2020-05-10

"حارس القدس"، قداسة المطران جورج/هيلاريون كابوجي   

د. رندة زريق- صباغ

"قال السيّد المسيح عليه السلام: من ضربك على خدّك الأيمن أدر له الأيسر"

كيف نجح المطران كابوجي هذه القامة المسيحية الشاهقة في "مسك العصا من الوسط"؟!

يسعدك كل مرة من جديد مشاهدة عمل درامي يدهشك ويذكرك أنك مشاهد ذكي ومتلقٍ واعٍ ومدرك. يكفيك أن العمل - مسلسلاً كان أو فيلماً – يشعرك بالراحة وبالأمل وأنك أمام إنتاج يستحق وقتك وفكرك ومتابعتك. (حارس القدس) أحد هذه الأعمال في رمضان هذا العام وأظنه الوحيد الذي يتناول سيرة ذاتية لشخصية بهذه القامة الدينية والوطنية.

عوّدنا المخرج باسل الخطيب على الأعمال التي تحترمنا، ولد وترعرع عام 1962 بهولندا، حصل على دبلوم في الإخراج السينمائي والتلفزيوني من موسكو، قدّم كمّاً من المسلسلات السورية المتميزة (يوم بيوم , أيام الغضب، هولاكو، أنا القدس، أبو زيد الهلالي ومسلسل نزار قباني) كما أنّ له باعاً في الاخراج السينمائي (مينة، قيامة مدينة، الرسالة الأخيرة، موكب الإباء، مريم، الأب، سوريون، دمشق– حلب).

مؤلف العمل هو الأستاذ الصحفي والكاتب الكبير حسن.م. يوسف صاحب رصيد متميز من المسلسلات التي تعتبر بصمة هامة في الدراما السورية العربية والثقافة عموماً (أخوة التراب، في حضرة الغياب، المارقون، البحث عن صلاح الدين، سقف العالم، نهاية رجل شجاع) وله العديد من الكتب المميزة.

بناء عليه أعتقد أن سيرة ومسيرة المطران كابوجي وقعت في أيدٍ أمينة من ناحية السيناريو والاخراج كما الأداء، فرشيد عسّاف ممثل قدير له العديد من الأعمال المهمة، بداياته كانت في المسرح الجامعي أوائل السبعينيات، قدّم مجموعة من المسرحيات على خشبة المسرح القومي، شارك في بطولة فيلم (الحدود) إلى جانب الفنان دريد لحام. في التلفزيون شارك بعدد كبير من الأعمال منها: (دائرة النار، الطبيبة، البركان، العبابيد، برع في مسلسلات الفانتازيا مثل الفوارس، الكواسر، صراع الأشاوس، المسلوب، والأعمال التاريخية: البحث عن صلاح الدين، أبناء الرشيد، وراس غليص) وطبعاً فإن تجسيده لشخصيّة المطران الكابوجي الذي كرّس نفسه فداء للمأساة الفلسطينية ستضيف زخماً لرصيده الفني كما لرصيد المؤلف والمخرج

ميادة بسيليس أدت بصوتها القوي أغنية الشارة وهي قصيدة الشاعر يوسف الخطيب وقام بالتلحين الملحن والموسيقي المتميز سمير كويفاتي صاحب الخبرة في مجال شارات المسلسلات والموسيقى التصويرية. كلي ثقة بأمانة العمل ومصداقيته وأننا أمام عمل يستحق المشاهدة والتعلّم لزرع الصفات الراقية وتعاليم السيد المسيح في قلوب ونفوس اولادنا ونفوسنا كي لا ننسى، والحق أقول إنني أتمنى ألّا يخيّب المسلسل ظنّي محوّلاً المطران لأداة دفاع عن هذا النظام أو ذاك.

جورج كابوجي ولد في حلب اّذار 1922، أصبح مطراناً لكنيسة الروم الكاثوليك في القدس عام 1965. عُرف بمواقفه الوطنية المعارضة للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وعمل سراً على دعم المقاومة، اعتقلته سلطات الاحتلال في آب 1974 أثناء محاولته تهريب أسلحة للمقاومة، وحكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن 12 عاماً. أفرج عنه بعد 4 سنوات جرّاء تدخّل الفاتيكان لتحرير رجل بقامته الدينيّة والوطنيّة، أبعد عن فلسطين في تشرين الثاني 1978، وقد أمضى حياته بعد ذلك في المنفى في روما حتى وفاته في اليوم الأول من عام 2017

لم يتنازل سيادة المطران الكابوجي عن مبادئه واستمر بدعم القضية الفلسطينيّة حتى المنتهى، في شباط 2009 كان على متن سفينة الإغاثة (أسطول الحرية) التي كانت تحمل الأمتعة والغداء لأهالي غزة المحاصرين على يد السلطات الإسرائيلية وتم مصادرة كل ما فيها وطرد كل من تواجد هناك إلى لبنان.

