2020-05-28

ننشر (الحلقة الربعة) من سلسلة مقالات هامة للباحث والكاتب سعيد مضية، بعنوان (معالم تخلف المجتمع العربي وعوامله).

معالم تخلف المجتمع العربي وعوامله

(الحلقة الرابعة)

سعيد مضية

إهدار سلطة العقل .. تنمية التخلف

تخلف المجتمعات العربية، واقع ليس من شأن التستر عليه إلا أن يفاقم المشاكل الاجتماعية ويضاعف مصاعب الحياة ويغري بالمزيد من هدر الكرامة الوطنية والقومية. فالتخلف يستقوي بالتبعية للامبريالية . اماط باحثون عرب في العلوم الاجتماعية اللثام عن مظاهر التخلف، لكن جرى التعتيم عليها من قبل الثقافة الأبوية وإعلامها، كما تجاهلها التيار العلماني الوطني. فقد مضت القوى الوطنية العلمانية في بيات شتوي ردحا من الزمن وتركت الساحة خالية للأصولية الدينية. تم في الحقيقة تنمية التخلف، واستعيض بالشعوذة بدل المقاربة العلمية للظواهر والأحداث.

لدى التجوال الكاشف في ثنايا التخلف العربي امسك الباحث الماركسي هشام شرابي وكوكبة من الباحثين العرب، وفق أسس المادية الديالكتيكية، بمختلف جونب التخلف العربي المادية والنفسية. اتصفت الثقافة  الأبوية المحدّثة بالتملق في العلم والدين والسياسة؛ ونظرا لطبيعتها اللاعلمية فقد عجزت عن حل أي مشكلة واجهتها. من جانب آخر "بقي النقد العلماني (للأبوية المحدثة) موجها الى البنى الفوقية والأصعدة العليا في حياة المجتمع العربي (فكر ثقافة، تشريع، إيديولوجيا غيبية وصنمية). إلا أن أحدا من هؤلاء لم يقم بنقد الذهنية الدينية الغيبية التي يرفضها، على أساس من المراجعة  العقلانية العلمية المباشرة لنماذج حية ملموسة من إنتاجها ومزاعمها وتفسيراتها للأحداث [1/138].

بلغ الأمر حد إصدار فتوى بالتخلي عن "معاناة" البحث العلمي، تحت غطاء "الإعجاز العلمي في القرآن". عمليا يعني هذا أن" ينتظرالآخر الأوروبي غالبا-الضال، المنحرف على مستوى العقيدة والسلوك- لكي ينتج له المعرفة، فيساعده بذلك على اكتشاف إعجاز النصوص الدينية علميا. هذا الاعتماد على عرق الأغيار، دون إحساس بالخجل، ربما يمتد في بنية هذا الخطاب إلى إحساس بالتفوق... تعويضا عن الإحساس بالدونية والضعف.."[5/145].

في فترة النضال ضد السيطرة المباشرة للامبريالية نهضت جماهير واسعة من سبات القرون المظلمة وراحت تشارك في الحياة السياسية،اكتسبت وعيا سياسيا وثقافة وطنية. شاركت شرائح المثقفين في النضال التحرري، ولدى تشكل الدول المستقلة فقد الكثير من المثقفين ثوريتهم وشغلوا مراكز في الأجهزة الإدارية للنظام الأبوي المستحدث. وفي بلدان عربية تصدرت السلطة السياسية قوى وطنية مناهضة للسيطرة الأجنبية، وضعت برامج التطور الوطني المستقل؛ لكنها انتهجت في الداخل سياسة أبوية فرضت وصاياها على الجماهير وقمعت التوجهات الديمقراطية. بالنتيجة فشلت المشاريع التنموية في تلك البلدان في تحقيق الاستقلال الاقتصادية؛ ونظرا لتغييب الجماهير استطاعت عناصر البرجوازية الصغيرة الاستئثار بالحكم وتحويله مجالا للفساد والإفساد.

