2020-05-21

الأجر والأجر الاجتماعي بين التمييز والعدالة

وجيه الشيح

ارتبط الاجر عامة بالعمل المأجور وباقتصاد السوق المعتمد على العرض والطلب سواء للسلع او الخدمات او حتى العاملين وبالتالي ينظر الى الاجر كأنه شيء مستقل عن العامل وهو المقابل العادل الذي يقدمه راس المال مقابل ما ينتجه العامل من خلال عمله ودون احتساب ما يفيض من قيمة عمله. وهذا ما أطلق عليه اقتصاد السوق. والذي تتبناه السلطة الفلسطينية منذ نشأتها. وأجر العامل هو المقابل الإجمالي الذي يحصل علية العامل وبالمقابل ان يغطي جميع احتياجات حياة العامل وأسرته دون الاخذ في الحسبان اذا كان هذا الاجر يكفي لسد الاحتياجات الأساسية للعامل أم لا.

تقوم بعض الدول في محاولة لتحقيق بعض التوازن المجتمعي بتغطية بعض المتطلبات مثل التأمين الصحي والضمان الاجتماعي لجميع المواطنين كأحد اشكال الحماية الاجتماعية بينما تقوم باقي الدول ومنها فلسطين في الاستغناء عن تقديم الحماية الاجتماعية الضرورية للعامل وأسرته وتعتبر نفسها حامية للوطن بدون تحمل مسؤوليتها الاجتماعية. ومن نافل القول أن تقول الحكومة أنها لا تملك الإمكانيات لان ذلك رد غير مسؤول، فإذا قبلت الحكومة أن تكون مؤتمنه على شعبها فان من واجبها تقديم الدعم لجميع المواطنين وليس الاهتمام بموظفيها فقط وتأمين كل ما يلزم لهم من الحماية الاجتماعية والمستقبلية.

ولذلك يمكن ملاحظة الانتهاكات الصريحة والواضحة لمبدأ المساواة بين المواطنين والذي يكفله الدستور وملحقاته من تشريعات حيث يتم التمييز بين المواطنين (في مخالفة للدستور الذي ينص على عدم التمييز بين المواطنين في جميع الحقوق) من خلال ما سمي بالقطاع الحكومي او العمومي ويتجلى ذلك من خلال حزمة من الحقوق التي تمنح للموظفين الحكوميين بالإضافة الى الاجر والعلاوات بحيث يتم ضمان حياة بعيدة عن العوز والحاجة والفقر المدقع وتضمن لهم الأمان الوظيفي وفرص الترقيات الحق في العطل والأعياد والحماية الاجتماعية بكل ما تشمله من الحماية ضد المرض والعجز والشيخوخة والتقاعد.

ومن ناحية أخرى تقوم الحكومة نفسها بالتمييز بين الموظفين أنفسهم من خلال اختراع ما سمي بالأجر الأساسي والذي لا يصل الى نسبة معينة من الاجر تعتمد على مجموعة من المعايير منها سنوات الخدمة وغيرها والذي يتم بموجبه احتساب الراتب في حالة التوقف عن العمل لأي سبب وطبعا هذا التقسيم لا يشمل الوزراء ومن في حكمهم او أعضاء المجلس التشريعي السابقون بالإضافة الى الفئات العليا من الوظائف باعتبارهم أهم من باقي المواطنين ويتحمل هذا العبء مجموع العاملين من دافعي الضرائب بكل اشكالها المباشر وغير المباشر. ومثلاً قد يعمل المعلم/ة لمدة 40 عاما ولا يصل راتبه التقاعدي الى نصف راتب مواطن أصبح وزيرا لعدة أشهر وهذا التمييز قدم من الدولة ويعني بوضوح ان الوزير الذي عاد الى بيته (وأصبح مواطناً عادياً) بعد عام اهم واعلى من أي (مواطن) موظف استمر في عملة لمدة أربعين عاماً. كيف لهذا المنطق ان يسير الأمور. ولكنه في الحقيقة يسير وبدون أن ترف له او للقانون أي عين. ليأتي الجواب بأن ذلك حصل بحكم القانون. ولكن كيف يمكن لواضع التشريع أن يقر دستوراً يمنع التمييز بين المواطنين ويقدم امتيازات لفئة معينه. يجب ان لا يفهم من ذلك ان من يعمل في الوظائف العليا لا يحق له راتب مناسب ولكن استمرار الامتيازات بعد الخروج من الوظيفة يعد انتهاكا وتمييزا ضد باقي العاملين وعند نفس المشغل (الحكومة). وكلنا رأى مخرجات ومنتجات الفئات العليا من الموظفين والسياسيين والتشريعي ومن في حكمهم الى أين اوصلونا سياسيا واقتصاديا واجتماعياً.

