2020-06-24

عن كورونا والتوجيهي والرواتب والترقيات

خالد بطراوي

هل تذكرون كتاب المفكر السوري بو علي ياسين "الثالوث المحرم" سبعينات القرن المنصرم؟ كان أيها الأحبة كتابا يتعلق بدراسات حول "التراث والدين والجنس".

حاليا أصبح لدينا ثالوثاَ محرماَ جديداَ يستدعي دراسات في " الكورونا والتوجيهي والراتب" فهي مسائل تقض مضاجع المجتمع الفلسطيني برمته وتحتاج الى تفسيرات علمية منطقية وليس تفسيرات على هدي المثل القائل"عنزة ولو طارت"، ويضاف إليها "مسألة الترقيات المدنية والعسكرية التي أعلن عنها قبل يومين، حتى تندر البعض وتحولت رواية الكاتب جابريل غارسيا ماركيز.. من "الحب في زمن الكوليرا".. الى "الحب في زمن الكورونا".. الى "الترقيات في زمن الكورونا".

كورونا ذلك الوباء الضارب في أرجاء المعمورة، ذلك الوباء الذي ظن بعضنا أنه "سحابة صيف "سيمر ويعبر بسرعة وأن" قافلة الشعب الفلسطيني سوف تسير بينما تنبح كلاب كورونا" بتنا نعيش مرحلته الثانية، التي ما هي إلا إمتدادا طبيعياَ لما سمي جزافا بالمرحلة الأولى، والتي بدأنا بإجراءاتها بما إستطعنا " من عتاد" لكننا تراخينا مع ضغط رأس المال وها نحن نشهد عودة أكثر شراسة ونلمس ذلك من خلال تزايد أعداد المصابين بهذا الوباء ما يعيدنا الى المربع الأول في مواجهته.

المواطن العادي يريد تفسيرا علميا لماذا عادت "كورونا" وإنتشرت بشراسة أكثر مما كانت عليه في السابق، ولماذا تزداد الأعداد من غير المخالطين للمصابين، فإن عرفنا الأسباب العلمية لذلك أمكننا بلورة سياسة مواجهة علمية أيضا لا تتسم برد الفعل العشوائي أو المؤقت أو المناطقي لهذه المحافظة أو تلك، وكما يقول المثل الشعبي "إن عرف السبب ... بطل العجب".
الأجهزة الرسمية تتحدث بخجل وتلمح الى موضوع تدني "وعي المواطن"واللامبالاة، والمواطن يصرّح وبملء الفم بأن السلطة الوطنية مقصرة على كافة الأصعدة الأمر الذي سبب هذا التزايد في أعداد المصابين. نحن هنا، بحاجة الى إستخلاص العبر والنتائج والبناء عليها.

التوجيهي ... التوجيهي وما رافقه هذا العام من خلق حالة توتر وأزمات نفسية ليس فقط للمتقدمين لهذا الإمتحان أو أهاليهم بل حتى أولئك الذين ليس لديهم طلبة توجيهي (وأنا من بينهم) لكنهم تأثروا أيضا وهم يرون الحالة النفسية التي مر بها الطلبة وذويهم.

الجميع (بالغالبية) مقتنع منذ سنوات وسنوات أن إمتحان التوجيهي يجب أن يتم إستبداله، الجميع أيضا مقتنع أن هذا الإمتحان لا يعكس المقدرة الحقيقية للطلبة، الجميع مقتنع أن المناهج التعليمية برمتها يجب أن تنتقل تدريجيا من ذلك النمط السائد منذ أربعينات القرن المنصرم وحتى الان المستند الى الحفظ والتلقين والإجابات النمطية الى البحث العلمي التطبيقي.

لكن الجميع يقول أن الكوادر التعليمية غير مهيأه لذلك، وأنا بدوري أقول أن الخطوة الأولى تتجسد في أن نضع سقفا زمنيا بحيث نقول مثلا في العام 2030 يجب أن يكون لدينا نظاما تعليميا بديلا عن النظام الحالي وبضمنه التوجيهي، ونعمل من الان على تهيئة الكوادر للبدء في إنتهاج نمط تعليم جديد يستند الى البحث العلمي التطبيقي، لكن أن نقول أننا "غير جاهزون" وكفى، فإن ذلك لن يحدث حالة إختراق وتغيير للنظام التعليمي القائم بل سنبقى كل عام نشهد حالة التوتر والإضطراب النفسي التي تعم الوطن برمته أثناء تأدية إمتحان " التوجيهي" وسوف تتراجع من دون شك مكانتنا العلمية بين دول العالم. إذا هنا أيضا، نحن بحاجة الى إستخلاص العبر والنتائج والبناء عليها يا " أولي الألباب".

