2020-06-04

ننشر (الحلقة السابعة) من سلسلة مقالات هامة للباحث والكاتب سعيد مضية، بعنوان (معالم تخلف المجتمع العربي وعوامله).

معالم تخلف المجتمع العربي وعوامله

(الحلقة السابعة)

هدر العقل والتفكير والإرادة

سعيد مضية

بؤس الواقع العربي من جميع جوانبه، المتجسد في اعطاب التخلف وفشل محاولات التغيير وانتكاسات الحركات الوطنية وأزمة المقاومة الفلسطينية، كل ذلك وغيره من العلل الاجتماعية حصيلة النظام الأبوي المستحدث. الأبوية مشتقة من سيطرة الأب في الخلية الاجتماعية الصغرى، وهي الأسرة. هو الحاكم بأمره وهو الوحيد  المقدر العارف مصلحة الأبناء. والكثير من العقد النفسية لدى الكبار تعتبر ألغازا مجهولة الأسباب، منشأها تعسف الأب.

قارب هشام شرابي في مؤلفه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، الصادر عام 1973، من منطلق نفسي فلسفي عددا من خطايا تربية الطفل في البيت وفي المدرسة تنمي  لدى الأجيال خصال الوهن واللاعقلانية . والحقيقة ان معظم الكتاب مكرس للتحذير من اضطهاد الطفولة والباقي يوضح مآخذ اضطهاد المرأة، ويشترط إنجاز التحرر الاجتماعي بتحرير الطفل وتحرير المرأة. العقاب الجسدي  والاستهزاء والتخجيل أساليب دارجة في التعامل مع الأطفال.. حيث يعتقد الوالدان والمدرسين أنها لمصلحة الطفل. وهي أساليب ووسائل تربي لدى الطفل الاتكالية والعجز والتهرب.

يغلب ان يحبذ الوالدان الطفل المطيع "العاقل"، فينمو الطفل وتنمو معه عادة الإذعان للسلطة أو لمن هم اعلى مقاما ونفوذا؛ وأسوأ ما يواجهه الطفل هو الصفع على الوجه، فذلك علاوة على الألم تعويد على الإذلال؛ يتربى الطفل على التكتم وازدواجية السلوك، فالعيب هو ما يراه الناس، بمعنى أن لا عيب في ما لا يراه الناس؛ ونظرا للقسوة كثيرا ما يرق قلب الأم وتخفي عن الأب، فينمو لدى الأطفال ميل للتمظهر وإخفاء التصرفات غير المقبولة. وكثير من الأطفال تبدو في الصغر عليهم امارات الذكاء ينطفئون نتيجة التعرض للإكراه او العنف. والأم تتصرف مع الأبناء انطلاقا من القهر الممارس ضدها؛ ولذلك يخلص شرابي الى أن تحرير المرأة شرط أساس لتحرير المجتمع.

الاستهزاء بالطفل دون دفاع عن نفسه يزرع في نفسه عدم المسئولية عن الأفعال. والتلقين كأسلوب تعليمي يعزز  نزعة الامتثال وتضعف طاقة الإبداع والتجديد؛  كما أن حب المعاشرة ومسايرة الناس "تأدبا" قد تولد لدى الطفل التهرب من المجابهة والنقد وتنمي عادة النميمة، وقد تتطور الأمور الى نزعة العراك؛ قد يسفر الحجر على الأطفال وتقييد حرية الاختيار لديهم أن ينشأ  لدى اليافعين التحلل من المسئولية - 'انا ما بخصني, او "انا ما دخلني’. ولا تجد الهزائم الوطنية أو الكوارث أصداء أسى لدى الشباب، إذ يحصرون أوزار النوائب في الأنظمة. تجد الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة يعبر عنها بالنقد والتهجم الكلاميين؛ بينما الالتزام بالمجتمع هو في حده الأدنى؛ التعليقات على اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي تقتصر على التوصيف ولا تتطرق مطلقا لاقتراح وسائل المواجهة؛ في نظر الباحث "التعليم الأولي، أي الابتدائي يترك أعظم من التعليم الثانوي واللاحق على مستقبل الطفل"، بينما معظم الآباء لا يهتمون بتعليم الابن إلا في المرحلة الجامعية.

