2020-05-31

ننشر (الحلقة الخامسة) من سلسلة مقالات هامة للباحث والكاتب سعيد مضية، بعنوان (معالم تخلف المجتمع العربي وعوامله).

معالم تخلف المجتمع العربي وعوامله

 (الحلقة الخامسة)

 سعيد مضية

كوارث وانتكاسات حصاد تغييب الوعي العلمي

يرى جمهرة الفقهاء المستنيرين أن كل ما ورد بالقرآن الكريم من أوامر ونواه تعتبر فرائض يتوجب مراعاتها والعمل بمقتضياتها. غير أن بني أمية ارتأوا ان جانب المعاملات بالشريعة يزعزع حكمهم، ولذلك انصاع فقاؤهم للأمر بتغيب بند المعاملات والتركيز على بند العبادات وفرائضها الخمسة.  شطب من فرائض الدين قيم اجتماعية إنسانية أساس هي من مقاصد الشريعة، تحض على التسامح وتنهي عن التعصب المقيت، ومن هذه القيم: العدالة الاجتماعية والعدالة الربانية فالإنسان مؤهل بالعقل، ومحاسب على أفعاله؛ أشاع معاوية الجبرية (لو أراد الله غير هذا - سطوته على الحكم- لفعل!)؛ المجادلة بالتي هي أحسن؛  الدعوة الى التعارف بين الشعوب؛ عدم الإكراه في الدين وإقرار التعددية (ولو شاء ربك آمن من في الأرض جميعا)؛ الاعتراف بالديانات السماوية المغايرة وتقدير أنبيائها والسماح لمعتنقيها بالاستمرار في عقائدهم وشعائرهم.

غيبت قيم التسامح حقبة طويلة من التاريخ العربي - الإسلامي، ليسود في الثقافة العربية - الإسلامية التعصب وربيبته الفرق الطائفية، كل يكفر الآخرين؛ ذلك أن جميع الأنظمة التي تعاقبت على المجتمعات الإسلامية خضعت للنظم الأبوية بشتى تلاوين التعسف والظلم وقمع الرأي الآخر واحتضان العصبيات. تفرع عن التعصب السياسي تعصب في الفكر وتعصب ديني وتعصب اجتماعي حيث سادت علاقات ثابتة للإكراه والجبر داخل البنية الأبوية الهرمية، ثم التعصب الثقافي تعمم الجمود والإقصاء المفضي الى العداوات والفتن. جمح التعصب وأفضى الى الحروب الطائفية. نشأت في العصر الحديث شريحة أمراء الطوائف ممن اغتصبوا لأنفسهم امتيازات باسم الطائفة أو بزعم تمثيلها، أو التنظير لكيانيتها تحت أسماء مختلفة، سواءً كانت أقاليم أو فيدراليات أو كانتونات لا فرق في ذلك؛ فأمراء الطوائف باستطاعتهم إيجاد ما شاءوا من الذرائع والمبررات لإدامة هيمنتهم.

مع شيوع الاستهلاكية ورديفها الفساد الإداري في الأبوية المستحدثة تحولت شرائح الحكم الى برجوازية بيروقراطية، ثبت أنها أكثر فئات الحكم عداء للديمقراطية والتسامح. ومن ثم "اتجه المجتمع الجديد أكثر فأكثر نحو الاستهلاك  بدل الاشتراكية، وانجذب الى المادية الغربية والرأسمالية الاستهلاكية أكثر من انجذابه الى الاشتراكية السوفييتية  او اشتراكية العالم  الثالث، واتبعت القمع السياسي... في سياق الولاء والخضوع لا يمكن تصور فكرة العقد الاجتماعي، خضوع الأفراد يتم لأصحاب الجاه والنفوذ؛ فالقانون ليس في خدمة المجتمع، بل انه حسب تصرف النظام الاجتماعي / السياسي القائم، والعقاب هدفه استعادة حرمة العلاقات الاجتماعية وحمايتها. بدل المعارضة يغدو التآمر والتمرد وسيلة متبعة. [1/65].

في النصف الثاني من القرن العشرين أخذت الجماهير العريضة تكتسب الوعي السياسي وتندمج  في الحياة السياسية متأثرة بالنكبة الفلسطينية وخذلان الأنظمة الأبوية للشعب الفلسطيني. ساهم أيضا في ارتفاع الوعي الشعبي العام اتساع التعليم والخدمة العسكرية وثورة المواصلات والاتصالات. غير ان الأنظمة الأبوية لم تتوقف عند حجب الديمقراطية أو الحرمان من الحقوق؛ بل فرضت علاقة مختلفة تقوم على"اختزال الكيان الإنساني للآخرين إلى مستوى 'الرعية’، التي تعني لغويا القطيع من الأكباش والأغنام. [2 /29] ارتدّت الى "أشكال تشبه السلطنات القديمة، تقوم على سلطة فرد بلا كابح. غدت الأنظمة الاستبدادية قلاعا حصينة بفضل ما توفر لها من وسائل الهيمنة، خاصة نظم الاتصال الجماهيري" [1/ 158].

