2020-06-28

الحلم الأمريكي الى أين؟

| د. فؤاد خطيب

الحلم الأمريكي بني على أجساد الهنود الحمر وعلى دم وعرق وتعب وعذاب العبيد الأفارقة وعلى استغلال وضرب الشعوب المسالمة في شرق العالم وغربه، شماله وجنوبه وسرقة مصادر عيش هذه الشعوب وثرواتها بدون خجل وازع من ضمير.. ولا احترام أية قانون دولي سنته الانسانية بعد معاناة وصراعات متكررة عبر التاريخ دمرت العالم وقتلت مئات الملايين، كما يحدث الآن على سبيل المثل لا الحصر مع النفط السوري، وكما يحدث منذ الحرب الكونية الثانية وعشرات الحروب الامريكية ضد الشعوب.

كل هذه كانت حقيقةً حروبا عدوانية لصوصية أمريكية بامتياز، لم يتهدد الأمن الوطني الامريكي ولا مرة واحدة.  ما حدث هو العكس، أن أمريكا هددت أمن الشعوب والأمن والسلم العالمي. كانت حروب أمريكا ضد شعوب العالم المختلفة هجومية عدوانية لفرض الهيمنة العسكرية والاقتصادية والثقافية على العالم.

الآن يُداس هذا الحلم الأمريكي المزيّف والمجبول بدماء الشعوب بما فيها شعب الولايات المتحدة ذاتها تحت أقدام الثوار والمعارضين الأمريكيين من كل الأعراق وكل الاجناس احتجاجا على ظلم "الديموقراطية" الأمريكية، وعلى البطالة والفقر والتمييز العنصري ومن ثم غياب الحاجات الاساسية التي من الواجب أن توفرها هذه الدولة الغنية لشعوبها ومواطنيها وتحافظ على كرامة شعوب أمريكا من مختلف الأعراق والأجناس. يجب أن نذكر: تعيش اليوم في الولايات المتحدة 8 اثنيات أو شعوب ولكل اثنية فهمها وحضارتها ومعظمها من الفقراء او البرجوازية المتوسطة التي تفقد وتفتقر الى الغنى الفاحش الأمريكي الذي يذهب الى 1400 عائلة من البيض الانجليكانيين واليهود الذين يسيطرون على كل أوراق اللعبة الامريكية منذ عشرات العقود.

حفرت الامبريالية النيوليبرالية قبرها بيدها كما كتب ماركس قبل قرن ونصف. ها هي مقولته تكاد تتحقق في وكر الامبريالية الأكبر والأشرس في العالم. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة الغنية من سرقة ثروات الشعوب اصبحت آيلة للسقوط الان ولكن يمكن أن يكون هذا الحراك ضد العنصرية البيضاء التي تحكم أمريكا علامة فارقة في بداية النهاية لهذه الامبراطورية الجبارة.

أمريكا ما زالت قوية وتملك أكبر قوة مسلحة في العالم وأكبر قوة اقتصادية وقادرة فعلا على تدمير الكرة الأرضية عدة مرات، وهذا خطر يتعاظم مع وصول هذا الرئيس الذي يعادي معظم البشرية ويعاني من عاهة كبرياء العظمة والفظاظة القصوى ومن تعقيدات الشخصية العنصرية.. أمريكا بعد هذا الحراك المبارك من شعبها ومن شعوب العالم التي ظلمتها وما زالت تراكم النقمة عليها. نعم سكان الأرض بمعظمهم باتوا يكرهون وبحق حكام أمريكا ويقفون بشدة مع الشعب الأمريكي الثائر بحق من اجل نيل حقوق وجوده وتحقيق شيء من العدالة الاجتماعية التي غابت عن إمبراطورية الشر هذه ومنذ أن تأسست جائحة الكورونا قضت على الحلم المزيف والكاذب.

بعد هذه الجائحة الكارثة في أمريكا بالذات وبعد هذا الحراك الثوري في الشوارع والساحات لم تعد ولن تعود أمريكا "الديمقراطية زعيمة العالم الحر" كما كانت تدعي الرأسمالية المزيفة التي تشوهت واحترقت في شوارع نيويورك وواشنطن وعشرات المدن الكبيرة من الساحل الغربي الى الساحل الشرقي. لا أحد قادر اليوم على تحديد ما هو القادم وما هو المصير بعد أن تلطخت صورة أمريكا بدماء الثوار هناك.

اذا استمر ذلك الرئيس العنصري في مكانه ليس بعيدا أن يصدّر مشاكله حتى يؤخر موعد الانتخابات القادمة التي لن تكون في صالحه. هو قادر أن ينزل الجيش الى الشوارع كما يهدد ويعلنها حربا على الشعب الامريكي.

الحل الأمثل لشعوب أمريكا والعالم أن يغير هذا النظام ويغير دستوره العنصري المكتوب منذ اكثر من 250 عاما، ويقوم الان بسحب قواعده العسكرية الـ 900 من العالم وفيها 900.000 جندي، فهي قائمة ضد شعوب الأرض. وأن يهتم النظام الحاكم هناك بشعبه وتصليح بنيته التحتية المهلهلة والغاء تصرفه الهمجي العنصري المعادي لمعظم الانسانية. العالم فعلا يتغير وسيتغير أكثر لصالح الشعوب، والولايات المتحدة اليوم ليست القوة العسكرية والاقتصادية القوية الوحيدة في هذا العالم. نشهد قيام قوى قادرة على لجم الدور الامريكي الاستكباري المعادي للإنسانية وتطورها بطرق سلمية وندية. على أمريكا الآن أن تترك شعوب الأرض بحالها تبني وتطور ذواتها ليس تحت الهيمنة الامريكية الخارجة أصلا عن القانون الدولي وعن الأخلاق. وقد صدق شاعرنا الكبير عندما قال "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت/ فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا".