2020-05-10

        خلال حوار صحفي مع "الغارديان"..

اقتصاديون عن الرأسمالية وكوفيد - 19: "هناك بصيص من الأمل"

 *إعداد وترجمة مارك مجدي  

نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية هذا الحوار الهام بين الاقتصاديين اليساريين (ديفيد ماك وليامز، اقتصادي وكاتب صحفي أيرلندي- ويانيس فاروفاكيس، المفكر الاقتصادي ووزير مالية سيريزا اليوناني.

تعليق الرأسمالية... قال ديفيد ماك وليامز في بداية الحوار”من الطبيعي أن نقول الآن أن الرأسمالية في إطار الأزمة الراهنة قد تم تعليقها”. مؤكداً أنها لن تعود إلى الوضع الذي بأي حال من الأحوال. فلقد عادت الدولة, وهذه المرحلة لن تمر مرور الكرام. أكد أن هناك شيئأً واضحاً بالنسبة له: “لا يمكننا العودة إلى الوراء”.

بينما قال يانيس فاروفاكيس” يعجبني تعبيرك: الرأسمالية تم تعليقها. وأضاف ”لقد شهد العالم تعليقاً الرأسمالية قبل ذلك أثناء الحرب العالمية الثانية, مع تطبيق اقتصاد الحرب: اقتصاد موجه لضبط الأسعار. لكن ما نشهده الآن هو ليس تعليق الرأسمالية بالضبط”.

أكد فاروفاكيس علي أن قواعد الرأسمالية قد عُلقت بالفعل فجميع السياسات الحره المقدسة ذهبت, مضيفاً أن التفرقة البراقة بين السياسيات المالية والنقدية انتهت, وفكرة أن الدين العام هو شيء سيء انتهت كذلك. ولكن المؤسسات الرئيسية لبناء علي حسب تعبيره ”اقتصاد حرب بدون حرب” أي التي تعلق و تتجاوز الرأسمالية- وهي لم توضع في مكانها المطلوب”.

 هناك فرق جوهري بين أن نقول نحن ذاهبون إلي الهاوية, فلا نتوقع منك أن تلتزم بالقواعد. وأن نقول أن القواعد نفسها تغيرت, و علينا أن نصنع قواعد جديدة لنتجنب الانهيار الاقتصادي. كل هذا الحديث عن “التخفيف الكمي” الذي تلتزم به بنوك العالم المركزية والبنك المركزي الأوروبي بالأخص, يبقي بعيداً تماماً عن عقلية اقتصاديات الحرب”.

وتابع ماك وليامز الحديث موافقاً ”إنه خطأ تصنيفي تكرر سابقاً في أوروبا. إذا كنت تؤسس سياساتك الاقتصادية علي إرادة البشر الواقعون تحت تأثير الصدمة والمضطرون للاقتراض- وهو المنطق الأساسي في التخقيق الكمي- فلديك مشكلة خطيرة”.
مشيراً إلى أن الصورة الذهنية التي تنطبق علي التخفيف الكمي هو أنبوب ضخ الماء: أنبوب مالي ضخم حيث يتدفق الماء ليوقف الحريق الذي تسببه الأزمة. ولكن الماء الذي يرميه الأنبوب محدود جداً بسبب مروره بصمام صغير يحدد مقدار الماء, وهذا الصمام هو البنوك, صمام يتصرف بمبدأ ”قابلية النشاط التجاري لاقتراض الأموال”. و في لحظة يتحول أنبوب المال إلى قطارة- مضيفاً أن حتي هذه القطارة تعمل لصالح الأثرياء.

وتابع فائلاً” لهذا أتفهم فكرتك, فرغم تعليق القواعد الرأسمالية تبقي البنية التحتية كما هي. ولكن العالم بدأ يتنبه أن هناك بديلاً. المرحلة الثانية التي ستمهد للتفكير لما بعد الرأسمالية, إعادة التفكير في السياسات المالية, إعادة التفكير في الطريقة التي يعمل بها الاقتصاد ولصالح من يعمل- واحتمالية أن نفكر في معاهدة بريتن وودز جديدة- أي اتفاق يغير مسار الاقتصاد العالمي ككل”.

