2020-06-07

ننشر (الحلقة الثامنة) من سلسلة مقالات هامة للباحث والكاتب سعيد مضية، بعنوان (معالم تخلف المجتمع العربي وعوامله).

 معالم تخلف المجتمع العربي وعوامله

  (الحلقة الثامنة)

سعيد مضية

التبعية الاقتصادية تفرض تبعية علمية وثقافية

ونصل المعْلم الثالث للثقافة الأبوية المستحدثة في تبعيتها للامبريالية.  

في بدايات القرن العشرين جرى التنبيه من ان استيراد العلوم والآلات لا يحقق تنمية مستقلة ومستدامة، إذ يبقي على التبعية للغرب. الآلات المستوردة تعتبر قديمة بالنسبة لما تحويه مصانع الغرب، وإنتاجيتها لا تنافس مثيلاتها في الغرب. ان استعمال  المعدات والآلات والأجهزة البيتية لا ينعكس في الوعي ثقافة علمية. "القصور موازي  في نقل المعرفة العلمية والتقنية، فعلى الرغم من الاحتكاك بالمعارف الأوروبية بدءًا من عشرينات القرن الماضي(يقصد القرن التاسع عشر)، حين وصلت البعثات الطلابية الى باريس، وبعد قرن ونصف القرن  ما زال الطلاب يتوجهون الى الغرب بحجة علمية للوقوف على طرائق العلوم والمعارف [1/111].

طوال قرن ونصف القرن لم يتحول العالم العربي إلى إنتاج المعرفة بنواميس الطبيعة، استهلاك بدون استيعاب واستهلاك بدون إبداع. بلغ التطفل على جهود الآخرين العلمية حد الزعم بـ"الإعجاز العلمي في القرآن"، يترجم في الواقع انتظار البحوث العلمية لغير المسلمين كي تدل المسلمين على إعجاز علمي بقرآنهم !! العزوف عن إنتاج العلوم والتقاني يعطل تطوير الإنتاج ويفاقم مشكلات البطالة. إن توسيع التعليم بصورة عشوائية وتكثير أعداد الحائزين على الشهادات الجامعية بدون تنسيق مع الاقتصاد، من شانه ان يخلف مشاكل اجتماعية خطيرة. فالمتعلمون العاطلون عن العمل اكثر ميلا للجريمة ممن تسربوا من الدراسة الأولية او الأميين.

تبدأ عملية التحرير بتحرير الفكر، أي التخلص من عبودية الفكر المهيمن، حيث تتمثل كرامة الإنسان في تفعيل دور العقل الذي به يتميز الإنسان عن بقية المخلوقات. استيراد العلوم يعتبر بمثابة عبودية للفكر."إن الأخذ بالنظريات والمفاهيم الواردة من الخارج يتعذر أن يؤدي إلا الى تعزيز التعمية والفوضى اللتين  نعانيهما حاليا. حتى العلم الطبيعي المستورد لا يصبح حقيقيا إلا إذا استوعبه الفكر الذاتي وعبر عنه بأسلوبه الخاص ولغته الخاصة، ليصبح وسيلة مستقلة للمعرفة والإدراك"[4/69]. يندرج هذا على جميع الأفكار والنظريات العلمية، بما فيها الماركسية، ينبغي ان تعاد صياغتها في مفاهيم محلية تجيب على أسئلة الواقع. العلم يوطن حين يدخل في الإنتاج الوطني، يستدعي المزيد من البحوث المفضية الى اكتشافات علمية وابتكار تقنيات جديدة تقرز طبقة عاملة تعاني العلم تصنعه ويصنعها، يحيل مجمل حياتها ممارسة علمية. "التقانة ليست مجرد مجموعة من المهارات الفردية والأجهزة الصماء، وإنما هي بنية علاقات اجتماعية معقدة تفرض تقسيما متطورا ومتناسقا للعمل. وهذا ما لا نجده في الوطن العربي"[2/ 186].