لاحظ شرابي "خلال مرحلة النضال لتحقيق الاستقلال لم تتحول أية انتفاضة تقودها الزعامة الوطنية الى حركة جماهيرية دون أن تستلهم الباعث العقائدي للثورة من التراث الإسلامي. ولذلك فإن النضال الوطني ضد المستعمر استمد وحيه وقوته من العرف الأبوي، وليس من العقائد العلمانية. وهذه حقيقة يمكن في ضوئها تفسير عدم إحداث تحول اجتماعي جذري عقب الثورات الوطنية الكبرى خلال نصف القرن الأخير"[1/93]. من حيث الالتفاف الجماهيري يمكن استثناء حركة القومية العربية بقيادة عبد الناصر، فقد فجرت ينابيع الحماس الوطني والقومي لدى أوسع الجماهير العربية. وفي جميع المدن العربية ما بين المحيط والخليج كانت المحلات- وأصحابها يشكلون قوام البرجوازية الصغيرة- تقفل مساء اليوم المقرر لإلقاء خطاب عبد الناصر ويسارع الجميع للإصغاء لكلام القائد القومي عبر المذياع. غير أن الحماس للناصرية لم يردف بإدراك عقلاني لملابسات النضال التحرري ولدور الجماهير الحيوي في إنجاز التحرر الوطني والاجتماعي.

بالنتيجة تواصل الارتباط السُري بالعصر الوسيط ونظامه الأبوي، فبقي الوعي الاجتماعي قابلا للتجاوب مع خطاب الأصولية المسفّه للوعي العلمي. عبر تتالي القرون عطلت سياسات الاستبداد الطاقة الذهنية وكل الطاقات الحيوية في الفرد والجماعة عن الفعل، وأحلت البلادة والخضوع. هدرت التفكير والإرادة لدى الغالبية الساحقة من الجماهير الشعبية. قوضت نظم الاستبداد الأبوية إنسانية البشر وهدرت طاقتهم الحيوية الإبداعية. هذا الإرث سهل على الأصولية تمرير دعوتها الدينية وقلب المفاهيم السائدة والاستحواذ على وعي الجماهير. تحجّم الخطاب العقلاني تحت ضربات تهمة الإلحاد وفقد العلمانيون نفوذهم بين الجماهير، خاصة إثر هزيمة حزيران التي جيرت مسئوليتها على التيار العلماني العربي بأجمعه. قبِل التيار العلماني، اليساريون والناصريون، تحمل المسئولية، طووا رايات النضال، وانطووا في بيات شتوي.

"ما ان كانت نهاية عقد السبعينات (من القرن الماضي) حين بلغت العقيدة العلمانية نهاية مداها، وأصبحت عاجزة سياسيا او هامشية، حتى اتضح وجود خيارين بموازاة الحداثة العلمانية:  الانطوائية  او الأصولية "الأصولية الإسلامية تعد بحلول فورية لكافة القضايا التي عجزت عن حلها الحركات العلمانية والأنظمة القائمة. ومن هذا المنطلق فإن كافة المصاعب التي بدت مستعصية  على الحل تبدو الآن بسيطة ، وأن التغيير في النهاية مسألة حتمية[1/160].

لتناول أولا بزوغ حركة حماس في فلسطين. نؤكد سلفا ان مؤسسي حماس لم يدر بخلدهم أن تستقر أمورهم عند حالة الحصار الراهنة، كما ان الاستراتيجيين في إسرائيل، بكل مهاراتهم ومهارات استراتيجيي الامبريالية التي تنسق معهم، لم يستشرفوا تثبيت عدوانيتهم، بحيث لم تعد حروبهم نزهة وتحفة جمالية،  كما تباهوا من قبل. نقل التيار الديني الصراع مع الصهيونية الى صراع ديني، مضى في البداية ضد اليهودية كديانة. هاجم خالد مشعل "شيوعيي الثورة الفلسطينية هم أول من فرق بين من هو يهودي  ومن هو صهيوني من منطلق مناهج شيوعية كافرة" [4/82]؛ عاد بنفسه واقترف "الكفر"، إذ أعلن في العاصمة القطرية، ضمن توجه جديد، التمييز بين اليهودية والصهيونية كي يدرأ عنه وعن حركته تهمة اللاسامية في محاولة للتقرب من الامبريالية. وورد في البند الرابع من ميثاق حركة حماس "تحرير فلسطين قضية دينية". رفضت الحركة علمانية منظمة التحرير نظرا لكونها "مناقضة للفكرة الدينية مناقضة تامة، كما أنها جاءت نتيجة للغزو الفكري الغربي" [4/81]. وفي كتابات خالد مشعل، مستوحيا عنفوان الأصولية برسالتها "الخلاصية"، طلب من المسلمين ان يفهموا  "كيف مارس أصحاب الفكر الشيوعي والماركسي دورهم الخياني على أرض فلسطين، وكيف خان البعثيون والناصريون قضية فلسطين، وكيف باعت القومية العربية فلسطين بثمن بخس لليهود، وكيف ان الاتجاه الوطني لن يقدم للقضية أي شيء. إن كثيرا من أصحاب هذه الاتجاهات قد استخدموا قضية فلسطين واستثمروها من أجل نشر أفكارهم الجاهلية الفاسدة" [4/80]. ماذا يختفي خلف هذا القول؟ مؤسسو حماس بيتوا خطف القضية الفلسطينية من أيدي المنظمة؛ لكن ملابسات حركة التاريخ وجهت الأمور نحو شق المقاومة الفلسطينية، وبات الانشقاق عاهة تشوه وجه المقاومة الفلسطينية. تفض بالتدريج التضامن معها. وسوف نتوسع في الموضوع في حلقة خاصة عن العفوية وغياب التفكير الاستراتيجي في المقاومة الفلسطينية.  