تلك القيم السلبية تنغرس في الطفل نتيجة لمعاملة الأم؛ فالأب غافل في معظم الأحيان عن شئون البيت الداخلية ويكلها للزوجة، ولا يتصرف إلا لإنزال العقوبة بالطفل أو لإكراهه على ما لا يريد. يجمل الباحث الاجتماعي النتيجة  العامة للتربية في العالم العربي: ان "المجتمع يقضي أن تحل روح الخضوع محل روح الاقتحام وروح المكر محل روح الشجاعة وروح التراجع محل روح المبادرة,"

وفي تحليل أجراه عالم النفس اللبناني ، علي زيعور، توصل الى ان العائلة الأبوية في المجتمع العربي شديدة الوطأة، والوسائل التربوية لا تعد الطفل لأن يناقش ويقارع، بقدر ما تنمي فيه الالتواء والازدواجية  والاعتماد على الكبير. الأب أداة قمع أساسية قوته ونفوذه يقومان على العقاب. الحالة الأبوية هي في الحقيقة ناحية بنيوية في المجتمع القائم.

أما جان بياجيه، عالم نفس سويسري فيسمي الانصياع القائم على الاحترام الذي يجمع بين العاطفة  والخوف احتراما أحاديا، إذ أنه "علاقة بين قاصر وولي أمره؛ اما الاحترام المتبادل فيولد في الطفل أخلاقية حرية ومساواة وعدالة. الاحترام المتبادل يغلّب العدالة على الطاعة (سن ثماني سنوات) باعتبار العدالة قاعدة سلوك اجتماعية. الاستقلال الذاتي يؤدي بالتأكيد الى احترام القوانين أكثر من احترام التبعية ، وبغياب السلطوية ينهار أساس الطاعة[1/62].

وحمّل عالم النفس الماركسي،  فيلهيلم رانج، العائلة الأبوية وزر تنمية الفرد الخائف أبدا من العقاب والسلطة. في سياق الولاء والخضوع لا يمكن تصور فكرة العقد الاجتماعي. خضوع الأفراد يتم لأصحاب الجاه والنفوذ؛ فالقانون ليس في خدمة المجتمع ، بل انه حسب تصرف النظام الاجتماعي / السياسي القائم، والعقاب هدفه استعادة حرمة العلاقات الاجتماعية وحمايتها. [1/65].

المجتمعات العربية كافة موبوءة باللاعقلانية وكسيحة بالعجز. يدعي البعض ان كل شيء في الوطن العربي معطوب ولم يتبق سوى الثقافة متراس أخير. والحقيقة "ان مأزق  البرجوزايات العربية أنها تبنت ثقافة هجينة قامت على الاحتفاظ بتبعيتها للإمبريالية الثقافية من جهة، والكثير من سمات الثقافة التقليدية السلفية السابقة على الرأسمالية من جهة ثانية، واستيراد بعض مظاهر العلوم والتكنولوجيا من الغرب الرأسمالي استيرادا تبعيا دون محاولة نقدية إبداعية من جهة ثالثة" [1/.74] . وحيث أن التنمية الثقافية تدور صراعا بين القيم  فإن نشر وترويج قيم التحرر الإنساني والتقدم الاجتماعي يبدأ من إشاعة الاحترام المتبادل في البيت والمدرسة، وإعمال العقل في كل ما يواجه الفرد والجماعة. فذلك من شانه ان يؤصل لثقافة عقلانية تسيد الفرد والمجموعة على الواقع وتسخره لما فيه منفعة المجموع. كما أن مكافحة الشعوذة والخرافة والجهل بالوقع المُعاش تتم من خلال البحث الموضوعي وترشيد الممارسة بالفكر. يختصر مفهوم الثقافة بأنها "ما نعيش به وما نعيش من أجله"، توصيف مختصر لكن مدلوله واسع سعة المحيط بلا ضفاف. الثقافة الإنسانية تحول الكائن من مجرد الوجود الطبيعي الى 'الوعي’ بهذا الوجود. وعيا يفصله عن الموجودات الطبيعية الأخرى غير الواعية، ويسمح له بالسيطرة عليها.

