء الاشتراكيين أغلبيةٌ برلمانيةٌ، فإنّ الطبقة العاملة لن تكون في السلطة.

جميع مراكز القوّة الرئيسيّة في المجتمع -القوات المسلحة والشرطة، والفرع الخاص وبقية أدوات الدولة العميقة، والقضاة وكبار موظّفي الخدمة المدنيّة، وقادة وسائل الإعلام، والمصارف والصناعات الرئيسية -تقع خارج البرلمان و تدار من قبل الأشخاص الّذين يكون ولائهم الأساسي لفئتهم وللنظام الحالي. سيستخدم هؤلاء الناس قواهم ومواردهم لإحباط وتقويض البرلمانيين الاشتراكيين.
لو كان جيريمي كوربين قد فاز في الانتخابات الأخيرة في بريطانيا - والّذي كان سيحتفل به الاشتراكيون - سيظلّ الناس العاملون خارج السلطة، وستتّحد جميع القوى المذكورة أعلاه لمنعه من تنفيذ أي نوعٍ من السياسات الاشتراكية الّتي دافع عنها بصدقٍ، مثلما اجتمعوا فعليًّا لمنع انتخابه.
إذن كيف يمكن للعمال أن يأخذوا سلطةً سياسيةً حقيقيةً؟ بعض التاريخ مفيدٌ هنا.

كومونة باريس

كانت المرّة الأولى الّتي شغل فيها العمّال السلطة السياسية في كومونة باريس عام 1871. في 18 آذار من ذلك العام اندلعت انتفاضةٌ قام بها عمّال باريس الّذين انتصروا على الجنود الّذين أرسلوا لتحطيمهم، وساروا من معاقلهم في تلال مونمارتر وبيلفيل للاستيلاء على قاعة المدينة حيث أعلنوا كوميونة باريس.

استمرّت الكومونة 74 يومًا فقط حتى الأسبوع الأخير من أيار، عندما سحقتها القوّات المسلّحة لرد الفعل في ( la semaine sanglante"الأسبوع الدموي") مما أدّى إلى مقتل 30.000 عاملٍ في الشوارع. ولكن حتى في تلك الفترة القصيرة المحاصرة من الوقت قامت الكومونة بالعديد من الأشياء التقدمية، مثل فصل الكنيسة عن الدولة وتأميم ورش العمل المهجورة. والأهم أنّها تركت نموذجًا لكيفية تشغيل وإدارة قوّة العمال.

المرجع الكلاسيكي للكومونة هو "الحرب الأهلية في فرنسا"، والّذي كتبه كارل ماركس في ذلك الوقت، حيث حدّد ماركس ثلاثة دروسٍ رئيسيةٍ يمكن تعلّمها من كيفية تنظيم الكومونة. أولاً: كما يقول أثبتت الكوميونة أنّ "الطبقة العاملة لا يمكنها ببساطةٍ أن تمسك بآلية الدولة الجاهزة وأن تستخدمها لأغراضها الخاصة".

هذا مهمٌ للغاية لأنّ إرساء آلية الدولة القائمة (من خلال الانتخابات البرلمانية) هو بالضّبط ما تحاول الغالبية العظمى من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والإصلاحية القيام به منذ مائة عامٍ أو أكثر، مع نتائج بائسة. بدلاً من ذلك يجادل ماركس، ويشرح لينين الحجة في "الدولة والثورة"، أنّ من الضروريّ للطبقة العاملة تفكيك جهاز الدولة القائم وخلق دولةٍ جديدةٍ خاصةٍ بها.

كان الدّرس الثاني الذي رسمه ماركس هو أهميّة كون الممثّلين المنتخبين قابلين للإستبدال. في البرلمانات الرأسمالية، لا يمكن استبدال هؤلاء إلا في انتخاباتٍ عامةٍ كل خمس سنواتٍ، حسب تقدير الحكومة.

في هذه الأثناء يظلّ النّاخبون أفراداً ذرّيين لا يجتمعون أبداً كمجموعة. ونتيجةً لذلك يمكن للسياسيين تقديم وعودٍ انتخابيةٍ وكسرها دون عقاب. لكن في دولةٍ جديدةٍ يمكن انتخاب ممثّلي الدولة العمّالية من نوع الكومونات كمندوبين من التجمّعات مثل أماكن العمل، ومجتمعات الطبقة العاملة والجمعيّات، وسوف يتمكن هؤلاء من الاجتماع واستدعاء مندوبيهم إذا توقّفوا عن تمثيل إرادة أولئك الذين انتخبوهم. .

فكّر في الفرق الذي كان سيحدثه هذا في أيرلندا مع أمثال فاين غايل وحزب العمّال بعد انتخابات 2011، عندما عادوا على الفور عن جميع تعهّداتهم الانتخابية.

الدّرس الثالث هو أنّ جميع الممثلين ومسؤولي الدولة يجب أن يحصلوا على أجرٍ عمّاليٍ متوسطٍ​​. وذلك لمنع السياسيين والمسؤولين من أن يصبحوا طبقةً متميزةً عن الطبقة العاملة الّتي يمثّلونها.