انماط الاقتصاد المتخلفة والتابعة لا تستدعي البحوث العلمية. في جامعات الغرب ومراكز أبحاثه نجد الصناعات أو المصالح تنفق على البحوث العلمية بهدف تطوير الإنتاج وتخفيض الكلفة، او من اجل اختراع منتجات جديدة تسد حاجات المستهلكين، وعلى رأسهم وزارات الحرب. ونشهد في الوقت الراهن سباقا على اختراع دواء يعالج وباء كورونا أو مصل وقاية. والتأثير السلبي لإنفاق المؤسسات الاقتصادية على البحوث العلمية، انها تتدخل في مضامين البحوث العلمية للجامعات، خصوصا في مجال العلوم الإنسانية. وفي حقبة الليبرالية حظرت بقرارات تعسفية على الجامعات أبحاث في الفلسفة والعلوم الإنسانية وخدمات المجتمع تعري جوهر النظام الاقتصادي والاجتماعي لليبرالية الجديدة. "وإذا كانت الأغذية المعلبة والمعاملة كيمائيا، يمكن أن تسبب سرطان المعدة أو الأمعاء، فإن خطر سرطان العقل ماثل من كثرة تناول المعرفة المعلبة، والمجهزة تجهيزا خاصا على طريقة التأويل العلمي للنصوص الدينية. والنتيجة الطبيعية لكل هذا تأبيد الاعتماد الدائم على المنتج الغربي، وتحويل العالم العربي – الإسلامي الى مجرد سوق ومنفذ توزيع، لا تقدم إلا الأيدي العاملة الرخيصة غير المدربة للمستثمرين.هذه التبعية الاقتصادية تكرس التبعية الاجتماعية والسياسية والفكرية على جميع المستويات [2/146،147].

تأثير الامبريالية في مجال الثقافة اشد خطورة من تأثيرها في مجال الاقتصاد. الاستيراد الفكري لم يرشد توجهات التغيير؛ إنما عزز ودعم مرتكزات النظام الأبوي." لم ننتج علما بل علماء، ولا علوما طبية بل أطباء، ولا علم اجتماع بل علماء وهكذا دواليك.  ومع أن خريجي هذه المراكز والمؤسسات التعليمية المحلية كانوا في معظمهم وطنيين في اتجاهاتهم السياسية، إلا أنهم كانوا ثقافيا ونفسيا تحت تأثير الغرب والأكثر تبعية للثقافة الغربية [1/100]. وليس من السهل إدراك كنه الاستعمار الثقافي، كقدرته على تحويل آثاره الى أساليب  وعادات ومواقف وصنائع يصعب التعرف اليها مباشرة على أنها وسائل الهيمنة وأدواتها. وهذه الخاصية تبلغ ذروة التعبير عن نفسها في المجتمع الاستهلاكي [1/96]. وحسب تعبير غرامشي، فإن القهر اللاقسري للاستعمار الثقافي يمكن النظر اليه على أنه السياق الأوسع الذي تنهض فيه ثقافة المستعمِر طامسة ثقافة المستعمَر. انصرفت الأبوية المستحدثة الى التقليد وأقلعت عن النقد، "فحرمت نفسها ومنذ البدء من ابرز فرصة للتطور باتجاه موقف مستقل وواع كان ليمكنها بعد استيعاب صدمة أوروبا من تمهيد السبيل أمام الفهم العلمي [1/119].

بقي الوعي العربي خاملا  أو جامدا وقابعا في مصاف موقف سابق على التفكير العلمي  ومنصرفا الى التمحيص الأدبي العقائدي وقادرا على صياغة النقد الساذج فحسب [1/120]. فعبر القرون استنبتت عادات وأنماط سلوك من شأنها أن تحفظ توازن الفرد أو الجماعة المستلبة؛ غالبا ما تتمظهر بالكسل الذي يبخس العمل المنتج ويشيع الأساليب الملتوية في الإثراء، عبر التقرب من ذوي الحظوة ، فيغدو الكسل دليل وجاهة" [2/179].

يظهر الاستعمار الثقافي في ثقافة الولاء، هي البنية الفوقية التي تسند بنية العصبية. وهي تذهب مباشرة إلى النقيض من ثقافة الإنجاز... نظام السلطة الحقيقي هو نظام وجاهة ومكانة، بدلا من اتخاذ السلطة موقعا للخدمة يحولها إلى وسيلة لتعزيز النفوذ الذاتي ونفوذ العصبية التي ينتمي إليها، والتي كان لها الفضل أساسا بوضعه في هذا المنصب. وتتحول علاقات السلطة داخل المؤسسة، بالتالي إلى علاقات نفوذ بدلا من أن تكون علاقة أداء وظيفي... هكذا تحل علاقات الولاء محل علاقات الأداء... يغدو المنصب وكأنه ملكية خاصة" [1/65]. 