في هذا السياق أحدثت الليبرالية الجديدة وعولمتها ردة في العالم عن الديمقراطية الليبرالية، شجعت البلدان النامية، ومنها البلدان العربية على التشبث بنظم الاستبداد. المجتمع الأميركي شهد خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين انحسار الديمقراطية، وما زال يضيَق عليها الحصار. اندمج الرأسمال المالي بالسلطة السياسة، وهيمن بواسطة المال السياسي على الهيئات التمثيلية. تراجع التعليم، خاصة التعليم الجامعي، من حيث المضمون، الى وضعية تماثل العالم الثالث.

مهدي عامل، المفكر الشيوعي الراحل، "ميز بين الهيمنة والسيطرة الطبقيتين: الحزب البرجوازي أداة الهيمنة الطبقية، في الوقت الذي يعتبر فيه جهاز الدولة أداة السيطرة الطبقية. سلطة الدولة في خدمة الفئة او الطبقة المهيمنة التي تملكها؛ أما جهاز الدولة فأداة سياسية في خدمة الطبقة المسيطرة او التحالف الطبقي المسيطر. الأحزاب البرجوازية الممثلة للفئات الطبقية تمارس الديمقراطية بصفتها أداة هيمنة طبقية مرتبطة في جوهرها بالجهاز الذي يؤمن للطبقة المسيطرة سيطرتها الطبقية، اعني جهاز الدولة. اما إذا تأزم الوضع بإخفاق الفئة المهيمنة (وهذا ما يجري الآن) في فرض هيمنتها على الفئات الأخرى في داخل الطبقة المسيطرة بما يحقق هذه السيطرة، فإن جهاز الدولة المنوط به الحفاظ على هذه السيطرة يتدخل بصورة مباشرة، ويتراجع دور الأحزاب لصالحه، فيعمل على تعليق الديمقراطية الليبرالية لصالح فرض هيمنة الفئة المهيمنة بالقوة والقمع الفاشي المباشر، بما يضمن تجديد سيطرة الطبقة البرجوازية بوصفها كلا [5/151].

حيال الرثاثة الأبوية كان لابد من ان تنتهي جميع المبادرات السياسية التي أقدمت عليها سلطات الحكم او انجرت اليها، بحكم عفويتها وانفعاليتها، الى الفشل والعجز عن إنجاز المقاصد، رغم ادعاء بعضها بالثورية، وما هي بثورية. لم يبلغ وعيها إدراك أن الثورة تتجلى في إحداث تغيير جذري بالوعي الاجتماعي يحيله وعيا علميا منقّى من آثار هدر القرون، وقائما على إدراك قوانين تطور المجتمع وتحرير العقل من الخرافات والأوهام ومن المزاجية؛ هذا، الى جانب تحرير الإرادة. جميع الأنظمة  جانبت العقلانية واتبعت الشعوذات في إدارتها للحياة الاجتماعية.

الأنظمة الأبوية المستحدثة حكمت مباشرة وبالقهر والإكراه. "كانت هزيمة حزيران الكارثية نتيجة من نتائج غياب الديمقراطية. ولم يكن من قبيل الصدفة انه بعد سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة من كارثة 1967، أقام السادات تحالفا مع الإخوان وحلفائهم الذين أصبح يطلق عليهم اسم 'تيار الإسلام السياسي’، ويبدأ زمن جديد يجمع ما بين الاستبداد السياسي والاتّباع الديني... وازداد الأمر صعوبة خصوصا بعد ان ازداد التيار الاتباعي التقليدي عنفا وتحول عدد من شباب الإخوان الى العنف، واستبدلوا بصفة الدعاة القديمة صفة القضاة التي كانت تعني تكفير المخالفين" [4/6،7] .

