2020-05-14

شواطئ الأفكار

* فريدة النقاش

هربا من هجوم المسلسلات الرمضانية، وبحثاً عن شيء مختلف أخذت أفتش ـ ذات مساء ـ في القنوات التليفزيونية ـ وإذ بي أقع على حديث لأحد مثقفي الخليج يمتدح فيه إسرائيل كدولة متقدمة، مؤكدا أن العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج وشعوبها قد تجاوزت الصداقة إلى الحميمية، ومؤكدا أيضا أنه لا ينطق باسم نفسه فقط، وإنما هو على ثقة أنه يعبر عن ـ ما سماه ـ الرأي العام الخليجي كله .

حدث ذلك كله بعد أن كان الرجل قد شن هجوما عاصفا على الشعب الفلسطيني، الذي هو ـ من وجهة نظره ـ المسؤول الأول والأخير عن كل ما حل به، وأنه أيضا ـ أي الشعب الفلسطيني يستحق كل ما لحق به من مآسٍ وأهوال، وذلك كله دون أن ترد كلمة ” احتلال ” على لسانه، وكأنه ليس موجودا كآخر احتلال في العالم .

وحين سألته المذيعة عن السياق العام الذي تكونت فيه هذه الأفكار لديه، رد قائلاً أنه كان في السابق متحسماً جداً لقضية فلسطين، وكان يعتقد ـ مثل الجميع ـ أنها قضية العرب المركزية، ولكن حين عاش في أوروبا لمدة طويلة، تعرف على حقائق الصراع، وغير أفكاره القديمة، وانخرط مثله مثل آلاف من شعوب الخليج في تمتين العلاقة مع كل ما هو إسرائيلي ”متحضر” وفقاً لتعبيره، مؤكدا ـ مرة أخرى ـ أن موقفه وأفكاره هذه لا تعبر فحسب عن رأي عام خليجي، وإنما هي تعبر أيضاً عن رأي عام عربي، لأن الشعوب العربية ـ وفي تعبيره، لم تعد تثق بالفلسطينيين، وأن المنادين برفض التطبيع مع إسرائيل لا يرون الواقع العربي الذي تغير بعمق متجهاً إلى حيث يقف هذا المثقف الخليجي السعيد جداً ”بالتحول” الذي حدث له في أوروبا .

وقبل عامين زارنا في حزب التجمع، وفد من أعضاء الكنيست العرب وكان يرأس القائمة العربية ـ ومازال ـ الصديق العزيز ”أيمن عودة” وحكي لنا ” أيمن ” عن أحد لقاءاته مع بنيامين نتنياهو الذي سأله ـ متباهياً ـ وهو يشير إلى خريطة البلدان العربية، من تظن من هؤلاء لا يتحدث إلينا، فرد “أيمن” بسرعة قائلا: إنها الجزائر .

توقعت أنا طويلا ـ حينذاك ـ أمام هذا الرد المؤلم، والذي كشف لي كم أن العرب قاموا ـ بالدفع مقدماً بلغة التجارة ـ قبل أن يحصلوا على حقوقهم بعد أن أطلقوا مبادرتهم التي لخصها شعار ”الأرض مقابل السلام “، فضربت بها إسرائيل عرض الحائط، وانخرطت في إنشاء علاقات ”حميمة” كما يقول المثقف الخليجي، وهي علاقات مع كل بلد عربي على حدة، بعد أن إنفرط عقد الموقف العربي الموحد منذ زمن بعيد، وتفتتت المنطقة لتدخل بلدانها في صراعات وحروب أهلية داخلية لسنوات، ولا تلوح لها نهاية .

وحين كتب المفكر الاشتراكي الراحل الدكتور ”فوزي منصو ” كتابه التأسيسي ”خروج العرب من التاريخ” توقف طويلا أمام أحد الأسباب الرئيسية لهذا الخروج، ألا وهو التطور اللامتكافئ الذي عرفه الوطن العربي حين أصبح جزءاً عضويا من النظام الرأسمالي من موقع التبعية وليس موقع التكافؤ أو الندية .

وقد يكون مغريا للمفكرين والكتاب أن يدخلوا في حوار مطول حول أيهما يؤدي للآخر التبعية الاقتصادية أم التبعية الثقافية والفكرية، وقد اعتدنا أن نربط في تحليلنا للمشهدين، المحلي والعالمي، بين تصدير بلدان الغرب المتقدمة صناعيا بضائعها لنا، ورأينا أن البضائع تأتي أيضاً وغالباً بالأفكار .

ومن المفيد جدا لقضايانا أن نتوقف طويلا أمام موقف المثقف الخليجي الذي ذهب إلى أوروبا وهناك غير أفكاره، بل وانتقل إلى الشاطئ الآخر تماما، وأصبح أقرب إلى العداء لقضية التحرر العربي والفلسطيني في القلب منه، ويبين لنا هذا الموقف كيف تمكنت ثقافة الهزيمة من الكثيرين وشعارها الأساسي، أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان حتى لو كان هذا الشيء ” البديع ” إحتلالا صريحا، وعنصريا، واستعلاء.

وتبرز هنا مسألة مهمة تدعونا لإعادة النظر ألا وهي مفهوم “الرأي العام” وذلك إن شئنا أن نحتكم  حقاً إلى العلم الذي طالما حذرنا من التعميم باعتباره خطأ جسيماً .

وهنا تلوح بقوة فكرة أن أوروبا التي تعلم منها المثقف الخليجي بل والغرب كله ليسا شيئا واحدا، ومن الخطأ أن نعتبر الافكار السائدة لدى قطاع ـ ولو كان كبيرا ـ من أي شعب هي تعبير عن كل ”الرأي العام” وحتى في داخل هذا القطاع نفسه سنجد هناك تباينات .

ففي أوروبا التي تعلم فيها المثقف الخليجي أن إسرائيل هي مجرد دولة متقدمة، بصرف النظر عن أي شيء آخر هناك قطاع من شعوب هذه القارة كما من الشعب الأمريكي يرى في ”إسرائيل” الصفة الأساسية لها كدولة عنصرية توسعية وصنيعة إستعمارية .

والتعلم من أوروبا وأمريكا يخضع للاختيار فعلي أي من شواطئ الأفكار أنت تقف ؟ على شاطئ التبعية للمشروعات الثقافية الاستيطانية العنصرية، أم على شاطئ التحرر والعدالة والمساواة، ؟ وليس الشاطئان سواء، بصرف النظر عن أيهما يشكل الأغلبية، وأيهما يشكل الأقلية، ففي ظل حالة الهزيمة التي يعيشها العرب تتفشى أمراض اليأس والإحباط واستساغة التبعية، ولكن التاريخ يعلمنا، أن الهزيمة لا تدوم، فهل يا ترى نحن نسعى للانتصار على الهزيمة، ونعد العدة لهذا الانتصار.

* كاتبة وصحفية مصرية يسارية