2020-05-22

جذور الســنديانــة الحمراء

عبد الرزاق دحنون

كُنتَ شيوعيًا وتبت - سامحكَ الله - فهل أنت بالضرورة على باطل؟ وهل أنا الشيوعي- ما أزال- على حق؟ هل أحدنا محقّ لأن صور ماركس وأنجلز ولينين ما زالت على جدار غرفته، والآخر مخطئ لأنه أزالها عن جدار غرفته؟ أو هل كلانا محقّ وكلانا مخطئ؟ لا أنا ولا أنت نعرف ذلك ولا سوانا. من ينبغي أن نسأل ليعطي القرار الصحيح؟ قد تسأل أحدًا يتفق معك، ولكن مادام يتفق معك كيف يمكنه صوغ القرار؟ وقد تسأل أحدًا يتفق معي ولكن مادام يتفق معي كيف يمكنه صوغ القرار؟

هذه التساؤلات للفيلسوف الصيني "تسوانغ تسي" ابن القرن الرابع قبل ميلاد السيد المسيح، خطرت في بالي وأنا أتسلم أربعة صناديق كرتون كبيرة، ثقيلة، محكمة الإغلاق، بذلت جهدي في نقلها من سيارة رفيقي الشيوعي المتوقفة على زاوية كنيسة الروم الأرثوذكس في مدخل زقاق المسيحيين إلى مكتبتي في رابع الدكاكين على يسار ذلك الزقاق. هذه الصناديق هدية من رفيقي صاحب السيارة بعد أن هجر الشيوعية - أصلحه الله - فتذكّرني في أحد أيام ربيع عام 2014.

شكرًا له على كل حال. وحقيقة أن يكون المرء شيوعيًا لا يتعارض مع كونه مسيحيًا مؤمنًا يُصلّي في الكنيسة، وذلك لا يتعارض مع كونه ينشط في حزب شيوعي، ولا يمنعه من أن يكون صديقًا لعدد كبير من المسلمين، يدخل بيوتهم ويأكل خبزهم. ولعلها نادرة تستحق الذكر أن مصطفى جقمور من أهل مدينة إدلب في الشمال السوري، هو أحد رفاقنا في الحزب الشيوعي السوري ظلَّ لأكثر من ستين عامًا شيوعيًا مؤذّنًا، يؤذّن في الناس، ويُصلّي في المسجد. حالة نادرة لا شك في ذلك، ولكن أي شخص هو عضو في جماعات مختلفة متعددة، ومن دون أن يكون ذلك تناقضًا بأي شكل من الأشكال، وكلٌّ من هذه الهويات الجمعية التي ينتمي إليها هذا الفرد تعطيه هوية اجتماعية تجعله شخصًا مهمًا بالفعل.

فتحتُ ختم الصناديق فبلغ عدد كُتبها أزيد من مئتين. رحتُ أتصفح الكتب على مهل. الوقت أوفر ما عندنا، عكس باقي الأشياء في المدينة، حيث لا غذاء ولا ماء ولا كهرباء ولا هواء ولا دواء، أعان الله الفقراء، لا حول ولا قوة إلا بالله. والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. وجدت المنّ والسلوى في القراءة. وتذكرتُ كم كان المتنبي حكيمًا في قوله: أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ/وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ.

السرج السابح بعيد المنال، يا أبا الطيب، في هذا الزمن الأغبر قليل الأفراس والفرسان والفروسية. ولكنك أنتَ هُنا في حضرة كُتب أئمة الماركسية - اللينينية وشيوخها ومجاهديها.

بعض الناس يظنُّ أنه يعرف طريقه إلى البيت. أؤكد لكم أنني لا أعرف هذا الطريق دائمًا، فكثيرًا ما كنتُ أرتقي السياج بدل الدخول من الباب، لأنك قد تجد الحكمة في طبعة كتاب رثِّ مُغبرِّ مغمور ممزق مدفوع بالأبواب أكثر مما تجدها في كتاب أنيق الطباعة مذهَّب الحواشي يرتاح على رفِّ مكتبة فخمة في شارع أنيق. وقد كتب صحافي من جريدة "شيكاغو تريبيون" زار ماركس عام 1878 وأجرى معه لقاء: لا يجري حديث ماركس على غرار واحد، بل يتنوَّع تنوع الكتب على رفوف مكتبته. ويمكن عمومًا أن نحكم على رجل من خلال الكتب التي يقرأها، وهذا ما يمكنكم أن تفعلوه باستنتاجاتكم الخاصة حيث أقول لكم إنَّ نظرة عابرة قد كشفت عن شكسبير وديكنز وموليير وراسين وبيكون وغوته وفولتير، وعن كتب زرقاء إنجليزية وأميركية وفرنسية، وعن أعمال سياسية وفلسفية بالروسية والألمانية والإسبانية والإيطالية.