هكذا كان دخول الأصولية الحلبة السياسية بمثابة الداء في زجاجة دواء. ناصبت الأصولية جميع إرهاصات الثقافة الوطنية البازغة في مرحلة النهوض الوطني ضد السيطرة الاستعمارية المباشرة. سفهت مفاهيم الوطنية والقومية والديمقراطية، تلك الفرائض المغيبة في الثقافة الأبوية المستحدثة وفي برامج التعليم الأبوية؛ فاقمت  جميع جوانب التخلف في الحياة الاجتماعية، إذ ركزت الهجوم ضد العقلانية وغيبت عمدا إشكاليات التخلف في المجتمعات العربية." يتم التغلب على الإذلال القومي بحذف مفهوم القومية  وإحلاله بالدين (مصدر الهوية)، العالم الإسلامي ليس هو الوطن العربي، ولا يهم إن كانت الأمة مجزأة ومستضعفة والحركة القومية مبعثرة. الفشل والضعف والتجزئة وكافة الأمراض الأخرى لهي عوارض ناجمة عن هجر الدين وعبادة الأصنام القومية  والعلمانية والاشتراكية والليبرالية" [1/161]!!

الاستهانة بمكائد العدو وجبروته وإغفال تحالفاته الدولية عاد بعواقب وخيمة على المقاومة الفلسطينية. "الأصولية تدعو الى التصالح مع الواقع الراهن  والتعايش معه، وتعد بتغيير جذري تطمئن اليه النفوس.. وهنا توجز طبيعة النزعات المتناقضة في جوهر الأصولية البرجوازية المستحدثة. تدعو للمحافظة وللثورة؛ وفي كلتا الحالتين هي قادرة على تعبئة الجماهير بشكل لم يعرفه المجتمع الأبوي المستحدث من قبل [1/159]. تختزل جهودها في الدفاع عن الدين والعودة الى "المنابع الصافية" للفكر الإسلامي  المحفوظة في طيات التاريخ. "ان تناول تاريخ الفكر الإسلامي بوصفه نزاعا حول 'الحقيقة’ يمكن حسمه، هو في الحقيقة نوع من التزييف الأيديولوجي للتاريخ والفكر معا. فتاريخ الفكر ليس إلا تعبيرا  متميزا عن التاريخ الاجتماعي بمعناه العميق، وسيطرة اتجاه فكري بعينه على باقي التيارات الفكرية الأخرى لا يعني ان هذا التيار قد امتلك 'الحقيقة’ وسيطر بها... الصراع في جوهره يدور حول أرض 'الإسلام’ وليس خارج حدوده، بين من يريدون 'إسلاما عصريا’ وبين من يريدون 'أسلمة العصر’. الخلاف ليس حول الإسلام، كما أن العلمانية في نشأتها (الأوروبية) لم تكن مناهضة للمسيحية، بل هو خلاف حول فهم الإسلام، وحول علاقة الدين بالدولة. والعلمانية في نشأتها حركة فكرية ضد التفسيرات الكنسية الحرفية المغلقة للمسيحية ، وضد سيطرتها  وهيمنتها على شئون الدولة  والمجتمع. وإنكار العلاقة التاريخية بين الإسلام والدولة مسألة فكرية خلافية وليست مسألة دينية" [3/35].