هذا المبدأ المستمدّ مباشرةً من الكومونة منذ 150 عامًا، لا يزال ساريًا على اليسار الاشتراكي في أيرلندا وأماكن أخرى، بحيث لا يستحقّ أمثال جيري كارول عضو الجمعيّة التشريعيّة و بقية أعضاء التحالف سوى متوسّط ​​الأجر.

يجب أن يضاف إلى ذلك أنّ كومونة باريس لم تكن لمرة واحدة. فعندما سعى العاملون لتحدي أو الإطاحة بالرأسمالية تمت استعادت أمثولتها.

القوّة الاقتصاديّة

المثال الأكثر شهرةً هو السوفييت الّذين استولوا على السلطة في الثورة الروسية. بدأ "السوفييت" -مجالس العمّال والجّنود والبحّارة- في بتروغراد قبل أن تنتشر في جميع أنحاء البلاد لتصبح الأساس لحكومة لينين الثورية في تشرين أول 1917.

تمّ تشكيل مجالس عماليةٍ مماثلةٍ في الثورة الألمانية عام 1919 وفي إيطاليا خلال احتلال المصانع "للسنتين الأحمرتين" في 1919-1920. ظهروا مرةً أخرى في تشيلي في عام 1972 على شكل روابط صناعيةٍ أو في الثّورة الإيرانية عام 1979 كمجالس شورى وكان هناك تحركاتٌ في هذا الاتّجاه في الثورة المصرية عام 2011.

النقطة هي أنّ هذه الأشكال من التنظيم يمكن أن تنمو عضويًا من الحاجة إلى تنسيق نضالاتٍ واسعة النّطاق مثل الإضرابات الجماهيرية واحتلال أماكن العمل ثمّ الاستمرار لتصبح جوهر السلطة السياسيّة للعمال.

ولكن هذه ليست القصة كلّها. لإدارة العاملين في المجتمع لا يحتاجون إلى السلطة السياسيّة فحسب، بل إلى القوّة الاقتصاديّة. بدون القوّة الاقتصاديّة فإنّ أي شيءٍ تحاول الدولة/الحكومة العماليّة القيام به سوف يتم تقويضه.

لتحقيق القوّة الاقتصاديّة للعمال، سيتعيّن على الدولة العماليّة أن تحوّل البنوك الكبرى والشركات إلى الملكيّة العامّة - ليس كل متجرٍ في زاويةٍ يتم تأميمه بل الصناعات والخدمات الرئيسية. بعد ذلك يجب أن يتمّ تشغيلها تحت سيطرة العمال، وليس من قبل نفس البيروقراطيين الموالين للرأسمالية الّذين يديرون شركات الدولة في الوقت الحاضر.

أصر جيمس كونولي على هذه النقطة قبل مائة وعشرين عامًا عندما كتب:

"تعني الاشتراكيّة فوق كل شيءٍ السّيطرة التعاونيّة من قبل عمال آلة الإنتاج؛ بدون هذه السّيطرة التعاونيّة، فإنّ الملكيّة العامّة للدولة ليست اشتراكيةً- إنها رأسماليّة الدولة فقط.

وقد ثبتت صحة هذا القول مرارًا وتكرارًا من خلال أمثلةٍ تتراوح بين روسيا في عهد ستالين إلى الصناعات المؤمّمة القديمة في بريطانيا، و"إدارة الصحّة والسلامة" و"هيئة الإذاعة والتلفزة" في أيرلندا. إنّ سيطرة العمال فقط على الصناعة هي التي ستسمح بإدارةٍ ديمقراطيةٍ للاقتصاد لصالح الشعب.

الخبرة
إنّ الحديث عن مراقبة العمال لا بد أن يثير الاعتراض القائل بأنّ العاملين كقاعدةٍ عامةٍ يفتقرون إلى الخبرة والمعرفة التقنيّة والعلميّة المتخصّصة اللازمة لإدارة الصناعة. الآن صحيحٌ أنّ العديد من الصّناعات تحتاج بالفعل إلى أشخاصٍ ذوي معرفةٍ متخصصةٍ للغاية وليس كل العاملين.

ومن الأمثلة على ذلك صناعة الأدوية التي تتطلب علماءًا مدرّبين تدريباً عالياً وخبراء طبيين لتصنيع واختبار الأدوية واللقاحات الجديدة، ولكنّ الشيء نفسه ينطبق على صناعة النفط والغاز أو أي شركةٍ هندسيةٍ.

هذه ليست حجةً ضد سيطرة العمال. من الخطأ أن نتخيل أنّه في ظلّ الرأسمالية فإنّ الأشخاص الذين يديرون الصناعة والشركات الأخرى هم خبراء علميون أو تقنيون. لا على الاطلاق.

الأشخاص الذين يديرون الشركات الكبرى ليسوا خبراء علميين بل خبراء في الأعمال، خبراء في الإدارة - خبراء في تحقيق أرباحٍ يدفعون للعلماء والمهندسين وما إلى ذلك، للعمل من أجل خدمة الشركة ومساهميها في نشاطهم الأساسي الساعي للتراكم الرأسمالي.