إنكار هيمنة الثقافة المتخلفة او التستر عليها يديمها في الحياة الاجتماعية لصالح السيطرة الامبريالية الصهيونية. فهذا التحالف يزعم ان التخلف العربي سمة عرقية ويسقط من اعتباره الطابع الاجتماعي التاريخي للظواهر الاجتماعية، ومنها جوهر الثقافة. الثقافة المتخلفة تحتضن التفكير المتخلف، بخاصتيه المنهجيتين: اضطراب منهجية التفكير، وتتجلى في  اختصار مراحله لدى محاولة حل المعضلات او تنفيذ المهمات سعيا وراء النجاح السريع والسهل، أو التصرف بارتجالية ونزق والتخبط العشوائي. "من السمات البارزة للعقلية المتخلفة أيضا انعدام الدقة والضبط في التصدي للواقع وفي تقدير الأمور والاستهتار" [2/64]. والعقل السلفي يميل الى السمع والطاعة لمن بيده الأمر، سواء المشايخ أو الحكام، وهو بذلك لا يقبل الديمقراطية. تلك هي ثمار التعليم التلقيني.

والخاصية المنهجية الثانية تتجلى في قصور الفكر الجدلي، " يخلق حالة من التصلب الذهني  تجعل الإنسان المتخلف يفتقر الى المرونة، والى القدرة على بحث الأمور من جوانب متعددة  ومنظورات ومستويات شمولية. كما أنها تعطل القدرة على استخدام وسائل مختلفة في حل تناقضات مختلفة ، فتظل أسيرة الجمود في النظرة والمواقف والحلول المطروحة [2/69). وحيث تكره الطبيعة الفراغ يظل الطابع السائد في المجتمع المتخلف لمواجهة الأمور هو طابع تدبير الحال، والانفعالية والفهلوة وإغفال حقائق الواقع، وعدم التبصر والإعداد للمستقبل.  وفي الغالب الأعم يجد الوعي المأزوم ضالته في قدر الفشل يتستر على لاعقلانية السلوك في الحياة، أو يبحث عن عزاء في  خرافة الجبرية تزعم ان كل ما يدور في الحياة مقدر سلفا وقدر لا فكاك منه؛ وقد يتجاوب مع الدعاية التي تهيلها الامبريالية تفسر التخلف العربي (وجميع الشعوب الملونة) سمة عرقية متغلغلة في الجينات، بينما لا تفوت الامبريالية فرصة دون أن تمد التخلف بنسغ الحياة ، وتدعم بكل الوسائل الأنظمة التي تجسد التخلف المستدام ، وتمارس القهر والهدر الاجتماعيين.

يترتب على هذا الوعي البائس فقدان القيمة الذاتية لدى الفرد أو الجماعة، وكذلك تبخيس قيمة الآخرين، فتسقط بذلك مقومات العلاقات الاجتماعية السليمة في المجتمع، ويتأرجح الوجود الاجتماعي بين إذعان مستلب او تمرد جامح مدمر إذا ما انفجر.

القوام الثاني للثقافة الأبوية يكمن في الكثير من سمات الثقافة التقليدية السلفية السابقة على الرأسمالية، أبرز تجلياتها في مقاربة التراث بما فيه الفكر الديني. "والمجتمعات العربية مبرمجة منذ العصر الوسيط. قرون الاستبداد السابقة تركت آثارها المخربة للوعي، ما يؤكد استنتاج فرويد من أن "اللاوعي الثقافي هو ذلك المخزون الثقافي المتوارث الذي يوجه الميول والرؤى ويحدد السلوكات بشكل عفوي. ليس عجبا انتظار الجماهير الفرج على يد بطل يملك السلطة والقوة، بطل منفردا ومتعال يرد لها حقوقها السليبة [1/111].

