2020-07-01

ألرواية الفلسطينية تخترق الحواجز داخل الولايات المتحدة الأميركية

سعيد مضيه

يغفو وهو قاعد يلملم أحزانه، يغط بالنوم ويسمع شخيره من بعيد ليفوق على صدمة ويشرع يشتم العالم صاحب القلب المتحجر، أو يضرب كفا على كف متحسرا، إذ لا أحد يقف بجانبه في محنته. والحقيقة عكس ما يتوهم محترفو الندب والشتم، هم قاعدون وقعودهم يضعهم بمنأى عما يحدث بالعالم، خاصة تصاعد المعارضة الشعبية للعنصرية، خاصة داخل كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

الغافلون عما يجري في هذا الكون لا تصلهم أخبار حركات التضامن تهب مع شعب فلسطين والإدانات لممارسات إسرائيل تنطلق في جنبات الأرض، حتى داخل المجتمع الأميركي. وانى للغاعل أو النائم ان يدرك ما يدور حوله، ناهيك عما يحدث بالعالم. ربما نجد العذر للمتباكين والشتامين في تقصير إعلامنا في نقل أخبار التضامن مع القضية الفلسطينية. الغريب، حيث تنقل أخبار الاحتجاجات الأميركية ضد التمييز العنصري ترِد عفوا بدون تعليق أو تركيز لقطة عابرة تربط الإرهاب ضد السود بالإرهاب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، او أن الشرطة الأميركية تتلقى التدريبات وأجهزة التصنت والمراقبة والتجسس،إلى جانب أساليب البطش بالمقاومين وبالحركات الشعبية من أجهزة الأمن الإسرائيلية. حتى هذه القضايا الجوهرية يجري أهمالها!

"في الوقت الراهن لا أحد يقوم بالتعبئة السياسية خلف أي موضوع، محلي أو كوني، دون أن تكون فلسطين طرفا في التعبئه- إن لم تكن الموضوع الرئيس تكون احد الموضوعات الرئيسة."

"انفجر خزان الأكاذيب الإسرائيلية فلجأت الى سلاح اللاسامية والمحاكم."

"لم يعد ممكنا إعادة تموضع إسرائيل في البنية الجامعية(بالولايات المتحدة) دولة لا تعتبر منتهكة لحقوق الإنسان وللقانون الدولي."

وردت هذه العبارات في تقرير عن النشاط داخل الجامعات الأميركية أعده أستاذ جامعي يحتل مكانة مرموقة في الحياة الأكاديمية الأميركية. حاتم بازيان يشغل منصب كبير المحاضرين في أقسام الشرق الأدنى والدراسات الإثنية بجامعة كاليفورنيا -باركلي. حاضر في مدرسة القانون في بولت هول بالجامعة، وهو أستاذ زائر بالدراسات الدينية بكلية سينت ماري بكاليفورنيا ومستشار لدى مركز باركلي للدين و العلوم السياسة والعولمة، وكرسي الشئون الأكاديمية بكلية الزيتونة بكاليفورنيا، كما أنه المستشار لدى الشبكة (مؤسسة إخبارية). أسس مركز باركلي لبحوث الاسلاموفوبيا وتوثيقها، وهي وحدة أبحاث مكرسة للبحوت الممنهجة في إقصاء الإسلام والمسلمين. ويشغل أيضا منصب رئيس مجلس المسلمين الأميركيين من أجل فلسطين.

ولا ننسى ما قاله نوعام تشومسكي، المفكر الأميركي البارز المناهض للعنصرية وللسياسات الأميركية، في إحدى المقابلات: كنت أستدعي الشرطة تتولى حراستي حين أخطب في موضوع النواع الإسرائيلي – الفلسطيني. كان عذا في وقت مضى، وتغير الأمر منذ عشر سنوات. ألقي محاضراتي ويشهدها جمع غفير يؤيد ما أقول.

يكتب حاتم بازيان في تقريره:

أصدر الحق الفلسطيني( هيئة قانونية تتولى الدفاع عن النشطاء من أجل فلسطين) تقريرا لاحظ فيه أن غالبية الضغوط الممارسة ضد الدعاية لفلسطين بالولايات المتحدة تستهدف الطلبة والكليات الجامعية. وبصورة خاصة فإن 89 بالمائة من تلك الحالات جرت داخل الحرم الجامعي عام 2014 و74 بالمائة عام2019 .

في نفس الوقت نمت الحركة من أجل حقوق الشعب الفلسطيني، مع تنامي النضالات الديمقراطية الكونية الأخرى ضد الأبارتهايد في جنوب إفريقيا وضد التدخل الأميركي في اميركا الوسطى وضد غزو الولايات المتحدة للعراق وحرب الخليج الأولى. وبالتزامن جرت حملات سياسية محلية ضد تخفيضات إدارة ريغان ميزانية التعليم والرعاية الصحية وحماية البيئة، وكذلك حربها المشبوهة ضد المخدرات، بالاستناد الى القانون الشامل للتحكم بالجريمة لعام 1984، والذي وسع مجمع السجون الصناعي وأمعن في تجريم السود والملونين.