لدى شروع هشام شرابي في تأمل مظاهر العجز في المجتمع العربي من رؤية ماركسية جديدة، خرج في كتابه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي" بنظرة رصدت عقد النقص لدى العرب تجاه الغرب، خاصة بعد هزيمة حزيران: "صرنا ننظر الى الغربي على أنه جبلة أخرى غير التي جبلنا منها نحن أو جبل منها سائر البشر. حتى أصبحنا ننظر الى أنفسنا وإلى مجتمعنا وإلى تاريخنا من خلال نظرة الغرب إلينا ، فكان همنا الأول - عن وعي أو غير وعي - ان نحظى برضاه، تؤكد رغبتنا الخفية في أن نكون مثله لنحظى بقبوله وإعجابه. وهذا الشعور بالنقص هو الذي يدفعنا أيضا في الاتجاه المعاكس، أي الى الطعن في كل ما هو غربي والى التعلق الأعمى بالتراث وبالتقاليد" [المصدر، ص 93].

قارب شرابي من موقعه كأكاديمي في الجامعات الأميركية، الترجمة الأبوية من موقع نقدي، المترجمون الأبويون يعوزهم "الفهم العميق للسياق الحضاري للغة"، أي استيعاب بنياتها الموحدة للتصورات والمقولات والرموز اللغوية. وقدم أبو زيد تفسيرا لما أورده الشرابي:

صاغ المفكرون المسلمون مفهوم "اللغة" بوصفها نظاما من العلامات الاصطلاحية، وجاء العالم السويسري ألفريد دي سوسير في كتابه الهام 'محاضرات في علم اللغة’، فعمق  العلاقة بين 'اللفظ او الدال’ و'المعنى او المدلول’. النتيجة التي توصل إليها دي سوسير أن 'العلاقة’ اللغوية عبارة عن وحدة نفسية مزدوجة يترابط فيها العنصران (المفهوم والصورة السمعية- الإدراك الحسي) ارتباطا وثيقا بحيث يتطلب وجود أحدهما وجود الآخر. لقد صارت العلاقة بين اللغة والعالم محكومة بأفق المفاهيم والتصورات الذهنية الثقافية. أحدث هذا التصور ثورة في علاقات الفكر باللغة وفي طبيعة النظام الرمزي للغة، والفرق بينه وبين الأنظمة الرمزية الأخرى داخل النظام الثقافي نفسه. هذه الثورة الفكرية غائبة تماما عن وعي كل الذين يتوهمون اللغة نظاما ساكنا بسيطا يدل على الأشياء، أو يستدعيها، ويتصورون بالتالي أنها نظام إشاري... اللغة في قلب 'الثقافي’  والثقافي، وإن كان يتجلى في أكثر من مظهر- كالأعراف والتقاليد وأنماط السلوك والاحتفالات والشعائر الدينية والفنون- فاللغة تمثل النظام المركزي الذي يعبر عن كل المظاهر الثقافية... الثقافة ليست قيمة مضافة  يمكن تصور الوجود الإنساني بدونها، ليست مرتبطة بالتعليم، والثقافة ليست نقيضا للجهل؛ إنما الثقافة تعني تحول الكائن من مجرد الوجود الطبيعي الى 'الوعي’ بهذا الوجود. وهو وعي يفصله عن الموجودات الطبيعية الأخرى غير الواعية، ويسمح له بالسيطرة عليها[2/78،79].

الترجمة عن اللغات الأجنبية لا تنفذ الى جوهر الفكر المترجم. مقاربة الفكر الأبوي المستحدث، وكذلك الفكر القومي واليساري للفكر الأوروبي "تقليد غير محكم / وعي صنمي يحول النماذج الثقافية الى أصنام - ترجمات طبق الأصل عن النماذج الأوروبية، بدون نقد او وعي ذاتي. لا يصدق على الأفكار والمؤسسات "المستوردة" فحسب، بل ينسحب على الأفكار والمؤسسات التي تبدو أنها محلية او ناشئة ذاتيا. "[1/41].