العالم في مفترق طرق

أجاب فاروفاكيس علي سؤال ماك وليامز حول شكل الاقتصاد الأوروبي و العالمي بعد الأزمة قائلاً” نحن نقف في مفترق طرق وسنسلك طريقاً واحداً من طريقين مختلفين تماماً. ولا يمكننا تحديد أي طريق سنسلك بعد. دعني أبدأ بالسيناريو الجيد.

وهو ينطلق من فكرتك عن أفاق لبريتن وودز جديدة- بتمثلها المحدد في الاتحاد الأوربي.فحقيقة أن ألمانيا في نفس الوضع المزري الذي يقف فيه الجميع تعطي بصيصاُ من الأمل”.

وتابع فاروفاكيس “إذا كنا سنحصل علي تضامن قاري بين الدول الأوروبية, فعلي أي شاكلة يجب أن يكون؟ لا يجب أن يكون فيدرالياً, فعلي الرغم من ضرورة وجوده الآن أكثر من أي وقت مضي- فهو مستبعد الحدوث, بسبب عوامل التفرقة التي يفرضها كوفيد-19, أزمة الهجرة وأزمة اليورو التي تفرق بيننا بشدة. فيكمن البديل في استخدام وانتشار مؤسسات الاتحاد الأوروبي بالطريقة التي تعزز الفيدرالية الأوروبية, ويمكننا أن نبدأ في ذلك غداً إذا أردنا, من خلال توفير أموال لدعم جميع من يعانون الفقر, و أن نستثمر في الانتقال نحو اقتصاد يحافظ علي البيئة”.

أكد فاروفاكيس أن هناك بصيص أمل هنا, بسبب الفروق العميقة بين 2020 و2010. في 2010, عندما كانت اليونان وأيرلندا غارقتان في الديون, كان هناك فروقاً كبيرة بين ما تشهده أيرلندا واليونان وما تشهده ألمانيا و هولندا. فاليوم, الآله الصناعية الألمانية معطلة, وهي معطلة من قبل هجمة كورونا. كان قطاعي صناعة السيارات وصناعة الأدوات الصناعية يعانيان من مشاكل كبيرة. وشدد علي أن حقيقة أن ألمانيا تشارك بقية الدول نفس الأوضاع السيئة تعطي الأمل أن الجميع سيتساءل عن ما يجب فعله, وليس كما قالت ألمانيا سابقاً للدول المتعثرة” إنها مشكلتكم, اذهبوا للترويكا”. وكذلك الأمر بالنسبة للعالم, الوضع السيء هو وضع مشترك بين الدول الكبري و الدول النامية, وهو ما سيدفعهم جميعاً لإيجاد الحلول المشتركة.

الفشل سيؤدي إلى موجة فاشية جديدة

أما عن السياريو السيء قال فاروفاكيس “نحن البشر, والأوربيون بالأخص- نحب تضييع الفرص الرائعة لننتهي إلى نتائج وأوضاع بائسة. من المرجح أننا سنواجه نفس العند من قبل نفس الليبراليون المتزمتون, المستمرون في وضع العقبات أمامنا نحو فيدرالية ديمقراطية حقيقية, ونحو تضامن عالمي يغير الوضع الكارثي”.

ورداً علي سؤال ماك وليامز عن تأثير هذه العقبات علي الأعضاء الجنوبيين في الاتحاد الأوروبي مثل إيطاليا, قال فاورفاكيس أن في كل مرة تحدث الأزمة في أوروبا تنخفض معدلات النمو وتغرق إيطاليا في الركود - وبوجود سالفيني متأهباً.

