2020-06-14

تشومسكي: مقتل جوروج فلويد ووباء العنصرية وكلاب ترامب المتوحشة

| سي.جي پوليتشرونيو

//ترجمة خاصة "بالاتحاد" - حسن مصاروة

تمرّ الولايات المتحدة بأزمات غير مسبوقة، وباء الكورونا يترك أكثر من 200 ألف ضحية، والإصابات تعدت المليونين، في ظل انهيار للنظام الصحي وتعامل فوضوي من الإدارة والحكومة الفيدرالية. واقع عدم المساواة البشع يظهر بأوضح صوره، الملايين يجدون أنفسهم بلا عمل والشركات الكبرى تضاعف أرباحها. وفي ظل ذلك كله تمتلئ الشوارع بملايين المتظاهرين اثر مقتل جورج فلويد لتعود قضية العنصرية الوحشية ضد السود إلى الواجهة من جديد.

في ظل هذه التطورات قام المفكر السياسي سي.جي پوليتشرونيو بإجراء مقابلة مع واحد من أهم المفكرين في الولايات المتحدة وفي العالم أجمع، نعوم تشومسكي، ليسأله عن كل هذه القضايا الملحة. مقابلة نشرت على موقع "Truthout" نترجمها بتصرف في صحيفة وموقع "الاتحاد".

* في الـ40 عامًا الماضية، شهدنا في الولايات المتحدة تحلّلًا لدولة الرفاه وصعودا لايديولوجيا السوق المتطرفة، حتى وصلنا الى الحال حيث لا تستطيع الدولة أن تتعامل مع أزمة صحية هائلة، بالإضافة إلى اشكاليات ماثلة منذ زمن مثل الفقر على نطاق ضخم، ولا- مساواة اقتصادية هائلة، والعنصرية ووحشية الشرطة. لكن مع كل هذا لم يتردد دونالد ترامب من أن يقول في غمرة الاحتجاجات على مقتل جورج فلويد أن "الولايات المتحدة هي أعظم دولة في العالم" في الوقت الذي يبدو أنه يسعى لإشعال حرب أهلية في هذه البلاد عن طريق اتباع تكتيكات الاستقطاب المتطرف. هل يمكنك التعليق على هذه الملاحظات لما تمر به البلاد؟

نعوم تشومسكي: لا أظن أن ترامب يريد حربًا أهلية. بل أعتقد، كما يصرح هو، أنه يريد "الهيمنة" بواسطة العنف وأن يرعب كل معارضة محتملة. هذا رد فعله الطبيعي. انظر فقط الى انفجار غضبه حينما تجرأت سيناتور جمهورية مثل "ليسا موركاوسكي" على أن تخرق الانضباط الحزبي المقدس وأن تظهر بعض الشكوك حول "روعة جلالته الملكية". أو قيامه بفصل العالم المسؤول عن تطوير اللقاح حينما طرح شكوكًا حول واحد من الأدوية الدجلية التي يروج لها ترامب. أو قيامه بتحييد المفتش العام الذي كان من الممكن أن يقود تحقيقات في طبيعة المستنقع النتن الذي ينشئه ترامب في واشنطن. انه وضع فاسد، وترامب ظاهرة جديدة بشكل جذري في التاريخ السياسي الأمريكي.

ردة فعل أخرى لترامب هي تهديده بـ"الكلاب الأكثر شراسة، والأسلحة الأكثر شؤمًا التي رأيتها في حياتي"، حينما حوط المحتجون السلميون مسكنه في البيت الأبيض. الجملة "كلاب شرسة" تستحضر رعب هذه البلاد حينما ظهرت صور الكلاب المتوحشة وهي تهاجم المحتجين السود على الصفحات الأولى للجرائد أثناء حركة الحقوق المدنية. استعمال ترامب لهذه الجملة بالذات، اما أنه ينبع من نية مبيته لإثارة العنف العنصري، أو ردة فعل انعكاسي نابع من أعمق مشاعره. سأترك للآخرين الحكم أيهما أسوأ، وما يخبره كل من الاحتمالين عن هذا "الشر الخبيث" الذي يقبع الآن في مركز القوة العالمية.

ولا تضارب هنا، ان ادعاءه أن الولايات المتحدة هي أعظم دولة في العالم، في حسه الخاص، من جهة، ودعوته من أجل الهيمنة من جهة أخرى. تنبع كلاهما من عقيدته الأساسية "الأنا".