وجدتُ في الصناديق كنزًا من الكتب، وأول الكنز كُتيِّب "مبادئ الشيوعية" ألَّفه فريدريك أنجلز في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1847 كصيغة أولى لتعريف ما هي الشيوعية. وهي صيغة جميلة على كل حال في أسئلة وأجوبة. يطرح أنجلز السؤال ثمَّ يُجيب. وهي صيغة سهلة وبسيطة ومحببة في التعليم عن طريق الحوار. عرض هذه الصيغة على رفيق دربه كارل ماركس، وكانت أول وثيقة واضحة المعالم عن المفهوم الجديد للعالم الذي تبلور في عقل الشابّين. تمَّتْ صياغة شكل البيان أخيرًا ونُشر تحت عنوان: "البيان الشيوعي" في طبعة خاصة باللغة الألمانية في لندن في شهر شباط/فبراير عام 1848. حينها كان ماركس في الثلاثين، وأنجلز في الثامنة والعشرين من العمر.

ويقول الرفيق خالد بكداش في كتاب الصحفي السوري عماد ندَّاف "خالد بكداش يتحدث" الصادر في طبعته الأولى في دمشق عام 1993 والذي وجدته بين كتب الصناديق وما كنتُ أعلم بوجوده قبل ذلك، لأنني كنت مسافرًا لكسب العيش خارج سورية حين صدر الكتاب. يقول بكداش: قمتُ بترجمة "البيان الشيوعي" من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية عام 1933 على ما أذكر. ويقول "البيان الشيوعي" في إحدى فقراته: إن الشيوعيين قد آن لهم أن يعرضوا أمام العالم بأسره مفهوماتهم وأهدافهم وميولهم، ويدحضوا خرافة شبح الشيوعية ببيان من الحزب نفسه.

وجدتُ كتابًا ضخم الحجم في أزيد من 600 صفحة هو "مراسلات كارل ماركس وفريدريك أنجلز" ترجمه إلى العربية من نسخة إنكليزية الدكتور فؤاد أيوب، صادر في طبعته الأولى في 3000 نسخة عام 1981. ما أهمية هذه المراسلات اليوم؟ قيمة المراسلات عظيمة كما قال لينين، فلا يقف ماركس وأنجلز هُنا أمام القارئ بصورة جريئة فحسب، بقامتيهما المليئتين، بل ينكشف محتوى الماركسية النظري الغني جدًا بأعظم الوضوح. تجدُ في هذه المراسلات جدلًا حيًّا في الفكر الذي يُحاول شقَّ دربه الخاص، والذي سيُصبح بعد قليل علمًا أحمر يخفق في الريح عبر أرجاء الكرة الأرضيَّة.

وكان لطيفًا جدًا أن أجد كتاب "مذكرات عن ماركس وأنجلز" طبعة دار التقدم في موسكو عام 1976، وهذه طبعة نادرة مصوَّرة، فيما أحسب. وفيها تجد ما قاله الصحفي وعالم الاجتماع الشيوعي الفرنسي بول لافارغ زوج لورا ابنة كارل ماركس. حيث كتب في ذكرياته عن حماه:

كان ماركس مدخنًا كبيرًا. قال لي ذات مرَّة: لم يكتب أحد هذا الكم من الكتابة عن المال، وهو لا يملك إلا قليلًا جدًا من المال. وحاصل مال كتاب رأس المال لن يكفي لتسديد ثمن التبغ الذي دخنته وأنا أكتبه. وكان ماركس متلافًا أكثر لأعواد الكبريت، فكثيرًا ما كان يغفل عن غليونه أو سيكاره في أثناء عمله، فكان يقتضي ذلك إعادة اشعالهما مرة بعد مرة، فكان يُفرغ علب الكبريت بسرعة لا تُصدَّق. لم يقصر ماركس نشاطه على البلاد التي رأى فيها نور الحياة، فقد كان يقول: أنا مواطن عالمي، وإنني أعمل حيث أكون. كان ماركس لا يكلُّ ولا يتعب من العمل. ولكن لم تكن لديه امكانيات لتجهيز عدة مكاتب للعمل. فلكي يستريح كان يقطع الغرفة جيئة وذهابًا من الباب إلى النافذة. إن أثر مشيته ظاهر على السجادة حتى بدا عليها خطًا واضحًا وضوح الدرب في البريَّة.

