2020-06-27

الاقتصاد العالمي وخطر الانهيار الوشيك

كتبت/ لينا كنوش

وفقاً للتوقعات الصادرة عن صندوق النقد الدولي في 24 حزيران الحالي، فإن الناتج الإجمالي العالمي سيسجّل تراجعاً بنسبة 4,9%، وهو يزيد عن ذلك المتوقع في نيسان/ أبريل الماضي بـ 1,9%. الأرقام المحدثة لمؤسسة «بريتون وودز» الشهيرة تظهر أن التراجع في الناتج المحلي الإجمالي سيرتفع إلى نسبة الـ 8% في الدول الصناعية؛ فيصل إلى 12,8% في إسبانيا والبرتغال و12,5% في فرنسا.

وفي أميركا اللاتينية، ستواجه البرازيل والمكسيك مصاعب كبيرة. وحدها الصين ستحقق نموّاً بالحد الأدنى بنسبة 1%. ستكلف الأزمة، حسب الصندوق، 12 مليار دولار على أقل تقدير للاقتصاد العالمي، وهو أمر لا سابق له، ما يحيي النقاش حول الإجراءات الطارئة الواجب اتخاذها لتجنّب التهديدات المحدقة بالنظام الاقتصادي العالمي برمّته.

ينقسم الاقتصاديون والخبراء الماليّون حول هذا الموضوع.

المقاربة التي تتبنّاها معظم التحليلات، تقترح العودة للوصفات التي اعتمدت في مواجهة أزمة 2008، والتي لم تتسبّب إلا بكساد عالمي بنسبة 0,1%. هي تفترض أن الاقتصاد يمر بمرحلة تاريخية تتضافر فيها أزمة في العرض والطلب مع انخفاض متزامن في الإنتاج والاستهلاك منذ بداية جائحة «كورونا». فقد كان لإجراءات الحجر والانخفاض الكبير في المداخيل أثر بالغ على نمط الاستهلاك. من جهتها، قامت الشركات بتخفيض استثماراتها ربطاً بالهبوط الحاد للطلب وانقطاع العرض الناجم عن إغلاق المصانع وغياب أي آفاق واضحة بالنسبة إلى الأرباح التي قد تحققها. للتصدي لدوامة الركود، الناتجة من انخفاض الاستهلاك والاستثمارات، المطلوب هو دعم الطلب عبر مساعدة العاملين على الاحتفاظ بمداخيلهم. الرافعة الأولى لذلك هي اتباع برامج تتضمن توزيعاً للمال العام مباشرة على العائلات، كما تم في الولايات المتحدة خلال شهر نيسان، لمبلغ قدره 250 ملياراً. هذه الخطوة، إضافة إلى عدم البرهان على فعاليتها، لا تحلّ جوهر المشكلة لأن الخطر الأكبر يتهدّد الشركات التي توظّف قطاعات واسعة من المجتمع وتؤمّن لها الدخل. عدد متزايد من هذه الشركات هو اليوم في طور الإفلاس والعجز عن سدّ ديونه.

لقد شجعت سياسات معدلات الفائدة شبه المعدومة التي اعتمدتها البنوك حيال الشركات هذه الأخيرة على الاستدانة بلا حدود. لكن، وفي سياق الجائحة الحالية، الذي أفضى إلى انخفاض إجمالي رقم أعمالها بنسبة قد تقترب من 50%، فإن حالات التوقف عن الدفع تتضاعف. وغني عن القول إن تداعيات مثل هذا الانهيار للشركات كارثية على مداخيل العائلات وعلى النظام المصرفي أيضاً. فالبنوك الدائنة تجد نفسها على شفير الإفلاس، ما يعني أن أزمة مالية ستندلع بالتلازم مع تلك الاقتصادية وتؤدي إلى تفاقمها. للحدّ من هذه المفاعيل ومن المخاطر على النظام الاقتصادي، يقترح اقتصاديون أوروبيون تدخّلاً على مستويات ثلاثة: أن يقوم البنك المركزي الأوروبي بشراء ديون الدول المضطرة لذلك، لتتمكن من الاستمرار بالإنفاق العام. هذه الخطوة، التي تسمى من قبل الخبراء «تخفيف العبء الكمي»، ستسمح للدول بالحدّ من أعباء الأجور والضرائب على الشركات. لكن هذا القرار لن يكون فعّالاً إلا إذا ترافق مع شراء ديون الشركات، لأن الدول لا تستطيع أن تنجدها بالاستناد إلى قدراتها وحدها. المطروح هو تشجيع المؤسسات المصرفية، التي تتمنع عادة عن تسليف شركات معسرة، على أن توفر لها خطوط ائتمان، وأن تفعل ذلك رغم انكشاف حسابات الأخيرة. يترتّب على ذلك طبعاً السعي لطمأنة البنوك التجارية عبر تقديم الدولة ضمانات تجاه انكشاف حسابات هذه الشركات. باختصار، على سلطات الرقابة المصرفية أن تلزم، بطريقة أو بأخرى، المصارف بأن تقدّم تسهيلات للشركات بكفالة من الدولة.

في الواقع، فإن هذه الاستراتيجية ليست سوى تكرار لسيناريو 2008، لكن حل مشكلة الاستدانة عبر الحصول على المزيد من القروض هذه المرّة قد يمكّن من تأجيل الانفجار المالي لسنتين أو ثلاث على الأكثر. بالنسبة إلى المراقبين الأكثر اطّلاعاً، فإن التداعيات السلبية لهذا القرار ستكون مهولة مقارنة بتلك التي تبعت أزمة 2008. ويعتقد البعض أن جائحة «كورونا» كانت عامل تسريع لانكماش اقتصادي بدأ قبلها، وكشفت نمواً زائفاً نجم عن الاستدانة لا أكثر. أصحاب هذا الرأي يؤكدون أن اقتصاداً متيناً ومزدهراً كان سيتجاوز بسهولة أكبر آثار الجائحة. لكن في الظروف الحالية، فإن الانهيار بات وشيكاً بسبب خيارات البنوك المركزية. فبعد سنوات من تخفيضها لمعدلات الفائدة على القروض، وهو ما يفسر الاستدانة غير المسؤولة للشركات، هي تشرع اليوم بطباعة العملة لدعم الأسواق. سيكون لهذا القرار تداعيات على قيمة العملة دون أن يؤثر على الاقتصاد الفعلي.

الحل الإنقاذي الوحيد، الذي لا يجد آذاناً صاغية إلى الآن، هو تغيير جذري في النموذج الاقتصادي المعتمد. قدّمت عدة اقتراحات في هذا الاتجاه كالدعوة إلى التحرّر من النزعة الاستهلاكية المفرطة لتعزيز انتعاش الاقتصاد الحقيقي. إضافة إلى ذلك، فقد أظهر النموذج الفنلندي أهمّية محاكمة المسؤولين عن الأزمات، أكانوا بنوكاً أم شركات تستدين بأكلاف باهظة لتطوير أنشطتها. أخيراً، من الضروري إعادة الاعتبار للوظيفة الأصلية للبورصات، وهي تأمين التمويل للشركات، ووقف عمليات البيع والشراء عبر الذكاء الاصطناعي (آلاف عمليات البيع والشراء بالساعة الواحدة High Frequency Trading).

* الصورة (أ ف ب) - الاخبار اللبنانية