2020-06-11

"لنجعل أمريكا بيضاء مجددًا": جذور غضب وشغب السود في الولايات المتحدة

| حسن مصاروة

كان أحد أشهر شخصيات فترة الغزو الأمريكي على العراق، هو محمد سعيد الصحاف، وزير الإعلام العراقي في حينه. حيث استطاع بصورة غريبة أن يبقى ملتزمًا بالخطّ الإعلامي الرسمي حتى اللّحظة الأخيرة لسقوط بغداد متوعدًا "العلوج" الأمريكان بشر هزيمة. وقد دأب في مؤتمراته الصحافية اليومية على إنكار حتى أكثر الوقائع وضوحًا بأداء بطولي، فحينما كانت الدبابات الأمريكية على مسافة بضع عشرات الأمتار من مكتبه، استمر بالادعاء أن صور الدبابات في شوارع بغداد على شاشات التلفزة الأمريكية لم تكن إلا فبركات هوليوودية. وحين جوبه بمزاعم أن الأمريكيين باتوا مسيطرين على أجزاء من بغداد، انتفض صارخًا: "ليسوا مسيطرين على أي شيء. هم لا يتحكمون حتى بأنفسهم".

يستحضر الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك هذه الحادثة في كتابه "العنف: تأملات في وجوهه الستة"، في معرض حديثه عن أحداث العنف الرهيبة في مدينة نيو اورلينز الأمريكية التي انفجرت إثر إعصار كاترينا في 2005، ويقول أنّ الصحاف للمفارقة الهزلية، في خضم استعراضاته الإعلامية المغرقة في الإنكار والكذب كان يعزف بغرابة وعشوائية فيلامس وترًا صادقًا أحيانًا. فالولايات المتحدة شرطي العالم الذي حاول أن يلجم التهديدات التي تستهدف "السلم والحرية والديمقراطية" في طول الكوكب وعرضه، وسيطرت فعلًا على بغداد لتجلب لها "السلام والديمقراطية"، فقدت السيطرة على جزء من أمريكا نفسها.

أليس هذا ما يحدث اليوم؟ بل وتلعب المفارقة هذه دورًا أكثر هزلية ومأساوية أكثر من أي وقت مضى، حيث في الحين الذي تزداد فيها عنجهية الإمبراطورية الأمريكية في محاولة فرض هيمنتها على العالم في فلسطين وسوريا والعراق وإيران وفنزويلا، تفقد السيطرة على نفسها، وتزيد ضحايا الوباء الذي تعامل رئيسها معه على أنه كذبة عن الـ100 ألف مواطن. وتنفجر شوارع الولايات غضبًا على جريمة قتل أمريكي أسود على يد شرطة عنصرية لتواجه الاحتجاجات بأفظع أشكال العنف الأمني القمعي، ويهدد رئيسها ذاته شعبه المتظاهر بـ"كلاب مسعورة" وأسلحة مشؤومة، وبسيطرة الجيش على الشوارع... شوارع مينيسوتا ونيويورك وواشنطن، لا بغداد هذه المرة.

يسخر البعض من اليسار الغربي لأنه في العادة حينما يواجه ظاهرة يمينية سلطوية لا ينجح في تحديدها يسارع لوصفها بـ"الفاشية"، ولا يتردّد بوصم خصومه بأنهم "فاشيون" كلّما حانت له الفرصة. في الحقيقة أن ترامب وإدارته، وبالذات تصرفاتها الأخيرة مع الاحتجاجات ضد مقتل جورج فلويد، تُسهل على اليسار الغربي هذه المهمة وتجعل الوصم أكثر منطقية.  يجلس ترامب في البيت الأبيض المحاط بالمتظاهرين السلميين مهددًا أن الجيش "حاضر وجاهز وقادر" على أن يتحرك ضد المحتجين وأن يطلق "قوّته غير المحدودة" للجمهم. يصرح حول المظاهرات ورد فعل الشرطة: "حينما يبدأ النهب يبدأ إطلاق النار" مستعيرًا جملة مشهورة لرئيس شرطة أمريكي مشهور بعنصريته ضد السود وقمعه الدموي لاحتجاجاتهم في السبعينيات.