تتعمد البرمجة بإصرار الأنظمة الأبوية على تضمين مناهج التعليم، والتعليم الديني خاصة، بقيم العصر الوسيط، التي اتكأت عليها داعش في تدبير جرائمها. الداعشية الثقافية شائعة في المدارس الدينية وفي التعليم الأزهري بمصر. رغم الحملات الفكرية  الممهورة بالتحليل العلمي وبالدلالات الوجودية يلاحظ إصرار على إبقاء مخلفات الماضي في الخطاب الديني. ان تسييس الدين يسخره لمقاصد هي نقيض المقاصد العامة للشريعة، تفضي الى إفساد كل من الدين والسياسة.

في العصر الوسيط نشأ حاجز منيع بين الجماهير العريضة  وحاشية الحكم؛ فترسخ ضمن التقاليد الاجتماعية المكانة الاجتماعية المتدنية لسواد الشعب تجد تبريرا لها في التدين السلفي. يمكن بسهولة، باسم الدين، الاستخفاف بالجمهور وإشاعة عدم الثقة بالذات الاجتماعية وبقدرة الناس على الخروج من حالة المهانة وإحداث التغيير. "الفكر العربي - الإسلامي، فكر الأزمات العاصفة، ازدهرت مدارسه وتألق عطاؤه في بؤرة التوتر لحقل التحولات المعتقدية والسياسية والعسكرية والاجتماعية-الاقتصادية والإثنية الثقافية، الكونية المدى والطابع. وعندما أطبق عليه زمان الهدوء غير المنفصل من هولاكو حتى خلفاء وأئمة الباب العالي وفقهاء البلاط  ذبل وخبا، وتحايل على الحياة متطفلا على رواء ذلك العطاء، فأهلكه تفتيتا وتقطيع أوصال –مختصرات حواشي وشروح وتعليقات وتفسير التفسير. مشى مكبا على وجهه الكالح حتى وصل مفترق الطرق ومنحنى الخيار الصعب بعد غزو الوافد الأوروبي؛ فركبته حيرة الازدواجية في مصدر الثقافة، وتشكلت صيغة جديدة للمعضلة القديمة في زمن عاصف مضطرب" [5/84]

الواقع العربي المأزوم يفشي سر ثقافة مأزومة، هي الثقافة الأبوية المستحدثة، او ما يعرف بالثقافة القومية، قوامها الزيف، من نافذتها تطل الجماهير المقهورة على الواقع المعاش وفي إطارها تستهلك الحياة بسأم وخمول. أبرز مظاهر الزيف في الثقافة القومية امتهانها لقضية الوحدة العربية، أو على الأقل لإقامة تضامن حقيقي بين أطرافه؛ الثقافة القومية تحصر الانتماء للقطر ."يتوجب النظر الى الأبوية والامبريالية على أنهما موضوعيا حليفان متآزران يعيقان تقدم أي تغيير اجتماعي وسياسي طبيعي. الوحدة والاشتراكية عدوان لدودان للأبوية والامبريالية. أثر التشويه الذي أحدثته الامبريالية كان أكثر وضوحا في المجال الثقافي، من الوجهة الاجتماعية - السياسية كان لاستعمار الوعي (وكذلك اللاوعي) نفوذ أوسع من الاحتلال العسكري  والهيمنة السياسية في دفع عملية تطور بنية الابوية المستحدثة. الثقافة الأبوية المحدثة فقدت توازنها وانسجامها، واتصفت بالتملق في العلم والدين والسياسة؛ إضافة الى عجزها السياسي وتلكؤها الثقافي  وابتعادها عن الحداثة الأصيلة، أي فقدانها تحرير الذات" [1/35].

دعوة الوحدة القومية ومراعاة البعد القومي في الطروحات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية هي من مبادئ الثقافة الوطنية المتشكلة في الكفاح ضد الاستعمار المباشر. حققت الأبوية نصرا حاسما على القومية العلمانية. لم يؤد الاستقلال الى وحدة قومية  بل الى كيانات أبوية مستحدثة هزيلة لا تملك  واحدتها مؤهلات البقاء والتطور، لم تصمد الأبوية فحسب في خمسينات وستينات القرن الماضي، بل نجحت في إرساء نفسها عراب النظام القطري ومباركة سادته.