النتيجة المباشرة لهذه العقيدة هي أنه يجب عليه أن يشبع متطلبات حيتان المال وسلطة الشركات، الذين يتحملون "غرائبه"، طالما أنه يخدم مصالحهم بوضاعة. وهذا ما يفعله بالضبط من خلال برامجه التشريعية وقرارته التنفيذية. كما قراره الأخير بالنسبة لوكالة حماية البيئة الذي سيزيد تلوث البيئة لمصلحة الشركات الصناعية، غير مهتم أنه سيعرض بذلك الآلاف لخطر الموت، والنسبة الأعلى منهم بين السود بالذات، كما تشير التقارير، ما دام المقابل هو زيادة الثورة لأولئك الذين "يهمونه".

نجاح تكتيكات ترامب هذه ظهر بوضوح في يناير، في المسرحية الكبرى المقامة في منتجع "دافوس"، حيث يلتقي "أسياد الكون"، كما يطلق عليهم، بشكل سنوي، ليهنئ أحدهم الآخر. إلا أن اجتماع هذا العام في دافوس كان مختلفًا عن العادة. كان هناك قلق يعم حول تعرض "سمعتهم" للخطر، كان هناك نوع من الادراك أن "الفلاحين قادمون يحملون المذاري ويحوطون قلاعهم" غضبًا. لذلك كانت نبرتهم هذه المرة على غرار: نحن نعلم أننا قمنا بالعديد من الأخطاء، لكننا نتغير، تستطيعون أن تثقوا بنا، سوف نتحول إلى "شركات لديها روح وعطف".

والكلمة الرئيسية في المؤتمر سلمت بالطبع إلى ترامب، الأب الروحي. الشخصيات الأنيقة المجتمعة هناك لا تحب ترامب. بذاءته وبهيميته بشكل عام تضر بصورتهم التي يفضلون أن يعكسوها عن أنفسهم، مثقفون انسانيون ومتنورون. لكنهم مع ذلك منحوه بعد خطابه تصفيقًا حماسيًا. لنضع "غرائبه" جانبًا، الرجل جعل الأمر واضحًا أنه يفهم الأمر الأساسي: أي جيوب يجب أن تحشى بسخاء بمزيد من الدولارات.

ونتيجة مباشرة أخرى لعقيدة ترامب هذا الرجل المحتال الذي يمسك بسدة الحكم اليوم انه لا بد له أن يحافظ على قاعدة ناخبيه في الوقت الذي يطعن معظمهم بالظهر ببرامجه الفعلية من تشريع وقرارات تنفيذية لمصلحة حيتان المال. وهذه مهمة صعبة استطاع أن يديرها الى حد الآن بمهارة. وقاعدته الانتخابية لا تتضمن فقط حاملي أيديولوجيا العلوية العرقية البيضاء لكن آخرين أيضًا واقعون في قبضة الخوف من "الهم"-هؤلاء "الهم" الذين بسبب القمع المرير يلجؤون إلى الجريمة - فيبث ثقافة الخوف من "جرائم" الضعفاء الجزئية لا الخوف من جرائم الأقوياء الشاملة.

بالنسبة إلى داعمي ترامب الأساسيين، حيتان المال وسلطة الشركات، أميركا بالطبع أعظم دولة في العالم. لكن كيف لشخص أن يخدع بلدי فيها يسيطر 0,1 بالمئة من السكان على 20 بالمئة من الثروة في حين أن الغالبية لا تستطيع أن تصمد في الحياة بمعاشها الشهري ويحصل مدراء الشركات على تعويضات أكثر من العمال بـ 278 مرة؟ يدعو للهيمنة بالعنف بواسطة "كلاب شرسة" ليرضي نسبة كبيرة من قاعدته الانتخابية. اذًا فالأمر يجري بهذه الطريقة.

* الممثل جورج كلوني قال في مقال له في الديلي بيست تعليقًا على مقتل جورج فلويد أن العنصرية هي وباء أمريكي، وأننا خلال 400 عاما لم نجد لها لقاحًا، لماذا تبدو العنصرية في الولايات المتحدة راسخة ومستعصية الى هذا الحد؟

نعوم تشومسكي: الاجابة موجودة فيما حدث خلال الـ400 سنة هذه، لقد تم البحث فيها وعرضها من قبل، لكن بالنسبة لي فإن الأمر يستحق بعض الدقائق للتفكير من خلالها بالأمر مرة أخرى حتى ترسخ في عمق الوعي.