حصلت إيما والمسلي الرئيس التنفيذي لشركة الأدوية الكبرى غلاكسو سميث كلاين "شركة أدويةٍ بريطانيةٍ" وابنة السير روبرت والمسلي وليدي كريستين والمسلي على درجة الماجستير في الكلاسيكيات واللغات الحديثة من أكسفورد. عملت لمدة سبعة عشر عامًا في لوريال في الإدارة العامة والتسويق في باريس ولندن ونيويورك، وفي غلاكسو سميث كلاين كانت متخصّصةً في قيادة حملة ترويج مبيعات الشركة في الأسواق "الناشئة". كما عملت كمدير غير تنفيذي في وول مارت وميكروسوفت. خبيرةٌ بالفعل -ولكن ليس في المستحضرات الصيدلانيّة.

مع وجود دولة عمّالية وملكيّةٍ عامّةٍ وسيطرةٍ عمّاليةٍ، ستكون هناك حاجةٌ بالتأكيد إلى خبراء ومتخصصين، لكنّهم سيعملون لدى الحكومة العمّالية ولجان إدارة العمل في الصّناعة بدلاً من إيما والمسلي وأمثالها في هذا العالم، والمعرفة العلميّة ستكون أن تخدم مصالح العاملين وليس مصالح الربح.

ومع ذلك هناك مشكلةٌ أعمق وأكثر خطورةً -تقف في طريق العمّال الّذين يتحكّمون في الدولة والصناعة- من نقص الخبرة التقنيّة، إنّها انعدام الثّقة. منذ الطفولة المبكرة للطبقة العاملة، يتكيّف النّاس مع ظروف حياتهم ليعتقدوا أنهم غير قادرين على إدارة المجتمع.

أكبر اختلافٍ بين التّربية والتعليم لأمثال ليو فارادكار وبوريس جونسون والأطفال العاديين، بين أولئك الذين يذهبون إلى كلونغويز وود وإيتون وأولئك الذين يذهبون إلى المدرسة الوطنيّة المحليّة، ليس ببساطةٍ أنّ الأول لديهم فصولٌ دراسيةٌ أفضل أو المزيد من التسهيلات ولكن من البداية يتم تربيتهم للقيادة بينما يتم تربية الآخرين للتبعيّة والطّاعة.

يتم تعزيز هذا التكييف في كل منعطفٍ من قبل المجتمع الأوسع ويترك علامةً عميقةً. الحقيقة هي أنّه في معظم الأوقات، لا يعتقد العديد من أفراد الطبقة العاملة أنّ لديهم القدرة على الاتّحاد مع زملائهم وتولي زمام قيادة المجتمع. فكيف يمكن التّغلب على انعدام الثقة هذا؟

النضال
الجواب: من خلال النضال الجماهيري. قد يبدو من الغريب أن تنخرط الطبقة العاملة التي تفتقر إلى الثّقة فجأةً في النضال الجماهيري، ولكن غالبًا ما ينخرط العمال أولاً في النضال الجماعي من أجل أهدافٍ محدودةٍ للغاية يعتقدون أنّهم يمكنهم تحقيقها: زيادة الأجور، إنقاذ وظائفهم، لتوقّف شحنات المياه أو إزالة مسؤولٍ مكروهٍ.

في سياق النضال نحصل على إحساسٍ بقوتنا الجماعيّة، وتتّسع آفاقنا ويرتفع وعينا السياسي.
كمثالٍ دعونا نكثّف تجربة الثورة الروسيّة في أربع جملٍ. في شباط 1917 احتجّ العمّال من أجل الخبز. عندما انضمّ الجنود أدركوا أنّه يمكنهم أيضًا الإطاحة بالقيصر. في عملية الإطاحة بالقيصر شكّلوا مجالس عماليةٍ (السوفيتات). من خلال مجالس العمال أدركوا أنّه يمكنهم إنهاء الحرب والتخلص من الرأسماليّة والاستيلاء على السلطة بأنفسهم.

لقد لخّص ماركس - بعبقريةٍ وبصيرةٍ مميزةٍ - العمليّة برمتها في الإيديولوجية الألمانية:

إذن الثورة أمرٌ ضروريٌ، ليس فقط لأنّ الطبقة الحاكمة لا يمكن الإطاحة بها بأي طريقةٍ أخرى، ولكن لأنّ الطبقة التي ستطيح بها يمكنها فقط، في قلب الثورة، أن تنجح في تخليص نفسها من كلّ الحماقات القديمة لتصبح جاهزةً لإقامة المجتمع الجديد".

معظم النّاس من الطبقة العاملة لا يعتقدون بعد أنّ بإمكانهم تولّي وإدارة المجتمع ولكنّ أقليّةً تفعل ذلك. يجب على هذه الأقليّة اليوم أن تتّحد معًا وتنظم نفسها. إذا فعلت يمكنها عندها أن تلعب دورًا كبيرًا في تقدّم النضال وكسب بقيّة الطبقة العاملة إلى صفوفها.

* ملاحظة: "جون مولينو"هو أكاديمي ومناضل ماركسي ايرلندي - نشر في موقع/ rebelnews