التخلف الاجتماعي هو القاعدة التي نشأت عليها العلاقة التبعية للإمبريالية، ومن ثم فالإمبريالية عملت كل ما بوسعها لتغذية التخلف وتأبيده في الحياة العربية. والصهيونية وحكام إسرائيل أيضا استثمروا مظاهر التخلف الاجتماعي في تسعير الفتن والحروب الأهلية، متعاونين في هذا المضمار مع الأنظمة الأبوية؛ ترد الصهيونية ودولة إسرائيل بتغذية إرتجاعية، فتقحم على المجتمعات العربية ثقافة الصهيونية مستمدة من ثقافة الامبريالية، التي من أهدافها "السيطرة على عقول الشعوب المتخلفة وأن يتم التحكم بقيمها التراثية فتفرض عليها الثقافة الاستهلاكية وتسطح وعيها، ويسود فيه التفسخ الخلقي والنفسي والاغتراب عن الواقع الاجتماعي المعاش وتشجع روح الأنانية والمبادرات الفردية القائمة على النهب واستغلال النفوذ والسلطة، وتنعدم الممارسات العقلانية والعمل التنظيمي الناجح وتدب الفوضى والبيروقراطية والفساد" [4/36].

طبيعي ان يركز النشاط الثقافي الصهيوني على الشعب الفلسطيني؛ ان "التشويه الثقافي ليس الأقل خطرا من تلك الأساليب (القهر والاستغلال) لأنه يهدف الى تذويب الشخصية العربية في فلسطين، ومحو تراثها والتبعية الكاملة لشعبها، وفرض الاستتباع الثقافي والإيديولوجي للصهيونية وطمس المعالم التراثية وتشويهها، وتزوير الحقائق التاريخية في البرامج التعليمية المفروضة على السكان العرب، وتشجيع مقولات التصالح الذليل مع إسرائيل..." [4/33]. ولا يبدو لدى الجانب الفلسطيني جهد ثقافي يحصن المقاومة، ناهيك عن التأثير في المجتمع الإسرائيلي. من المؤسف الثقافة اللاإنسانية تتدفق عبر المنابر الإعلامية للأبوية المستحدثة من مطابخ الليبرالية الجديدة، تحمل رسالة تعميق أزمات المجتمع العربي وتأبيد تخلفها، تمضي القوى الوطنية في بيات طويل الأمد. قوى التغيير الاجتماعي، او ما يطلق علية اليسار يضمن تقاريره الدورية تحليلات سياسية واقتصادية ويشير الى الثقافة في بند من التوصيات. البسار لم يتوصل الى تقييم دور الثقافة والتربية في الهيمنة والسيطرة.

نجاح التخريب الثقافي لا يعود الى قدرات الجانب الصهيوني وحده؛ فقد جرى تكييف الأقطار العربية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا لتقبل الغزو الخارجي. الواقع الاجتماعي يقرر طبيعة التعامل والعلاقات بين البشر، ومن ثم يفرز ثقافته. وحسب تحليل الراحل محمود امين العالم: "ان المحنة الثقافية التي نشهدها اليوم في مصر ليست مجرد غزوة صهيونية ثقافية وافدة من الخارج فحسب، بل هي بنية ثقافية ايديولوجية داخلية، أفرزنها وتفرزها الهياكل السياسية والاقتصادية الرجعية التابعة السائدة في مصر اليوم، تكريسا وإعادة إنتاج لهذه الهياكل نفسها. وهذه البنية الثقافية والإيديولوجية المهيمنة هي التي تمهد السبيل لاستقبال الثقافة الامبريالية والصهيونية واستنباتها...الخطر على قيم الثقافة العربية، التي هي تعبير عن قيم الثورة العربية يكمن في كثير من الأوضاع العربية عامة ، بما تشكله من هياكل وأبنية سياسية واقتصادية وثقافية وإيديولوجية تعد صالحة لإفراز واستنبات قيم ومفاهيم هذه الغزوة " [4/120].