وأما الاجر بالنسبة للعامل في القطاع الخاص فلا يذهب للعامل مباشرة بل هناك تقسيمات مختلفة للأجر فمنها ما يذهب مباشرة الى الضرائب والتي يجب ان تعود على العامل وأسرته بالفائدة في النهاية. فإذا افترضنا ان العامل يدفع ما مجموعة 100 شيكل شهريا للضرائب المختلفة فكيف يتم تقسيم المبلغ في موازنة الحكومة. وما هي النسب التي قد تذهب للتعليم العام، الصحة العامة (وليس المقصود التامين الصحي او العلاج) والأمن والقضايا الاجتماعية في الوقت الذي يكوم مطلوباً من العامل نفسه دفع بدل التامين الصحي وضريبة القيمة المضافة على جميع السلع والخدمات التي يشتريها، وطبعا من الاجر المتبقي بعد دفع ضريبة الدخل.

وطبعا هذا الاجر خاضع للعرض والطلب والذي يعتمد بالأساس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وماهية السياسات التي تتبناها الحكومة، وفي اقتصاد السوق لا ترغب ولا تريد الدولة ان يكون عليها التزامات اجتماعية للمواطنين وتكتفي بوضع الضوابط والتشريعات التي تحاكي العلاقات السوقية بغض النظر عن النتائج الاجتماعية التي قد تصل اليها الأمور من تدني مستوى المعيشة وغيرها.

وماذا تبقى للدولة لتقوم به اذا كنا سندفع كل ذلك من الأجور بدون أي التزام من الحكومة في حال توقف الدخل وتوقف العامل عن العمل لأي سبب كان،

طبعا سيقدم منظري هذا الاقتصاد مبرراتهم في ذلك ومنها انهم لا يريدون دولة اشتراكية أوكأن الحماية الاجتماعية للمواطنين مصيبة وتحمل الدولة نفقات إضافية وطبعا تغضب المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد وغيره.

وفي تجربة العديد من الدول فإنها تقوم بما يسمى الاجر الاجتماعي والذي يقدم كحق للمواطن باعتباره مواطناً وليس باعتباره عاملاً وهو ما يطلق عليه الدخل الكافي للعيش والذي يعتمد على مفهوم المواطنة وليس العمل. وهذا يتضمن الرعاية الصحية وضمان دخل أساسي للحد الأدنى للمعيشة تقوم الدولة بضمانه لكل مواطن غير قادر على الحصول الحد الأدنى للمعيشة. ويتم ذلك من خلال تشريعات تصدرها الدولة لتحافظ على حياة كريمة للمواطن.

وأخيراً فان جميع دول العالم تعاني من قلة الموارد وعدم الكفاية ولكن التحدي الأساسي كيف يمكن أن توضع السياسات الواقعية التي تعيد توزيع الانفاق الحكومي بشكل عادل وبدون تمييز بين المواطنين وكذلك اتخاذ الإجراءات الضرورية لتوزيع الأعباء بدون تمييز وليس تحميلها الى المواطنين خارج القطاع الحكومي. وفي الحالة الفلسطينية نحن بحاجة الى حكومة جميع المواطنين وليس حكومة موظفي الحكومة لكي يتقدم المجتمع ويتطور.