بدأت فكرة انتاج المسلسل مباشرة بعد وفاة المطران وبدأ الكاتب حسن.م.يوسف الكتابة اعتماداً على عدة مصادر أهمها كتاب (ذكرياتي بالسجن) للمطران نفسه، ولما تختزنه الذاكرة الوطنية حول المطران إضافة طبعاً لحوارات مع من عايشوا المراحل ولا زالوا على قيد الحياة. شهد المطران كابوجي تفجير فندق الملك داود على يد عصابات صهيونية، كما كان شاهداً على شهداء القدس في حرب حزيران ودفن بيديه 400 شهيداً وقد كان لهذه المأساة أثراً كبيراً على نفسه ومسيرته. استغرق الكاتب أكثر من عام في كتابة هذا النص متحملاً مسئولية هامة تاريخياً، سياسياً ودينياً فهو كاتب لسيرة شاهد فاعلٍ على العصر، يرصد سيرة مناضل من نوع اّخر ليتم المخرج التصوير خلال 120 يوماً، كان للأسبوعين الأخيرين من حياة المطران حصة الأسد خاصة في الحلقات الأولى مع كثير من مشاهد (الفلاش باك) وهو أسلوب محبب للمخرجين كما للمشاهدين

لست بصدد الكتابة عن ما يسمونه "تحرير حلب" الذي احتل المشهد الأول من الحلقة الأولى ولا الكتابة عن دفاع المسلسل من خلال سيادة المطران والشخصيات الأخرى عن النظام الذي استحوذ على الحلقات الأولى، لن أتطرّق حالياً - على الأقل - لقضية (مع النظام أو ضد النظام) فليس هذا موضوعي، ومن الطبيعي أن يؤثّر في نفسي المشهد كثيراً من منطلق الحنين الذي تحدث عنه المطران قائلاً:- "عشت بلبنان والقدس وروما أكثر ما عشت بحلب، بس ما بعرف شو هو الاحساس اللي بسيطر علي لما بتذكر حلب، ما بقدر أوصفه، أنا يا بنتي دمي الأول من ميّة حلب، عظمي ولحمي وروحي من خير حلب".

نعلم جميعاً أنّ تحويل سيرة ذاتيّة لشخصية عظيمة لها مواقف جبّارة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي - غادرتنا قبل ثلاث سنوات فقط - لمسلسل درامي إنما هو عمل ليس بالسهل يتوجب على القائمين عليه توخّي الدقة والشفافية من جهة والنجاح في الاختصار والاختزال من جهة، وذلك أصعب أنواع الفنون، فاستعراض 94 عاما من الأحداث الشخصية والوطنية كما الدينية والسياسية وتكثيفها ب 24 ساعة إنما هو جهد جبار ومتميز، أتمنى فعلاً أن يتناول العمل المحاور المهمة دون اقحام أمور وأهداف أخرى.

في مرحلة صعبة ومركبة كالتي يعيشها العالم العربي من هوان وضعف، من تخبّط وتشتت، من عنصرية وغطرسة، من عنف وجهل، من أمل بربيع تحوّل الى خريف، نحن بأمس الحاجة لأعمال ترفع الهمم وتحيي الانتماء المزروع فينا نحو الهوية والوطن، نحن بأمس الحاجة لقدوة ومثال إن لم ننجح بالاحتذاء بها، فلنسمح لها على الأقل أن تساهم بإحياء ما خبا في نفوسنا من محبّة، اهتمام وإنسانيّة.

لا بد من التّنويه بنهاية الأمر لدور جدة جورج لأمه في بناء شخصيته ودعمه وجعله يتنبه لرسالته في هذه الحياة منذ نعومة أظفاره إذ حدّثته عن نوعيات البشر المنقسمين إلى ثلاث فئات كما ورد في الإنجيل على لسان السيّد المسيح عليه السلام (خراف ضعفاء، ذئاب أشرار والفئة الثالثة فئة الرعاة الصالحين الذين يسعون للخير والوئام، لنشر المحبة وإنصاف المظلومين).

أظنها فرصة لكل منّا لمحاسبة الذات واختيار من نرغب أن نكون فعلاً من جهة، وعلى مساعدة أبنائنا وأحفادنا لإدراك رسالتهم وصياغة أهدافهم على أمل تحقيقها من جهة أخرى.