2020-05-21

صناعة الأصنام

د. حسن مدن

نقلت بعض مواقع التواصل الاجتماعي خبراً عن سجال بين ممثلة معروفة و«ناقد» فني. يبدو أن الأخير انتقد في حديث تلفزي معه أدوار هذه الممثلة في الفترة الأخيرة.

ثارت ثائرة الممثلة فكتبت على أحد حساباتها تقول لو أنها رشته بالمال، لقال قولاً نقيضاً، من واقع تجارب سابقة لها معه، حين أعطته أموالاً مقابل أن يثني على أدوارها ففعل.

لا شأن لنا بالممثلة ولا ب«الناقد». موضوعنا هنا يتصل بما نود أن ندعوه «صناعة النرجسية»، وهو تعبير أوردته في إجابتي عن سؤال استطلاع أجرته صحيفة سعودية قبل شهور، ولو كان ذلك مقتصراً على نجوم السينما أو التلفزيون لهان الأمر، لأننا إزاء الكثير من الأعمال الضعيفة والسطحية، التي لن يقدم أو يؤخر شيئاً أي مديح تناله، مقابل مال أو بدونه، طالما أنها أخفقت في تقديم نفسها للجمهور.

تعاني ثقافتنا عاهة «صنع» الأصنام الثقافية ومن ثم «عبادتها»، بطريقة تجعلها معصومة من النقد والاختلاف معها، حتى لو أتت من الأقوال والأفعال ما يسيء إلى صورة المبدع أو المثقف والدور المناط به في النهوض بمهام تنمية الذائقة الأدبية والفنية.
لا يصحّ أن ننكر أن هناك قامات ثقافية وفكرية صنعت لنفسها اسماً ومنجزاً بعصاميتها ومثابرتها ودأبها، وبانحيازها لكل ما هو نبيل من القيم والأفكار، ولما يَسِم ما تنتجه من أدب أو فكر بالأصالة والعمق، تفرض احترامها بصورة تلقائية دون إملاءات أو ادعاءات أو رشى. هي تحظى بالاحترام دون أن تطلبه أو تسعى إليه، فهو يتحقق من تلقاء ذاته، لأن تلك القامات أهل له.

لكن هناك من يريد أن يضفي على نفسه هالة من القدسية بصورة قسرية ومفتعلة، وهناك من يتبرع للمساعدة في تلبية حاجة هذا البعض بإسباغ ما يرغب في أن يطلق عليه من ألقاب وتسميات مفخمة، لغايات في أنفس من يقومون بذلك. لذا تتفشى في الحياة الثقافية الكثير من مظاهر الزيف والسطحية وغياب المعايير التقييمية الموضوعية.
أحد المداخل المهمة لمواجهة تفشي هذه الظاهرة هو تفعيل حركة النقد والسجال الثقافي والفكري القائم على الصراحة والمكاشفة، لا المجاملة والتملق، فمثل هذا السجال لا يؤدي فقط إلى كشف الزائف في المشهد الثقافي والفكري، وإنما يساعد أيضاً على إثراء وتخصيب حياتنا الثقافية وتطويرها وضخّ المزيد من دماء الحيوية في شرايينها، وهو ما نحن في حاجة ملحة إليه، إزاء شبكة الأسئلة المعقدة التي يواجهها عالمنا العربي عامة، ونحن في بلدان الخليج جزء مهم منه.