ننقل مثالا على ما تقدم عن مهدي عامل. لدى مناقشة تحريف فكرة ماركس حول دور انكلترا في تقويض المجتمع الهندي، فالنص الإنجليزي لا يتحدث عن "إنجاز" التغيير الوارد في إحدى الترجمات، بل حرفيا على 'الإتيان به ’، وبالفرنسية 'استثارة " التغيير. يخلص الى القول " ثمة فارق كبير بين ان تكون انكلترا، كما هي في النص الماركسي 'أداة غير واعية للتاريخ’ في حركة موضوعية يجري فيها التاريخ بحسب منطقه المادي الديالكتيكي، ومن خارج الوعي والإرادة الإنسانيين، بل ضدهما، وبين ان تكون، كما في هذا التأويل سيدة التاريخ في حركة قاصدة يجري فيها التاريخ حسب منطقها الأيديولوجي ..."[3 /114]. المؤسسات العلمية الغربية عززت أنماطها التربوية ودرجت على استخدام الانجليزية على أنها لغة الاتصال العلمي، إضافة الى إعطاء الأولوية لسبل العلم الاجتماعي التجريبي ونماذج التفكير والممارسة الأميركية لعبت أموال تلك المؤسسات دورا هاما في توجيه الطاقات والموارد المحلية لدعم الوضع السائد لمنفعة السياسة الأميركية [1/101].

ضمن السياق الحضاري استمر الفكر في نظر المثقف المحدّث أصناما ، محاكاة ، وامتثالا. تنقل عن الحضارة الرأسمالية قشورها المهترئة، ولا تنفذ الى اللب."لا يؤخذ بالأفكار والممارسات والمؤسسات عبر النقد؛ ولكن بالإشارة الى نموذج القومية العربية مرجعيتها أوروبية، وكذلك السياسة ببعديها العقائدي والعملي انعكاس للنماذج الأوروبية، والحداثوية في ظل الأبوية ممارسة صنمية ثابتة غير نقدية، هنا تبرز بشكل واضح الخاصية المشوهة والزائفة للحداثوية العربية" [1/42].

المثقف الأبوي المستحدث وظيفته الولاء ودعم النظام، ولا يحفل بمهمة التغيير التي تتطلب ثقافة عملية وقدرة تخطيط وتنظيم. وحيث تتم البرهنة من خلال الممارسة التطبيقية على موضوعسة فكر ما، فإن عزوف النظام الأبوي عن العمل لا يتيح المجال لاختبار موضوعية الأفكار أو مصداقيتها. الثقافة لدى المثقف الأبوي وسيلة نفوذ وهيمنة، خاصة وأن اللغة العربية الكلاسيكية تقوم بإنتاج صنف من الخطاب يعبر عن "إيديولوجيا مزدوجة : كامنة في سحر اللغة، ناجمة عن استخدام الألفاظ الرنانة والمفردات الخطابية والأساليب البيانية والإحالات الداخلية، ومستمدة من سلطوية اللغة الناتجة عن والمنتشرة في ظل حماية السلطة السياسية الحاكمة أو التيار الديني السائد، يقدم البلاغة على المضمون، مجالها الخطابة وليس العلم، الغيبي وليس المرئي، وأولوية القول على الكتابة [1/107].

الأنظمة الأبوية تقمع المعارضة وتعتبرها خصوما؛ ولم تعد تخفي استنادها الى حماية الولايات المتحدة، أوهمت ان العدو المشترك يتهدد الأنظمة وإسرائيل معا، ولا بد من تنسيق الجهود وتكاملها. والهدف هنا هو "إبقاء  العالم العربي في حالة من الهشاشة القصوى. يؤدي الى ذلك رفض الوحدة العربية التي لا يستوعبها الغرب إلا بوصفها كابوسا مزعجا ويؤدي الى ذلك أيضا، الإبقاء على الأنظمة الخليجية المتخلفة والإبقاء على التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق، ورفض حق الفلسطينيين في الوجود. الخ [5/ 21].

فرغ هشام شرابي من مؤلفه عام 1988، حينذاك لم تكن قد برزت آثار الخطى الهمجية لليبرالية الجديدة في مجالي الاقتصاد والثقافة. أدخلت الليبرالية الجديدة العالم في عولمة جديدة شهدت سعار الاحتكارات عابرة الجنسية لتحصل أقصى الأرباح وتجريف الثقافات الوطنية. أشاعت ثقافة الليبرالية في العالم العنف والكراهية العرقية والقسوة، سفهت التضامن مع المستضعفين ضحايا عمليات الخصخصة والتكيف الاقتصادي مع السوق. ركزت على إنتاج ثقافتها ودفعها لتتدفق عبر القنوات الإعلامية المتضخمة بتأثير ثورة التقاني، وتوجهت بثقافتها لسحق إنسانية البشر كي تنسى عقولهم ونفوسهم مفهوم التحرر والرفاه أو الديمقراطية.

