2020-06-30

فائض وجع

سمير دياب

ولد الإنسان وهو يصارع من أجل توفير مستلزمات حياته وحريته وكرامته. اليوم، يعود التاريخ إلى عصور قديمة جداً، حيث يعيش العالم واقعا اقتصاديا واجتماعيا مخيفا جداً جراء تفشي طاعون جرذان المال والسلطة الذين قرضوا وقرطوا الإنتاج والأموال والأرزاق، ولم يتركوا شيئاً للفقراء بأسم نيوليبرالية الفوضى والنهب التي استأثرت بكل الخيرات والدولارات لمنظومة رأسمالية مريضة بالتهام المال ونهب جيوب العمال والفئات الكادحة، كما كان يفعل سلاطين روايات الف ليلة وليلة.

لثعالب الطغمة السياسية والمالية نظريتهم الفوضوية يطبقونها بقوة الحروب والصراعات والتدمير، أو بحرق أسعار السوق، أو بالحروب الاقتصادية الخشنة والناعمة، أو بالعقوبات والحصارات وتجويع الشعوب. لكن أيضاَ، للطبقة العاملة وعموم الفقراء نظريتهم العلمية المقاومة التي تناصب العداء الطبقي للنظرية الرأسمالية بفضح أهداف نظامها العالمي، وأنظمة أتباعها المحليين الفاسدين، وقصصهم الخرافية حول سعادة البشرية.

ما بين الطبقتين الرأسمالية والعاملة، صراع طبقي تناحري تاريخي. يتظهر احياناً، ويتموه بأقنعة احياناً أخرى، حسب الظروف وأدوات العمل ونسبة القوى والتنظيم. إنها سيرورة عادة ما تكون بطيئة ومتدرجة، أو تقطعها الحروب والثورات وتعجل في مراحلها، وتدفعها قدماً كمحرك للتطور التاريخي. أما أسبابها الحقيقية فتكمن في أن نظاماً سياسياً ما، قد شارف على نهايته، ولم يعد قادراً على تطوير قوى الإنتاج، أو على إعادة إنتاج أي شيء، بما فيها إنتاج ذاته. وهذا ما يحصل بعد تعمق أزمة النظام الرأسمالي.

هنا، تكمن معرفة ماركس حين افتتح بيانه الشيوعي بمقولة "ان تاريخ كل الطبقات الموجودة إلى حد الآن هو تاريخ صراع الطبقات". أما جوهره فيتمثل في قسمة الفائض الذي تنتجه الطبقة العاملة، بحيث لا يمكن تفادي هذا الصراع حتى تبلغ القوى المنتجة المستوى الكافي من التطور الذي يسمح لها بإلغاء الفقر ونقص الإنتاج لكل كائن بشري. لذا فإن النظرية العلمية للطبقة العاملة وعموم الكادحين الفقراء هي القاعدة الصلبة لخوض معركة الصراع الطبقي لغاية إنسانية عادلة. ومن دون هذا الاسناد، ينحرف الصراع عن طريقه ويتجه إلى مكان لا يخدم الطبقة العاملة وعموم الفقراء، بل يعزز قدرة الطبقة المسيطرة على التماهي في تدفيع الطبقة العاملة كل فواتير وفوائد أزمة النظام الرأسمالي.

الواقع الاجتماعي وظروفه القاهرة راهناً، لا بد أن يحدث وعياً جماهيرياً عاجلاً أم آجلاً. لكن هذا الوعي لا يجب أن يبقى عفوياً. بل، من الضرورة أن يحاط بحضانة اجتماعية وسياسية وثقافية توفر له الشروط المادية والمعنوية للوعي على أهمية التغيير الجذري من خلال طرح مشروع التحرر الوطني بقيادة ثورية.

لذا، فإن مهمة الشيوعي واليساري والتغييري الوطني تقتضي خوض هذا النضال بقوة، وتسليح الجماهير الشعبية بالوعي لمعرفة كيفية وآلية خوض معركة" فائض الوجع" من أجل حقها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية .

المعركة الوطنية الطبقية في مواجهة النظام الرأسمالي أو أدواته السياسية التابعة قاسية ومكلفة جداً. لذا، يجب أن يتظهر المشروع الثوري البديل برؤية سياسية واضحة، وصيغة تنظيمية متماسكة، وقوة وسرعة في التحرك للاستفادة من أزمة النظام الرأسمالي وإفلاس حلوله الاقتصادية والاجتماعية، وإلا ستكون البدائل أكثر تطرفاً وفاشية.