السنوات الـ250 الأولى صنعت أكثر أنظمة العبودية شراسة في تاريخ الإنسانية بمجرد أن حصلت المستعمرات على حريتها. وقد كان هذا النظام العبودي فريدًا لا بقسوته البشعة لكن أيَضا لكونه كان يعتمد على لون البشرة.  ولهذا كان لا يمكن استئصاله، بل هي لعنة تصل الى الأجيال المستقبلية. أٌقليات أخرى عوملت بقسوة وحتى حرمت من المكوث في الدولة بواسطة قوانين عنصرية، مثل اليهود والايطاليين. لكن على عكس السود، فان "وصمة العار" لم تلتصق بهم بشكل دائم. كان من الممكن ضمهم في النهاية وتحويلهم الى أكثر قبولاً.

وكم هي فريدة العنصرية الأمريكية في شدتها. حيث أن قوانين عدم اختلاط الأعراق التي بقيت في كتب القوانين حتى حركة الحقوق المدنية في الستينات، كانت شديدة جدًا لدرجة أن النازيين في ألمانيا رفضوها حينما كانوا يبحثون عن نماذج لقوانين نورمبيرغ العنصرية.

العبودية الرسمية في الولايات المتحدة انتهت قي عام 1865، ومنح للسود عقد كامل من اعادة الانشاء، والذي استغلوه بصورة مثيرة للإعجاب في فعاليتها وتأثيرها، نظرًا لميراث الرعب الذي يحملوه. لكن حتى هذا انتهى. حيث ان اتفاقية بين الشمال والجنوب سمحت للعنصرين في الجنوب أن يقتلوا ويقمعوا وأن يحولوا السود الى قوة عمل بالسخرة لتحرك الثورة الصناعية الجنوبية، وكل ذلك بواسطة "تجريم" السود وسجنهم بشكل جماعي وسلبهم حقوقهم.

هذه الوصمة في التاريخ الأمريكي دامت حتى الحرب لعالمية الثانية تقريبًا، حينما احتاجت صناعة الحرب الى العمالة الحرة، أتذكر كيف أن الخدم السود اختفوا من منازل الطبقة الوسطى في تلك الفترة. وأثناء النمو الكبير ما بعد الحرب، بعض الفرص أتيحت للسود الأمريكان، إلا أن عراقيل جدية بقيت موجودة. الفرص التعليمية التي منحت بعد الحرب أنكرت على المواطنين السود بواسطة قوانين معينة. ملكية المنازل، أساس الثروة لمعظم الناس، تم حرمان السود منها بواسطة القوانين الفدرالية. وفي الوقت الذي سحبت فيه هذه القوانين العنصرية تحت ضغط نضال حركة الحقوق المدنية في الستينيات، كانت الفرصة قد ضاعت على الكثير من المواطنين السود. الاقتصاد عانى من الكساد في فترة السبعينيات وعندها انقضت النيوليبرالية وسيطرت على الاقتصاد، حيث صممت بالأساس على إبقاء المواطنين الفقراء والعمال في مكانهم، وكالعادة فالمجتمعات السوداء كانت الأكثر تأُثرًا بشكل وحشي. وهذا العدوان النيوليبرالي الاقتصادي على السود جاء مجتمعًا مع الموجة الجديدة من تجريم السود بواسطة إدارة ريغان العنصرية، وهي السياسة التي عُززت بواسطة بيل كلينتون تحت عباءة "أنا واحد منكم"، وحتى جورج فلويد اليوم.

ليس من الصعب اذًا الإجابة على السؤال، على الأقل على مستوى واحد. أما على مستوى أعمق فيمكن أن نسأل لماذا يصعب علينا معالجة هذا المرض ؟

من الجدير بالذكر أن العنصرية ليس أمرًا مميزًا للولايات المتحدة فقط. العنصرية تواجدت دائمًا بشكل أو بآخر،