تناول العلامة الأميركي، هنري غيروكس" بالتحليل أزمة وباء كوفيد 19:  إحدى الآزمات الشاملة للسياسة والأخلاق من خلال ما يمكن  تسميته البيداغوجيا (علم التربية) الوبائية. كشف الوباء عن الجانب السام المخفي لرأسمالية الليبرالية الجديدة بهجومها على الرفاه العام وتقويض الصحة العامة وهجماتها على حقوق العمال وتركيزها على الاقتصاد وتكبير الرأسمال وتفضيل ذلك كله على حاجات البشر والحياة بالذات.

وإحدى نتائج ذلك النهج التضحية بالغة الإبهام وشرعنة تسونامي الجهل بالحقيقة وبالعلوم، ومن ثم المزيد من انهيار الأخلاق والشجاعة المدنية. إن ما كشفت عنه جائحة الوباء - الصور الصادمة لصفوف طويلة من طالبي الطعام وتكدس جثث الموتى ولغة الداروينية الاجتماعية الحديثة بإجازة رسمية والتطهير العرقي- ان الحرب غدت الامتداد للسياسية وباتت تؤدي ادوار البيدغوجيا الوبائية، حيث يحجر على  الفكر النقدي وتقمع المعارضة ويعتاد على مراقبة الجمهور وتسعر العنصرية ويسمو الجهل لمستوى الفضيلة. جائحة وباء فيروس كورونا جلَى الفكرة الكاذبة والخطرة لليبرالية الجديدة والزاعمة ان جميع المشاكل مسئولية فردية.

وحشية فاشية الليبرالية الجديدة، بكل ما يواكبها من داروينية اجتماعية، يجري الدفاع عنها بالدعوى لإعادة فتح الاقتصاد من خلال تقييد إجراءات الوقاية التي تبطئ زحف الفيروس او إزالتها بالمرة. والأكثر عرضة للخطر هم أولئك المعتبرون فضلات بشرية يمكن الاستغناء عنها، مثل السود والمهاجرين والفقراء والطبقة العاملة . يطلب من هذه الشرائح التضحية بالحياة من اجل تدفق الأموال  على خزائن الطبقة السياسية الطفيلية التي تحكم الولايات المتحدة.

ونقل غيروكس عن نوعام تشومسكي في تصريح له وصف الرئيس ترمب بانه "مصاب بجنون العظمة وضع بلاده في حالة عدم الاستعداد لجائحة وباء الكورونا. لا يأبه ترمب بما يحدق ببلاده وبالعالم، وهو يعتمد على قاعدته الانتخابية المكونة من الشركات الكبري وأثرياء الولايات المتحدة. وإذ يتنبأ ترمب بالخلاص من الوباء في نهاية الأمر 'وبكلفة قاسية’  فإنه لا يتنبأ بانتهاء أزمة المناخ وذوبان الجليد القطبي وارتفاع مستوى المياه في البحار" [6].

تلك هي واجهة الحضارة في مرحلة قاتمة من التاريخ، وربما تكون إرهاصات ولادة عالم جديد تقدم حاجات الناس على ارباح الاحتكارات، ويوجه الإنتاج وجميع منتجات العلم لتحقيق الرفاه للجميع. البشرية تقف على مفترق طرق.

المراجع:

1- هشام شرابي: البنية الأبوية إشكالية التخلف الاجتماعي في المجتمع العربي

2- نصر حامد ابوزيد: النص السلطة الحقيقة الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة

3- ماركس في استشراق ادوارد سعيد-دار الفارابي - بيروت ط3،1990

4- هشام شرابي: مقدمات لدراسة المجتمع العربي

5- سمير أمين: امبراطورية الفوضى، ترجمة سناء أبوشقرا- دار الفارابي، بيروت 1991

6- Radical Politics and Pandemic Nightmares Counterpunch14May2020

-Henry Geroux

(يتبع.. الحلقة التاسعة)