تكمن الطبيعة المحافظة في البرجوازية الصغيرة في نزعتها الاستهلاكية وفي دورها الهامشي والعرضي في السياق الإنتاجي؛ قيمها وعلاقاتها الاجتماعية تقليدية، ما يفسر جزئيا تذبذبها العقائدي وتأرجح توجهها الاجتماعي  والسياسي. نظرا للعلاقات الوشيجة بين النظام الأبوي والأصوليات فقد تعزز التعاون المشترك بينهما. تجمع رابطة وثيقة بين العصبية والأصولية، "إنها هوية ولاء وانتماء بدلا من أن تكون هوية بناء وإنجاز" [2/47]. "ما يُهدَر هنا مباشرة هو الوعي والعقل، ومعهما كل معرفة فاعلة أو ذات قدرة تغييرية؛ من هنا تأتي بذرة الاستبداد، وفي هذه التربة والمناخ نجد الظروف المواتية لتفتحها وترعرعها... وتستكمل العصبية بنيتها النفسية الاجتماعية بالتعصب [2/48] . الأصولية تصف الناس تبعا لوجودهم الروحي، وليس على وجودهم الاجتماعي. وعليه فإنها تنسخ مقولتي الطبقة والأمة،  وتحل مكانهما مقولة الجماعة الدينية، او الأخوة الإسلامية [1/160].

الأصوليون يحتكرون تأويل الدين وتفسير المتشابه في الآيات القرآنية. وهم بذلك يرفعون فكرهم لمرتبة النصوص المقدسة؛ يطلقون الأحكام المتجنية بدون حيثيات؛ يتعسفون في شيطنة الخصوم وتنزيه أضرابهم من "السلف الصالح". نجدهم يدافعون عن مراوغات معاوية وكيد عمرو بن العاص بمسوغ أنهما من الصحابة. فهم بذلك يبررون لأنفسهم تذبذب المواقف والإسراف في إباحة المحظور باسم الضرورة. 

من أهم المنطلقات الفكرية للخطاب الأصولي  مبدأ الحاكمية ومبدأ سلطة النص. الأول، مبدأ الحاكمية، "قام عليه فكر أبو الأعلى المودوي وسيد قطب، وهو يعني تحكيم النص، او بعبارة أصبح تحكيم فهم خاص لفئة معينة للنص على حساب العقل، مما ينتهي بالخطاب الديني الى التعارض مع الإسلام حين يتعارض مع أهم أساسياته: العقل والى مدى مفهوم 'الجاهلية’ في هذا الخطاب لكي يشمل كل اتجاهات  التفكير العقلي في الثقافة الإسلامية والى رفض الخلاف والتعددية قديما وحديثا.. ويترتب على طرح مفهوم الحاكمية على هذا النحو إهدار دور العقل ومصادرة الفكر على المستوى العلمي والثقافي وتكريس أشد الأنظمة الاجتماعية والسياسية رجعية وتخلفا. وحينئذ تتحول الحاكمية الى غطاء ايديولوجي للأنظمة السياسية الديكتاتورية  الرجعية، والى تحريم النقاش والمساءلة " [3/44].

والمبدأ الثاني، سلطة النص، حيث اشتطت الأصولية في  تجميد النصوص وتزييفها واتباع الخدع في تأويلها. "مما له دلالة في هذا الصدد ان ندرك ان الخطاب الديني المعاصر، حين يتمسك بالمبدأ الفقهي القديم 'لا اجتهاد فيما فيه نص’ وحين يعيد طرحه وإعلامه دائما في وجه أي محاولة للاجتهاد الحقيقي، إنما يعتمد في الواقع على عملية مخادعة دلالية مغرضة. تتمثل هذه المخادعة في استخدام كلمة "نص"  للدلالة على 'كل’ النصوص الدينية – القرآن الكريم  والأحاديث النبوية- بصرف النظر عن الوضوح والغموض. بعبارة اخرى يخلط الخطاب الديني عن عمد وقصد بين الدلالة القديمة التي استخدمها الفقهاء حين قرروا المبدأ، وبين الدلالة المعاصرة التي تسبق الى وعي المخاطب العادي فيترسخ في الذهن 'تحريم’ الاجتهاد. وإذا أضفنا الى ذلك ان تحديد ما هو 'نص’ لا يحتمل التأويل وفصله عما هو محتمل أمر خلافي  بين الفقهاء والعلماء أدركنا الى أي حد يريد الخطاب الديني ان يحكم الحصار حول النصوص لينفرد 'الكهنوت’ بسلطة التأويل والتفسير" [5/157]. عبر هذا الباب أيضا أدخل الهدر الأصولي لقيمة العقل. "هذه القراءة بكل ما يحيط بها من إعادة ترميز العلاقات، تستهدف في الحقيقة السيطرة على الحاضر اقتصاديا وسياسيا  وفكريا. ولأن المقاومة الفكرية هي المانع الوحيد المتبقي، وهي خندق الحاضر والعصر والتراث فإن الحرب الشرسة ضدها بكل الأسلحة من التلويث  حتى القتل" [3/ 39].