25 مدينة في 16 ولاية مختلفة فُرض حظر التجول في شوارعها، أكثر من 70 ألف عنصر من "الحرس الوطني" القوة العسكرية التابعة لجيش الاحتياط الأمريكي ينتشرون في عدة ولايات لمواجهة المحتجين، وهو أكثر من عددهم المتواجد في أفغانستان وسوريا والعراق مجتمعة.

سيناتور من أتباع ترامب يدعو لاستقدام وحدة في القوات الجوية ضد المتظاهرين، فيما يصرح ترامب أنه ينوي الإعلان عن "منظمة" Antifa المناهضة للفاشية والتي تُتهم بالتحريض على "التخريب" في المظاهرات، على أنها منظمة إرهابية. والخطير هنا أن "المنظمة" المذكورة ليست منظمة أصلًا بل هو "لقب" يطلقه اليمين على طيف واسع من المنظمات والحركات والمجموعات السياسية اليسارية المناهضة للفاشية غير المرتبطة بأي إطار أو هيكل تنظيمي. مما يعني أنه سيحق للحكومة الأمريكي اعتقال أي ناشط بتهمة الإرهاب إذا ادعت أنه ينتمي لهذه "المنظمة" أو يقدم لها الدعم بأي شكل.

يصرّح النائب من فلوريدا من أتباع ترامب: "الآن وقد أعلنّا عن أعضاء Antifa على أنّهم إرهابيون، هل نستطيع اصطيادهم في الشوارع كما نفعل مع الإرهابيين في الشرق الأوسط؟". يأمر ترامب بتفريق احتجاج سلمي بالغاز والهراوات من أمام البيت الأبيض حتى يتسنى له التقاط صورة أمام الكنيسة القريبة حاملا بيده "الكتاب المقدس" مهددًا شعبه بنشر الجيش في الشوارع مسلتهمًا آخر الفاشيين.

الا انه لا يمكن الادعاء للحظة-كما يحاول الليبراليون في أمريكيا أن يصوروا الحالة- أن ما يحصل اليوم من انفجار للغضب ضد العنصرية هو نتاج حصري لحكم إدارة ترامب. العنصرية البنيوية والمؤسساتية متجذرة في صلب نظام الحكم السياسي والقانوني والقضائي والمنظومة الاجتماعية-الاقتصادية الأمريكية، في توزيع غير عادل عرقيًا بشكل فج للثروة، يحرم المجتمعات الملونة بشكل خاص، المعزولة في الكثير من الأحيان في تجمعات سكنية منفصلة، من خدمات صحية وتعليمية وبنية تحتية تتمتع بها المجتمعات البيضاء، وبطبيعة الحال تتمظهر هذه الفروقات العرقية والطبقية في فرق شاسع في معدل دخل الفرد بين المجتمعين.

استطاع السود عبر عقود طويلة من النضالات المضنية، والدموية في الكثير من الأحيان، إحداث تغيير في واقع عدم المساواة العرقي الذي بُني عليه المجتمع الأمريكي واستطاعوا انتزاع الكثير من الحقوق المدنية وترسيخها داخل المنظومة القانونية. إلا أنّه ما زال كونك أسود في حي فقير، إلى اليوم، يعني حكم إعدام لم يدخل حيز التنفيذ على يد الشرطةوفيما سمحت سنوات من النيوليبرالية لنسبة معينة من مجتمع السود مراكمة بعض الثروة وتشكيل طبقة برجوازية لا بأس بها، تركت الغالبية منهم في جيتوهات الفقر وزادتهم فاقة وعوزًا، وفيما انسحبت الدولة في ظل عصرها النيوليبرالي من دورها في الرعاية الاجتماعية تجاه المواطنين، تركت المجتمع الأكثر حاجة لهذه الرعاية، وهو المجتمع الأسود، ليتلقى الضربة الأكبر من هذا التحول.

ولم تُقدم سنوات من سيطرة الليبرالية السياسية أي تغيير على مستوى الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الأسود، فيما ساهمت في تخديرهم بأفيون "الصوابية السياسية" وانصافهم على المستوى الثقافي والرمزي ونبذ العنصرية الخطابية من الفضاء العام، والاحتفاء الخطابي بالتعددية الثقافية والعرقية. حتى أن وصول أول رئيس أسود الى سدّة الحكم لمدة ثماني سنوات لم يغير شيئًا على المستوى الفعلي، ففيما شكلت رئاسة أوباما قيمة رمزية كبيرة لمجتمع رضخ لعقود تحت العبودية ثم الفصل العنصري ثم الاقصاء والازدراء والاستعلاء الأبيض، لم تحدث أي أثر عميق على مستوى المنظومة القانونية والقضائية ومنظومة الشرطة بالتحديد، حتى أن حركة "حياة السود مهمة" التي نرى أثرها اليوم قد انطلقت في عام 2014 تحت حكم أوباما، إثر حوادث عديدة لمقتل مواطنين سود على يد الشرطة.

وبطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن أي تغيير يذكر على مستولى إعادة توزيع الثروة فقد اختار أوباما محاباة أباطرة المال والشركات الكبرى واختار أول رئيس أسود للولايات المتحدة أن يلعب بامتياز دور قناع "وول ستريت: الأسود"، والعلوية العرقية البيضاء الايديولوجية لم تختفِ يومًا داخل الولايات المتحدة ولم يُبذل أي جهد حقيقي على المستوى السياسي للتخلص من جذور إعادة انتاجها أو تجفيف المستنقع الأيديولوجي الذي تنمو فيه، بل إنّ كل ما فعلته سنوات من حكم الليبرالية و"الصوابية السياسية" هو خفت صوتها وطردها من الفضاء العام، حتى جاء ترامب بخطابه الشعبوي ليقود تمرد هذه الايديولوجيا العلوية البيضاء ضد المؤسسة الليبرالية التي قمعتها ظاهريًا، وليعيد لها صوتها الذي سلبته الصوابية السياسية، يعيد للرجل الأبيض "بلاده" التي شعر أنها تُسلب منه على يد السود والملونين والمهاجرين تحت حكم أوباما. فيكون شعار ترامب الذي فاز به في الانتخابات، "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" تورية واضحة لـشعار "لنجعل أمريكا بيضاء مجددًا".

صحيح أن هذه الاحتجاجات التي انفجرت بعد مقتل جورج فلويد محملة بعقود من القهر العرقي، لكنها تكتسب زخمًا وقوة وغضبًا لأنّها تأتي في ظل وباء عالمي استطاع أن يكشف بصورة أوضح وأكثر فجاجة عن عمق كارثية المنظومة الأمريكية وبشاعة واقع عدم المساواة العرقي والطبقي. ففي حين يعاني معظم الموظفين من انخفاض في الدخل وخاصة السود منهم حيث أن معدل دخلهم أقل في طبيعة الحال، وما يقارب الـ40 مليون عامل قد خسروا عملهم، استطاع أصحاب المليارات في الولايات المتحدة زيادة ثروتهم بـ434 مليار دولار في فترة الوباء. أكثر من 100 ألف ضحية للوباء في ظلّ انهيار للمنظومة صحية المهترئة أصلًا، والنسبة الأكبر من الوفيات في المجتمعات السوداء والملونة. ملايين من العمال "الأساسيين" اضطروا للذهاب الى العمل كل يوم معرضين أنفسهم للخطر دون أي حماية أو أي ضمان صحي ومعظمهم أيضًا من السود والملونين، وفيما كان يُطلق عليهم في الاعلام صفات البطولة، ويصفق لهم من شرفات المنازل، لم يتحدث أحد عن حقيقة أن حدهم الأدنى من الأجور لم يرتفع منذ أربعين عامًا. هذا الكم المكثف من القهر تفجر على شكل الاحتجاجات التي نراها، دون أن تخلو من العنف الغاضب المتمثل بالتحطيم والتكسير، بل والنهب أيضًا، الذي ما هو الا انعكاس بسيط لحالات نهب أكبر تقوم بها دولة رأس المال كل يوم بحق هؤلاء الغاضبين.

هذا التمرد العنيف، هذا "الشغب" كما يسمونه في الاعلام الرسمي، هو صرخة غاضبة على مستوى وطني، هو إعلان حضور صاخب لمن شعر أن صوته قد كُتم، الشغب يحصل حينما يشعر الناس بمدى عجزهم عن السيطرة على مصيرهم الجماعي، حينما يعاينون عدم قيمة حياتهم ورخصها كل يوم في الفيديوهات وهم يقتلون بدم بارد بيد وكلاء النظام، وحينما يتجاهل النظام السياسي معانتهم اليومية فيجدوا أنفسهم مضطرين أن يجبروا النظام على أن يشعر بهذه المعاناة بأي وسيلة ممكنة. أعمال الشغب كما تقول المؤرخة الأمريكية نتالي ديفيس ليست انفجارًا عشوائيًا للفوضى إنما أحداثًا طقوسية وشعائرية للغاية، فتحدث أعمال الشغب حينما ينتهك العقد الاجتماعي غير المكتوب، حينما لا يتم الامتثال للأعراف المتوقعة من قبل القوى المسيطرة. وعدم الامتثال هذا، هذا الانتهاك للعقد الاجتماعي قد يتمثل بشكل تعدٍ مكثف وصارخ للقهر المعتاد. وهذا ما حدث بعد حادثة جورج فلويد