في مصر والأقطار العربية كافة هيئت الأسباب للمد السلفي بعد انفتاح نظام السادات على الليبرالية الجديدة. تتطابق النظرة السلفية للاقتصاد مع نهج الليبرالية الجديدة، وفي ظروف هزيمة حزيران امكن للسلفية التفوق على العلمانية والهيمنة على التعليم المدرسي والجامعين ، وكذلك الاستفادة من المال النفطي المتدفق في إنشاء المرافق الصحية والتعليمية وبناء الجوامع في كل حي بالمدن والقرى. بهذه المرافق تقربت من الجمهور المحروم من خدمات الدولة واستطاعت وضعه داخل حجْر عزله عن أفكار التحرر الاجتماعي. تم كل ذلك تحت غطاء الإسلام.

أما التأويل الحقيقي للدين فيمنح قيمة معنوية ومادية للبشر، خلقوا لكي يعيشوا مكرمين. انبرى نصر حامد أبو زيد يدافع عن الإسلام ويبرئه مما ألصقه به السلفيون من أحكام هي مجال تندر الأعداء واستخفافهم. باشر جهوده البحثية وسط ألغام التكفير محاولا إضفاء فهم علمي للنص الديني اتساقا مع كونية الدين الإسلامي ومواكبته للتطور. وقد يبدو غريبا لدى النظرة السطحية ربط الدين بالعلم؛ غير أن الباحث المتمرس رأى بثاقب بصيرته ان "الخطاب الديني، بكل ما يمثله من توجهات أيديولوجية، وما يعبر عنه من مصالح وتوجهات اقتصادية اجتماعية سياسية، هو الذي يسعى لفرض سيطرته وهيمنته على عقل الأمة وثقافتها" [3/131]؛ حقا ما قاله هشام الشرابي حول تأثر الجمهور بالثقافة التقليدية وتجاوبها في نضالها الوطني بدعوات الدين اكثر من تجاوبها مع دعوات العلمانيين. والإسلام السياسي يحظر على غيره الاجتهاد.

"الخطاب الديني المعاصر، حين يتمسك بالمبدأ الفقهي القديم ' لا اجتهاد في ما فيه النص’، وحين يعيد إعلانه وطرحه دائما في وجه اي محاولة للاجتهاد الحقيقي، إنما يعتمد في الواقع على عملية مخادعة دلالية مغرضة، تتمثل هذا المخادعة في استخدام كلمة 'نص’ للدلالة على كل النصوص الدينية –القرآن الكريم والأحاديث النبوية- بصرف النظر عن الوضوح والغموض. وبعبارة أخرى يخلط الخطاب الديني عن عمد وقصد بين الدلالة القديمة التي استخدمها الفقهاء حين قرروا المبدأ، وبين الدلالة المعاصرة التي تسبق الى وعي المخاطب العادي، فيترسخ في الذهن 'تحريم’ الاجتهاد، ان يحكم الحصار حول النصوص وينفرد الكهنوت بسلطة التأويل والتفسير" [3/157]. والعطب الكامن في التأويل المغرض للنصوص ناجم عن مقاربة غير علمية للنصوص؛ تنأى بها عن  المقاصد الأساس للشريعة، ما يسفر عن عزلة المجتمع عن ركب التحضر. "ان الكشف عن ظاهر ة إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني يعد خطوة ضرورية لتأسيس وعي علمي بالنصوص الدينية وبقوانين إنتاجها للدلالة. وهذا هو الهم العام الملح الذي يجب علينا أ ن نتوجه اليه إنقاذا لوعينا العام من الانعزال عن حركة التاريخ والتقوقع داخل أسوار الماضي، الذي مهما بلغ بهاؤه وضياؤه فقد مضى وانتهى [3/91].