الأصولية ،كما طرحها الشيخ البنا وأتباعه، تطرح نفسها بديلا عن الرأسمالية والاشتراكية ، وعلى انها العقيدة التي تلبي حاجات المجتمع الإسلامي" [1/165]. هذه الفكرة تكمن خلف الشعار المضلل "الإسلام هو الحل"، بينما تضاربت الاجتهادات الفقهية على مر التاريخ، وتباينت كتب التفسير. طرحت الأصولية الدينية منذ البداية عقيدة الولاء والبراء، الولاء لإمام الجماعة والبراء من كل ما هو خارج الحركة. "في سياق الولاء والخضوع لا يمكن تصور فكرة العقد الاجتماعي. خضوع الأفراد يتم لأصحاب الجاه والنفوذ؛ فالقانون ليس في خدمة المجتمع، بل انه حسب تصرف النظام الاجتماعي / السياسي القائم، والعقاب هدفه استعادة حرمة العلاقات الاجتماعية وحمايتها. بدل المعارضة يغدو التآمر والتمرد وسيلة متبعة [1/65].

انتقلت  الأصولية من تيار قوي في الحياة الاجتماعية والسياسية للمجتمع الأبوي الى تيار مهيمن. "لم تنهض الحركة الأصولية على العقيدة الدينية ولم تستلهم المبادئ الدينية ولم تكن على غرار الحركات الكلاسيكية مثل الوهابية او السنوسية او المهدية. في شكلها البرجوازي الصغير ظهرت حركة سياسية، محصلة حقبة تاريخية –اجتماعية تواجه تحديات خارجية وداخلية لا سلطة لها على تذليلها والتغلب عليها... ولإعطاء مقارنة أخرى فإنه يجب التمييز بوضوح بين الحماس الديني العفوي الذي تملك الفلاح الجزائري او السوداني في كفاحه ضد الاستعمار الفرنسي او البريطاني تحت راية الإسلام والوعي الذي تملك احد أفراد حركة الإخوان المسلمين إثر تخرجه من دروسه الثانوية أو الجامعية في دعوته الى الإطاحة بالمجتمع القائم وإحلاله بالمجتمع الجديد... وفي رفعها شعار الكفاح الإسلامي - بغرض تطهير المجتمع وإرساء قواعد الإيمان الحق- فإن الأصولية تبحث عن مخرج من وضع لم يعد محتملا [1/158].

تكتسب عملية الكشف عن التعسف في تفسير النصوص أهمية استثنائية. ذلك أنه يؤسس لوعي علمي بالنصوص."وهذا هو الهم الملح الذي يجب علينا ان نتوجه إليه إنقاذا لوعينا من الانعزال عن حركة التاريخ، والتقوقع داخل أسوار الماضي، الذي مهما بلغ بهاؤه وضياؤه فقد مضى وانتهى".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع:

1- هشام شرابي:البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي.

2- مصطفى حجازي: الإنسان المهدور، ط1- بيروت 2005 .

3- نصر حامد ابو زيد:التفكير في زمن التكفير-سينا للنشر، ط1 - القاهرة 1995 .

4- خالد علي زواوي: مراجعة الخطاب السياسي الإسلامي في فلسطين/ المؤسسة الفلسطينية لدراسات الديمقراطية _رام الله 2012 .

5- نصر حامد أبو زيد: النص، السلطة، الحقيقة الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة - المركز الثقافي العربي/ط2 - الدار البيضاء 1997.

(يتبع.. الحلقة الخامسة)