وفي حال فشلت برلين وبروكسل في التحرك نحو السيناريو الجيد, فإيطاليا وكل بلاد أوروبا الأكثر تضرراً ستتحرك مجدداً نحو الفاشية الجديدة”.

هنا ينتهي السيناريو السيء بالنسبة لفاروفاكيس واصفاً الوضع بتأثير الدومينو العملاق الذي سيؤدي لتحلل الاتحاد الأوروبي.

وأكد فاروفاكيس أن الاتحاد الأوروبي لن يتوقف عن الوجود لكنه سيصبح صورياً مثل كومنولث الدول المستقلة الذي نشأ بين جمهوريات الاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية. وهو لا يزال له مكتب في موسكو. السيناريو السلبي إذن هو كومنولث الدول المستقلة”.

وأضاف فاروفاكيس أن هذا الوضع سيجعل من ترامب وبولسانيرو ومودي يرقصون فرحاً.” سننتقل إلى اقتصاد عالمي هوبسي (نسبة إلى توماس هوبس) اقتصاد متوحش لا يقدم شيئأ سوي الفقر لغالبية البشر حتي في أوروبا”.

من يتحمل اللوم؟

قال ماك وليامز :”عندما ولدت في أيرلندا كان الفقر سائداً, ثم ارتفع مستوي المعيشة بفضل المشروع الأوروبي, بفضل الوضع الأوروبي في سلسلة التوريدات العالمية, والسياسة الضريبية التي اجتذبت رأس المال. احساسي أن هذا النموذج قد يتلاشى ومعه العولمة”.

أضاف ماك وليامز أن هناك أصوات سترتفع بأن هذا الفيروس جاء نتيجة العالم الكوسموبوليتان المعولم المفتوح للتنقل بين الدول. وأضاف أن سواء كان هذا صحيحاً أم لا, يبدو أن هناك من سيلوم البشر. “نحن نعرف أن الطاعون أدي إلى نزعة معاداة السامية في أوروبا. سأل الأوروبيون أنفسهم: من نلوم علي ذلك؟” ووجهوا الاتهام للمجتمع اليهودي المنعزل”.

وأشار إلى أن العالم إذا لم يتحرك في إتجاه مختلف, سيصبح بذلك عالماً كريهاً. وقال ”أنا بذلك أوجه نداءاً للعالم أجمع”.

رد فاروفاكيس علي ماك وليامز بأنه يشاركه القلق لكنه تعرض لتحليله بالنقد, فقال ”أشاركك القلق علي المستقبل, لكن علي أن أتحدي التحليل الذي بني عليه. الانفتاح العالمي الذي وصفته أنت كان يصحبه كذلك حظر ومنع شديديين: الحدود الأمريكية المكسيكية المغلقة مقابل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية, حرية الحركة في أوروبا مثال مؤسسة فورتكس لحماية الحدود الأوربية التي تمنع المهاجرين من الدخول إلى أوروبا. أكد أن هذه ليست تناقضات, و لكنها منطق النظام الذي يضع رأس المال فوق البشر و فوق حريتهم”.

وأضاف فاروفاكيس ”إذا فشلنا في الوقوف معاً –أن نجتمع حول بريتن وودز جديدة, وأن نقدم الاستثمارات التي يحتاجها العالم والكوكب بشدة- أخشي أن النظام الرأسمالي سيتعمق في المنطق القاسي اللاإنساني, حيث تزيد سيطرة القطاع المصرفي علي الاقتصاد العالمي, فالمصرفيين بارعون في الحصول علي الأموال في الأزمات”.

وأوضح فاروفاكيس أن الآن هو الوقت المناسب لإعادة التفكير في أشياء كثيرة. وإذا لم نفعل ذلك ستزداد و تكبر الحواجز بيننا: حواجز لن يمر منها سوي المال فقط”.

اقرا ايضاً من تصنيف المقــابــلات