التيار الديني"أرجع سر التخلف والانحطاط الى البعد عن الإسلام...وأخفق الخطاب الديني إخفاقا مذهلا في إنتاج وعي علمي بالدين وبالتراث... وجدت السلفية في خطاب النهضة ذاته 'إسلامها’ القديم، كما هو لم يمس"[3/25]. شاب التأويل السلفي للنصوص الكثير من الخلل، حين انتزعوها من سياقها؛ أوّلوا النصوص لكي تتوافق مع طروحاتهم، خاصة السياسية - نظام الحكم بالذات. القرآن بترتيبه الراهن مغاير لتواريخ نزوله، ولذلك " فالنص القرآني منظومة من مجموعة من النصوص التي لا يمكن فهم أي منها إلا من خلال سياقه الخاص، بوصفه نصا.." [3/104]. القرآن يتضمن مستويات دلالية عدة في بنيته تتراوح بين الغموض (المتشابه) والوضوح (المحكم)، وحيال الغامض من النصوص تعددت التأويلات. خلال مائتي عام بعد وفاة الرسول طور علم الكلام - الفقه الأكبر-، فقه اللغة العربية لتأويل الغامض من النص. فتعبير "حكم بين الناس" أوّلَها تيار الإسلام السياسي كمفهوم سياسي، "وفيه إهدار لطبيعة النظام اللغوي للنص، الذي تدور صيغة 'حكم’ في دائرة دلالية تعني الفصل بين الخصوم في مشكلة خلافية جزئية" [3/127]. على كل فالتأويل السلفي للمفهوم يدعم الحكم الأبوي وكل حكم الديكتاتوري.

الاستبداد السياسي للأبوية المستحدثة لم يطرأ عليه تغيير. أسفر هدر الإنسان عن هدر الموارد والثروات، "ويكمل السلسلة هدر المؤسسات التي تجير لخدمة مكاسب ونفوذ السلطات والعصبيات (أو بالأحرى السلطات العصبية) على اختلافها... وتكون النتيجة إحكام الحصار على الإنسان وهدره. ذلك أنه حين يتم هدر المؤسسات والثروات يتم الاستفراد بالإنسان وكيانه من خلال تجريده من كل مرجعيات القوة والمنعة والحقوق، ولا مكان عند هذا الحد للتنمية والإنماء [2/28]. "بهذا تغدو الديمقراطية في واقع الأمر لغوا فاقد المضمون ووسيلة تحايل . ولا عبور إلى الديمقراطية بدون استرداد الإنسان لحقه في إنسانيته ومكانته، ولا ديمقراطية ممكنة إذاً بدون هذا الشرط المسبق المتمثل في القضاء على الهدر الوجودي، واستعادة قيمة الكيان الإنساني وحرمته وأحقيته بالوجود [2/30]. "يمكن القول بجزم أن فشل 'الثورة’ كان نتيجة حتمية؛ فلم يكن بمستطاع البرجوازية الصغيرة أن تتحول الى مواقع الماركسية؛ القيادة العقائدية المتذبذبة غير مؤهلة لإحداث تحول اجتماعي جذري. [1/159] .

لتوضيح قصور هذا التطور المفتقر الى التحديث الحقيقي عقد الباحث مقارنة بين الثقافة المستحدثة وبين التحديث البرجوازي، إذ نقل عن ماركس:"الحداثة أماطت اللثام عن الوهم الديني والسياسي ونجحت الثورة البرجوازية في الكشف عن العلاقات الاجتماعية، وأماطت اللثام عن خيارات وآمال جديدة ".

بعد فشل البرجوازية الصغيرة العلمانية فتحت الأبواب للبرجوازية الصغيرة الدينية، او ما سمي "الإسلام السياسي" كي تجرب حظها. تتماثل أطروحات الإسلام السياسي للدين مع مستوى الوعي الاجتماعي، وحظي لذلك بالانتشار السريع. "استجار النظام الأبوي بالأصولية الدينية، حيث تغلغلت في دوائر التعليم والجمعيات الخيرية في أوساط الجماهير وتمركزت في القضاء، نقلت التدين البدوي الى الحواضر العربية وتصدت للإبداع الفكري و الفني وقمعت حرية البحث الأكاديمي. تمكنت البرجوازية الصغيرة من الظهور على أنها الأوسع والأكثر تأثيرا التي أفرزها المجتمع الأبوي المستحدث حتى الآن؛ فقد أفسح ظهورها لتشكل حركة جماهيرية اتضحت معالمها لأول مرة" [1/157].  

وظف الإخوان المسلمون أموال النفط التي جمعوها أثناء النشاط في كنف دول النفط الخليجية في فتح السوبرماركات؛ فانعشوا بذلك شهوة الاستهلاك، وعطلوا الاقتصاد الإنتاجي؛ وأغلقوا السبل بوجه البحوث العلمية والإنتاج العلمي المحفز للإنتاج الوطني بصفته قوة إنتاجية مباشرة. وهذا النهج يستجيب لمطامع الليبرالية الجديدة في مجالي الاقتصاد والثقافة. يمكن التصور ان من يستهلك السلع المستوردة يتملكه الانبهار بالعقل الذي صنعها ويخالطه إحساس بالدونية الذاتية. في مصر، على سبيل المثال، أثناء حكم الإخوان ركز القطاع الاقتصادي في الحركة على الاستثمار في المشاريع التجارية التي وثقت الروابط الاقتصادية مع الرأسمالية المتقدمة. كان هذا مواصلة لنهج السادات الذي دشن مرحلة الانفتاح على الليبرالية الجديدة ورهن الاقتصاد المصري لمشيئة الاحتكارات عابرة القارات، وجاءت ردته عن النهج الناصري بمثابة تقديم أوراق اعتماد في بلاط الليبرالية الجديدة.