الراتب ... وما أدراكم ما الراتب. وأقصد هنا راتب كادر المؤسسات الرسمية باختلاف مسمياتها.

لو سألنا أي "مراق طريق" هل أنت مقتنع أنه لا يوجد لدى السلطة الوطنية تلك المبالغ التي تغطي الرواتب؟"... لكانت الإجابة فورا "لا". الشعب برمته غير مقتنع أبدا أن لا أموال في خزينة السلطة لتغطية الرواتب، بل ويتندر البعض بالقول أن المسؤولين الفلسطينيين ظهروا في آذار ونيسان  2020 على وسائل الاعلام يؤكدون أن الرواتب لن تمس، وها هم في حزيران يوقفون الرواتب بالكامل وليتهم إقتطعوا جزءا في آذار ونيسان منها بدلا من وقفها برمتها في آيار وما أدراكم ربما تستمر مسألة عدم صرف الرواتب في الأشهر القادمة (لا سمح الله).

نحن هنا بحاجة الى إجابات أيضا علمية تتعلق بالأسباب التي دعت الجهات الرسمية الى عدم صرف الراتب، وبناءا على هذه الإجابة يتم إستخلاص العبر والنتائج كي لا تتكرر عملية حجب الراتب.
أما بخصوص رواتب الكادر غير الحكومي، حيث جرى عند بعض الشركات والمؤسسات غير الحكومية تخفيض الراتب، إن لم يكن الإستغناء عن بعض الموظفين، كيف بالله عليكم تفسرون لنا تبرعكم بمبالغ لصندوق وقفة عز، ثم تقومون بتخفيض الراتب في الأشهر اللاحقة أو في بعض الشركات بتقليص عدد العاملين؟  
نريد هنا أيضا أجابات علمية ونريد أيضا إستخلاصا للعبر والنتائج فالمشوار طويل.

الترقيات المدنية والعسكرية التي أعلن عنها مؤخرا تحتاج أيضا الى تفسيرات علمية، لم

اذا الان بالذات؟ وهل هي إستحقاق قديم؟ فإذا كانت كذلك فلماذا لم يتم ترقية كل من لديه إستحقاق قديم؟ ولماذا تقتصر الترقيات - في أغلبها - على أفراد ينتمون "لحزب السلطة" دون غيرهم؟ وكيف يستقيم ذلك كله مع "أزمة الرواتب وشحة الأموال"؟ وطالما أنه ورد صراحة في بعض هذه الترقيات عبارة "مع الإبقاء على الوضع الوظيفي" أي بما معناه دون تبعات مادية، فلماذا لا يصار الى ترقية كل من لديه إستحقاق أيضا " مع الإبقاء على الوضع الوظيفي"؟

مشوارنا في مناهضة الإحتلال والتصدي لكورونا ليس قصيرا أيها الأحبة، بل طويلا وممتدا، مناهضة الإحتلال مسألة مصيرية لن تنتهي إلا بإنتهاء الإحتلال وينبغي بلورة رؤيا تترجم الى استراتيجيات عمل تحدد المرحلي والاستراتيجي من المهام وأشكال النضال، ومناهضة كورونا ستمتد بتصوري – كحد أدنى - الى أكثر من عام من الان وتحتاج الى خطة وطنية شاملة لمكافحة هذا الوباء بمعادلة موزونة بين صحة الانسان وإنتاجيته والحد الأدنى من رفاهيته (لست ضد رفاعية الإنسان بالمناسبة). مناهضة التوجيهي تبدأ أول ما تبدأ بتحديد عاما دراسيا في المستقبل (أمل أن يكون اقرب ما يمكن) نعلن فيه أنه في ذلك العام سيتم الانتقال الى نظام تعليمي بديل ونقول فيه "باي باي توجيهي" ويصبح من التاريخ، الترقيات المدنية والعسكرية يجب أن تتم وفقا لأسس واضحة وشفافة للغاية تطبق على الجميع بسواسية وتتماشى مع القانون النظام.
فمن يعلق الجرس؟