لكن بعد العصر التنوير والاستعمارات الامبريالية فقط اكتسبت "خبثها" المعاصر.  لنراها على حقيقتها في أوروبا، ما علينا الا أن نشاهد الجهود الجبارة لأوروبا "المتحضرة" حتى تبقي ضحايا قرون من الإرهاب والذبح الأوروبي بعيدًا عن شواطئها. حيث نذكر كيف فضلت أوروبا أن تشاهد آلاف الليبيين يغرقون في البحر هربًا، في مشهد الإبادة الجماعية الذي قام به الاستعمار الإيطالي الفاشي في ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية. هذا المشهد الذي نستطيع أن نتذكر كم كان محمودًا في الديمقراطيات الليبرالية في الغرب. ومنهم حتى المعلم الروحي لليبرتارية لودفيج فون ميزس الذي كتب في عام 1927 أنه "لا يمكن أن ننكر أن الفاشية والحركات المشابهة، رغمًا عن ديكتاتوريتها، فإنها تحمل أفضل النوايا، وأن تدخلها في هذه اللحظة فد أنقذ الحضارة الأوروبية. الفضل الذي استحقته الفاشية بجدارة سيخلد في التاريخ".

* في عصر الكورونا شاهدنا العودة المفاجئة الى التفكير الاقتصادي الموجه، بشكل فضفاض، بواسطة الأفكار الكينزية. مثل زيادة انفاق الحكومة وتخفيض الضرائب من أجل إعادة احياء النشاط الاقتصادي، والحفاظ على دولة رفاه صلبة. خاصة في أوروبا الغربية، هل هذه إشارة الى أن النيوليبرالية في الطريق الى نهايتها؟ أم اننا سنشهد عودة الى الوضع "العادي" بعد انتهاء الأزمة الصحية وخاصة في الولايات المتحدة حيث يوجد مقاومة كبيرة للديمقراطية-الاجتماعية ؟

تشومسكي: مثل الكثير من الأسئلة الجيدة، فإن هذا السؤال من المستحيل الإجابة عليه عمليًا. القوى التي صنعت النظام الاقتصادي-الاجتماعي الحالي، ومن ضمنه الوباء والسباق من أجل التدمير الذاتي، لا تضيع لحظة واحدة في تفانيها من أجل ضمان بقاء الكارثة النيوليبرالية، وبالطبع عودتها بصيغة أشرس، مع وسائل معقدة للمراقبة والسيطرة. وستنجح بذلك الا اذا قامت الجماهير الشعبية بسحب تأييدها، وقامت باستخدام تلك القوة الموجودة بين ايادي المحكومين وتنظيم نفسها لخلق عالم أكثر إنسانية وعدلاً- في الحقيقة، عالم قادر على البقاء.

وهذا يتطلب على أٌقل تقدير، دولة اجتماعية بالحدود الدنيا. ونستطيع أن نعي كم هي صعبة حتى هذه الخطوة البسيطة، من معاينة التعليقات الليبرالية على حملة بيرني ساندرز: أفكار جيدة، لكن الشعب الأمريكي ليس جاهزًا لها. هذا اتهام لا يصدق للمجتمع الأمريكي، الذي وفقًا لهذا الحكم، ليس قادرًا أن يصعد إلى مصاف ما هو عادي في أي مكان آخر: رعاية صحية للجميع، وتعليم عالي مجاني، ومقترحات ساندرز الأساسية.

لكن الانضمام الى باقي العالم يجب أن يكون الهدف الأدنى لحركة تقدمية شعبية. لماذا على القرارات المتعلقة بحيواتنا أن تنتقل من ممثلين منتخبين، الذين يملك الناس بعضًا من السيطرة عليهم على الأقل، الى ايادي "خاصة" غير قابلة للمحاسبة كما تحدد العقيدة النيوليبرالية. ولنقول أكثر من ذلك، لماذا على الناس أن يمضوا معظم حياتهم الواعية تحت آليات ضبط وسيطرة بشكل متطرف لم يحلم بها حتى ستالين، تلك التي تسمى "الحصول على وظيفة"؟ العمل تحت هذه الأوامر والإشراف الخارجي هو عدوان مباشر على الحقوق والكرامة الإنسانية الأساسية. ذلك الاشراف الخارجي والسيطرة التي اعتبرت محتقرة منذ اليونان وروما القديمة حتى القرن الـ19، والتي استهجنت بشدة من قبل الناس في بدايات الثورة الصناعية.

هذه مجرد بداية، عالم مختلف ممكن أن يكون، عالم مختلف جدًا.

اقرا ايضاً من تصنيف المزيد من الأخبار