وانتفاضات السود التي تتصف بالشغب ملازمة للتاريخ الأمريكي، هناك أحداث لاحتجاجات على وحشية الشرطة ضد السود تعود للقرن الـ19، ومنذ الهجرة الكبيرة للسود نحو الشمال في بدايات القرن العشرين الاحتجاجات ضد الشرطة باتت تتكرر كل فترة، مثلما حدث في شيكاجو عام 1919 وفي انتفاضة 1943 في ديتريوت، وبعد مقتل مارتن لوثر كينج في عام 1968 وما شهدته من مواجهات عنيفة وقوبل بعنف دموي من قبل الشرطة. وفي عام 1992 إثر قيام الشرطة بالاعتداء الوحشي على أحد عمال البناء السود، وفي 2014 حينما انطلقت حركة "حياة السود مهمة". وهذه الاحتجاجات كانت في أغلبها تتبع نمط واحد، وهو أنها تأتي ردًا على عنف الشرطة ضد المجتمع الأسود لتتطور وتحمل معنى سياسيًا أكبر، تنتج بالعادة عن احتكاك مباشر بين السود وممثلي خط الدفاع الأول للدولة، أي الشرطة، ليتطور بعد ذلك ويطال المؤسسات الأخرى الحاكمةلأن جهاز الشرطة بالذات يحمل معنى سياسيًا وتاريخيًا مميزًا في السياق الأمريكي تحكم وظيفته فيما يخص المجتمع الأسود بالذات، فجهاز الشرطة الأمريكية نشأ أصلًا في وضعٍ استعماري استيطاني في القرن التاسع عشر الميلادي، وكان ذلك استجابةً لتحدِّياتٍ معينة واجهتها النخب الحاكمة، وتحديدًا تمرّد عموم العمال في الشمال الأمريكي، وتمرّد العمّال السّود المستعبَدين في الجنوب.

وأكسبت الحالة الاستعمارية الاستيطانية الشرطة الأمريكية سمات تاريخية خاصة بها مثل كونها مدججة بالسلاح أكثر من أي شرطة أخرى وتتمتع بسلطة أكبر، وظل هذا الجهاز يتحول ويتغير رهينة للصراعات السياسية المستمرة داخل البلاد وخارجها، إنما دونَ أنْ تتغير وظيفته الجوهرية: الحفاظُ على النظام الحاكم وضبطُ الطبقات العاملة والجماعات المهمشة وبالأساس الجماعة السوداء. فكما يبين المؤرخ الماركسي ديفيد وايتهاوس لم تُستحدَث هذه المؤسسة في الولايات المتحدة بالذات استجابة لارتفاع نسبة الجريمة بل استجابة لتحدّيات شكلّها النشاط الجماعي السياسي، وبالأساس، أنشئت الشرطة الأمريكية الحديثة سعيًا لقمع تحرّكات جماهيرية واسعة شرسة وبالتحديد أعمال الشغب العمالية في شمال الولايات المتحدة، والخوف من احتمالية تمرّد العبيد في جنوبها. مرت الشرطة بتطورات كثيرة على مدى السنوات مع تطور النظام السياسي لكنها حافظت على جوهرها التاريخي الذي لا يمكن أن يتغير بأي إصلاح وهو إعادة الضبط والسيطرة التي تقوم به الطبقات الحاكمة ضد الفئات المهمشة والمسحوقة.  ولهذا فان أي إصلاح حقيقي في تعامل الشرطة مع المجتمع الأسود يستوجب بالضرورة تفكيك وإعادة تشكيل وتأسيس كلية لهذا الجهاز، وهذا ما يطرحه بعض قيادات الحركة الاحتجاجية اليوم في الولايات المتحدة.