"أحزاب البرجوازية الصغيرة من صنف آخر يختلف وظائفيا بصورة أساسية عن أحزاب البرجوازية المسيطرة. والنقطة الجوهرية هنا هي ان البرجوازية الصغيرة طبقة غير مهيمنة في أساسها، بمعنى إنها لا تحمل في باطنها وتركيبتها الداخلية نمط إنتاج خاصا بها، كما هو الحال لدى البرجوازية والبروليتاريا. لذلك فإن آفاق توليها السلطة السياسية في المراكز الرأسمالية مسدود تماما؛ لكن وصولها الى السلطة وسيطرتها الطبقية واردة تماما في الأطراف الكولونيالية، برغم فضائحية هذه الإمكانية. ولئن كانت هذه الأحزاب تتمتع بنوع من الاستقلالية والفاعلية الثورية في مرحلة ما قبل توليها السلطة، فإنها تفقد استقلاليتها وفاعليتها لحظة وصولها الى السلطة، وتندمج في جهاز الدولة تماما.

وكنتيجة لذلك فإن حكمها يتميز بنمو ديناصوري لجهاز الدولة وجهاز الحزب بصفته جزءًا من جهاز الدولة، وبتهميش دور الحزب تماما بالنسبة لجهاز الدولة، وبممارسة القمع المباشر بصورة متواصلة. يعزو مهدي عامل ذلك كله الى كون البرجوازية الصغيرة طبقة غير مهيمنة. ويقول مهدي بهذا الصدد: "ولا غرابة في الأمر، فعجزها هذا نتيجة منطقية مباشرة لاستحالة كينونتها طبقة مهيمنة. الحزب أداة الهيمنة الطبقية ان استحال وجوده هذا، استحال وجود الحزب، او بطل فعلله، فإن وجد برغم ذلك، كان بالضرورة مسخا من المهد الى اللحد، وفي أحسن الحالات قزما سياسيا وإن عظمت جثته" [5/152]. ذلك هو مآل البرجوازية الصغيرة في كنف النظام الأبوي المستحدث، علمانية أم دينية. "العصبيات التي تشكل أنظمة مغلقة يتعذر عليها التبادل والتداول والمشاركة أخذا وعطاءاً، ومع هذه الحالة يصبح الكيان الوطني مجرد كيان شكلي مهدد بالانفجار في أي لحظة يتغير فيها نظام القوى.

إنه كيان مفتت لا يستطيع النماء لأنه لا يتمتع بالمناعة والحيوية والدينامية. وإذا هدر الوطن فإن مؤسساته ستهدر بدورها، وكذلك طاقات أبنائه وفرصهم، ما عدا القلة المحظية منهم [1/63]. في هذه الحالة يلحق الضرر بالكيان الوطني ذاته، "بما هو إطار جامع يوحد التنوع والاختلاف، ضمن هوية وطنية ومشروع كيان يجد الجميع مكانتهم فيه... وحين لا يتشكل مفهوم الوطن، فإن كيانه ذاته هو الذي سيتهدد، وإذا هدر كيان الوطن من قبل العصبيات الداخلية، فإنه سيسهل على القوى الخارجية السطو عليه وسرقته، سواء بالاحتلال أو بالاستغلال او بهما معا (1/51). والأنظمة التي تفرط بأوطانها، تهدرها وتتركها فريسة للهيمنة الأجنبية لا نستغرب إن هي فرطت بفلسطين وتركتها فريسة. وهذا مجال الحلقة القادمة.               

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع:

1- هشام شرابي: البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي.

2- مصطفى حجازي: الإنسان المهدور ، ط1- بيروت 2005.

3- نصر حامد ابو زيد: النص، السلطة، الحقيقة الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة - المركز الثقافي العربي/ط2 - الدار البيضاء1997.

4- جابر عصفور: تحرير العقل- إصدار المصرية العامة للكتاب - القاهرة 2016.

5- هشام غصيب: نظرية الحزب لدى مهدي عامل- الأعمال الفكرية، الجزء الرابع.                

 (منقول عن كتاب "مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني" ص72).