يتابع بول لافارغ القول:

كان ماركس قارئًا كبيرًا للروايات. فكان يقرأ أحيانًا روايتين أو ثلاثًا معًا. فيتنقل من واحدة إلى أخرى. وكان يبدي حبًا خاصًا لقصص المغامرات والحكايات المسليَّة. بالنسبة لي ولجميع الذين يعرفون ماركس عن كثب، فإن كتاب "رأس المال" أو أيَّ كتاب من مؤلفاته لا يستطيع أن يكشف كليًا عن عبقريته ومعرفته. لقد كان أسمى من مؤلفاته بكثير. لقد وضعت السيدة ماركس أطفالًا عديدين، إلا أن المنية أخذت ثلاثة منهم وهم في أعوام حياتهم الأولى، وذلك خلال فترة الحرمان التي مرَّت بها الأسرة بعد ثورة 1848 حين لجأت الأسرة إلى لندن.

ينقل كتاب "ذكريات عن ماركس وأنجلز" ما كتبته جيني فون فستالين زوجة كارل ماركس عن تلك الأيام الصعبة في لندن، حيث لا مال ولا عمل. وليس العمل سهلًا في حالة البؤس، وقد أصبحت أسرة ماركس المؤلفة من ستة أفراد أكثر بروليتارية في طابعها إبان تلك السنوات في لندن. لم يكن ماركس يستطيع الخروج في بعض الأحيان لأن ملابسه موجودة في محل الرهونات. حتى الورق الذي يكتب عليه لم يكن موجودًا، كذلك ضرورات الحياة لأسرته.

وخلال الفترة التي عاشها في "دين ستريت" ولدت له طفلة هي فرانشيسكا، ماتت بعد سنة من الفاقة. وقد وصفت زوجة ماركس هذه المأساة في رسالة إلى صديقة في أمريكا تقول فيها: أطفالنا الثلاثة يرقدون على الأرض ونحن جميعًا نبكي الملاك الصغير الذي كان جسده بلا حياة والموجود في الغرفة المجاورة. ولقد حدثت وفاة طفلتنا ونحن في حالة عوز شديد، وأصدقاؤنا الألمان عجزوا عندئذ عن مساعدتنا. وهرولتُ والأسى في قلبي إلى مهاجر فرنسي يسكن ليس بعيدًا عنا، واعتاد أن يحضر لزيارتنا، ورجوته أن يُساعدنا للضرورة المُلحَّة. فأعطاني في الحال جُنيهين بتعاطف أخوي عميق. وقد استخدمت هذا المال في شراء كفن ترقد فيه طفلتي الآن في سلام.

عادت بي هذه الكتب التي كنتً أُخرجها من صناديق الكرتون وأتصفحها على مهل إلى تلك الأيام التي كانت تفوح فيها رائحة القرنفل الأحمر وتُعطِّر فقراء العالم، وإلى ظلِّ "جذور السنديانة الحمراء" كتاب رفيقنا الغالي اللبناني محمد دكروب.

بلا شك كانت تلك الأيام لا تُنسى لعبت فيها دور النشر في الاتحاد السوفياتي دار التقدم ودار رادوغا خاصة دورًا بارزًا ومهمًا في نشر الفكر الماركسي-اللينيني. حيث صدرت آلاف الكتب بهذا الشأن مترجمة إلى اللغة العربية، ولعل من أشهرها مؤلفات لينين في عشرة أجزاء بغلافها الأزرق الغامق، وكتاب "رأس المال" ومختارات من مؤلفات ماركس - أنجلز في أربعة أجزاء بلونها البني المحروق كالقهوة العربية، وقد ضمَّت هذه المختارات بين دفتيها مؤلفات فريدريك أنجلز "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" و"لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية" وفيها كتاب كارل ماركس البديع "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت" ومن الكتب المميزة التي وجدتها في الصناديق وسررتُ بها كثيرًا كتاب الصحفي الأمريكي الشيوعي جون ريد "عشرة أيام هزت العالم" يا لتلك الأيام العظيمة التي هزّت العالم، عندما حاول بلاشفة روسيا بقيادة حكيمهم لينين قلب الدنيا لصالح الفقراء وبناء أول دولة اشتراكية في التاريخ. ورحم الله الشاعر العباسي ابن المعتز القائل: فكانَ ما كانَ مما لستُ أذكرهُ/فظنّ خيرًا ولا تسألْ عن الخبرِ.