وأما على مستوى الأفق السياسي القريب فان ما يجري الآن لا يعني بالضرورة أن ترامب لن يعاد انتخابه، بل حتى أن بعض المعلقين الأمريكيين يخشون العكس في استعادة لانتخابات 1968 بين نيكسون وهمبفري . عام 1968 شهدت الولايات المتحدة انتفاضات ومواجهات شبيهة بالتي تحصل اليوم، كان قد اغتيل مارتن لوثر كونغ والولايات كان تشتعل غضبًا بمظاهرات السود، والمظاهرات العنيفة المناهضة للحرب في فيتنام، البلاد كانت منقسمة بشكل غير مسبوق ربما أكثر مما هي عليه اليوم. كان نيكسون مرشحًا فاشلًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كان قد خسر انتخابات رئاسية سابقة أمام كينيدي وخسر في انتخابات لحكم ولايته. وكان الحزب الديمقراطي قد رشح همبفري الذي كان يملك سجلًا جيدًا نسبيًا في الحقوق المدنية للسود، الا أن الحزب الديمقراطي كان منقسمًا وكان يعاني مع قطاعات واسعة من الشباب في قاعدته التي تم تثويرها بسبب الحرب ضد فيتنام والحركة المناهضة للحرب، بالضبط كما يجري اليوم مع المشاكل التي يعانيها الحزب ومرشحه الضعيف بايدن مع قطاع واسع من الشباب الذي وضع أمله الأخير في بيرني ساندرز. إثر المظاهرات والاحتجاجات والمواجهات العنيفة التي عمت البلاد قام نيكسون بخوض حملته الانتخابية تحت شعار "القانون والنظام" واعدًا باستعادة النظام الصارم في البلاد ضد "الفئات التخريبية". واستطاع بتلك الحملة قلب الموازين التي لم تكن في صالحه. طبعًا ترامب أسوأ من نيكسون بمراحل، وهو الآن رئيس في المنصب على خلاف نيكسون، لكن بايدن أيضًا مرشح اسوأ من همبفري بمراحل كذلك.

ترامب تافه وفارغ حقيقي فعلًا، يوم واحد من تزايد المقالات والتغريدات والتعليقات حول مقارنة الوضع بانتخابات الـ68 وبحملة نيكسون الانتخابية، قام ترامب بكتابة تغريدة على صفحته بتويتر بشكل فج ومباشر اعتمادًا على ما لمسه فقط من هذه التعليقات: "القانون والنظام". وهو الشعار الذي فاز به نيكسون في الانتخابات إيّاها. لكن تفاهة ترامب هي تلك التفاهة التي تُثبت فعاليتها في كل مرة، تلك التفاهة التي تقوم بـ"سحرها الأسود" مرة تلو الأخرى في واقع شعبوي وتعميم للجهل والغباء وإعادة تحشيد الرجل الأمريكي الأبيض ومخاطبة عنصريته الكامنة ومنحه صوته الغائب منذ سنوات تحت وطأة الصوابية السياسية الليبرالية.

وتأتي بعد سنوات من قيام ترامب بعملية متواصلة لكسر مستمر لكل القواعد غير المكتوبة لكيفية عمل السياسة ليرسي تقاليدَ شعبوية تسيطر على الأجواء السياسية وبالتالي تعيد تعريف قواعد اللعبة الانتخابية. لهذا فان كل الاحتمالات مفتوحة. صحيح أن سقوط ترامب سيعني شيئًا ما بالنسبة للمجتمع الأسود في أمريكا لكنّه لن يعني الكثير على المستوى الفعلي العميق، وخاصة أن البديل هو جو بايدن المرشح النيوليبرالي للمؤسسة "الديمقراطية" ربيب وولستريت وحيتان المال الذي لن يقوم بطبيعة الحال بفعل شيء على مستوى إعادة توزيع الثروة بل سيضمن إعادة انتاج التوزيع المجحف عرقيًا للثروة، أصل الشرور في إعادة انتاج العنصرية والهيمنة البيضاء. المرشح البديل بايدن شعاره الأساس هو العودة لـ"الوضع العادي" ما قبل ترامب- الذي يصوره الليبراليون أنّه استثناء طارئ للحالة الأمريكية- لكن المشكلة الحقيقية تكمن أنه بالنسبة للمجتمع الأسود فإن "الوضع العادي" هو المشكلة.

ملحق- الاتحاد الحيفاوية