وضع القاعدة وانتقل الى التطبيقات  التفصيلية في الحياة الملموسة. تناول مبدأ الحاكمية كمثال. "التركيب 'احكم بينهم’ يحيل دلاليا الى أن الحكم مرتهن بقضية جزئية، هي محل الخلاف، فلا شمولية في الدلالة للحكم بما أنزل الله بالمعنى الذي يبتغاه الخطاب الديني..." [3/131].

يلح أبوزيد على تحكيم العقل في أمور الفقه، وإخضاع النقل للعقل؛ فالعقل هو الأمام وليس مأموما، زود به الإنسان لكي يرشد مسيرته في الأرض. والحياة الاجتماعية محكومة بقوانين موضوعية يتوجب على المنشغلين بالإفتاء  إدراكها من أجل الاسترشاد بها والسيطرة على عملية التطور الاجتماعي وتوجيهها.

"العلمانية في سياقها التاريخي وفي دلالتها الفكرية لا تعادي الدين؛ ولكن بما انها تعتمد على مبادئ كلية مهمة فهي التي تحرر الإنسان حتى من الاضطهاد الديني. من أهم مبادئ الفكر العلماني انه لا سلطان على العقل إلا العقل، ونقصد بذلك العقل كفعالية ونشاط باستمرار، وليس العقل بما هو معقولات ثابتة كما يتوهم الإسلاميون" [1/92] . الحياة الاجتماعية تحكمها القوانين، إن في خمودها او في نهوضها وتوثبها .القوانين الاجتماعية تتعلق بنشاط الإنسان الإرادي وتتكيف شكليا مع مستوى وعي الجماهير وحدة حراكها الاجتماعي.

"ان الفارق بين القانون العلمي- او الحقيقة العلمية في العلوم الطبيعية- وبين الحقيقة في العلوم الإنسانية ليس فارقا بين 'العلم’ و’الإيديولوجيا’، بل هو في الأساس  فارق بين 'حقائق’ تجريبية يمكن التثبت من صدقها او  كذبها بصرف النظر عن المكان والزمان وبين 'الحقيقة’ الثقافية التي تكون صادقة وصحيحة في سياق وضع اجتماعي إنساني محدد بسياق تاريخي متميز [3/ 35]. تختزل هذه الحقيقة في مقولة "الشعار الملموس في الظرف الملموس". حقيقة  تلزم ضرورة إمعان النظر في الواقع للاستدلال على أسئلته واستنباط الأجوبة من الواقع. الفكر الإسلامي، شأن كل فكر، يظل رهن الظروف، معبرا عن مصالح متعينة. الفكر الديني  نشاط بشري، قد يصيب وقد يخطئ، فلا إكراه في الدين. حتى الرسول حددت رسالته في التذكير بلا سيطرة: "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر الغاشية" [:21،22].

الرسول دعا بدعوة الحق بغير إكراه ولا سلطوية دنيوية، ترك للمؤمنين مجال تدبر أمور دنياهم ، فهم ادرى بها؛ وكان يفرق في تدابيره بيمن ما يوحي إليه وما تستدعيه الضرورة العملية، فترك للعقل مجالا يفكر ويشغل حيزا في تسيير أمور البشر. ونظرا لتكرار دعوة القرآن الى التفكر والتعقل والإهابة ب" أولي الألباب"، اعتبر البعض  استعمال العقل إحدى فرائض الدين. يتواءم هذا التقييم مع التزام الثقافة الإنسانية بفلسفة علمية تعين سبل وأساليب حل مشاكل الحاضر من واقع الحاضر، تتحكم في سيرورته بما يمكن البشر من استنباط سبل صناعة المستقبل.

..................................................................................           

1- هشام شرابي: البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي

2- مصطفى حجازي: التخلف الاجتماعي سيكولوجية الإنسان المقهور

3- نصر حامد أبو زيد: النص السلطة الحقيقة الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة

4- مسعود ضاهر: مجابهة الغزو الثقافي الامبريالي الصهيوني للمشرق العربي

5- محمد إبراهيم نقد: في حوار مع النزعات المادية في الفلسفة العربية-الإسلامية