بزغت الحركات التقدمية من هذه الحملات التي موضعت فلسطين أكثر مركزية من ذي قبل. فقد تحدى النشطاء الفلسطينيون والنشاط من أجل فلسطين التحولات في الأولويات الوطنية ودعموا النضال المناهض للأبارتهايد والحملة ضد تغلغل الولايات المتحدة في جمهوريات أميركا الوسطى والحركة ضد غزو العراق.

بالمقابل اتخذت المنظمات المؤيدة لإسرائيل المواقف الخاطئة من التاريخ: قاومت العقوبات على جنوب إفريقيا العنصرية؛ وحاولت حماية مبيعات الأسلحة من إسرائيل لنظام الأبارتهايد. وعلى نفس المنوال دعمت إسرائيل وهي تقدم المشورة والدعم لفرق الموت في أميركا الجنوبية. ولدى التدخل الأميركي في الشرق الأوسط قدمت إسرائيل وأنصارها الدعم للمجهود الحربي الأميركي، حيث رأت فيه الفائدة لأمن إسرائيل.

بفضل التعبئة السياسية التقدمية والنضالات المحلية غدت القضية الفلسطينية في مركز تنظيم النشاط. فقبل ثلاثين سنة دأب اليسار السياسي بالولايات المتحدة، وهو يقوم بالتعبئة من اجل السلم والعدالة والعمل، على الجدل هل يسمح برفع العلم الفلسطيني، ناهيك عن دعوة فلسطيني للتحدث الى الاجتماع. اما في الوقت الراهن فلا يمكن لأحد القيام بالتعبئة السياسية خلف أي موضوع، محلي أو كوني، دون أن تكون فلسطين طرفا في التعبئه- إن لم تكن الموضوع الرئيس تكون احد الموضوعات الرئيسة. بالمقابل بالكاد يتمكن المتحدثون باسم إسرائيل من إيجاد حيز نظرا لأنهم وضعوا ثقلهم بجانب التجمع الصناعي العسكري وتدخلاته المؤذية.

أحدث العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تحولا حاسما في التفكير حول إسرائيل، سواء بين القواعد أو لدى المحللين السياسيين. بات الطرفان على وعي بان إسرائيل تنتهك القانون الدولي، وما من كابح في انتهاكاتها لحقوق الإنسان الفلسطيني. يضاف لذلك ، بينما تهيمن الأجندة الموالية لإسرائيل على الميديا الرئيسة مع الإصرار الدائم على أن "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها"، فإن السوشيال ميديا الاقل مراقبة والشبكة العنكبوتية تقدم إعلاما مختلفا يتخذ موقفا نقديا على الجانب المقابل من الطيف السياسي- الأمر الذي حمل الميديا الرئيسة على الشروع بتغيير الموقف.

الدعاية لفلسطين داخل الكليات الجامعية

بفضل ما تقدم، تعززت الدعاية لفلسطين داخل الكليات الجامعية. وبالفعل غدا منظور التضامن مع النضال الفلسطيني هو المهيمن داخل الجامعات؛ احد ألأمثلة على التحول الحاصل هو تشكيل وانتشار جماعة من الطلبة أطلقت على نفسها "الطلبة من اجل العدالة في فلسطين". بزغت المنظمة في جامعة باركلي بكاليفورنيا عام 1992. بدون طلبة فلسطينيين في الجامعات الأميركية يتراجع الجهد لتنظيم تحرك من أجل حقوق الشعب الفلسطيني. فأثناء أزمة الكويت ومناسبات اخرى تناقص إرسال الطلبة الى الولايات المتحدة، كما أن اتفاق اوسلو قلص النشاط الفلسطيني المرتبط بالحركة الأوسع عابرة الدول، نظرا لأن منظمة التحرير وافقت في اوسلو على تقليص دعايتها المناهضة لإسرائيل.

والمنظمة، منذ تأسيسها، مدت ذراعا قوية داخل الجامعات وبين الشبيبة تبلورت في الاتحاد العام للطلبة الفلسطينيين وله فروع عابرة للقارات، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة. تضاءل دور الاتحاد وقدراته وأهميته مع تحول المنظمة الى سلطة فلسطينية في الضفة وغزة. اما حركة من أجل العدالة في فلسطين فقد اتسع نشاطها ولها الآن فروع في أكثر من مائتي جامعة بالولايات المتحدة وكندا ونيوزيلندا. وانضم الى الحركة عدد من الطلبة الذين ساعدوا النضالات التحررية والمناهضة للعنصرية في جنوب إفريقيا واميركا الوسطى، وذلك لأنهم رأوا الترابط بين هذه النضالات.

في ذات الوقت، تزايدت أعداد اليهود الأميركيين ممن لم يعودوا ينظرون الى إسرائيل الجزء المركزي من هويتهم، وباتوا يعرّفون أنفسهم مناهضين للصهيونية. أقدم عدد كبير من هؤلاء على الانضمام الى حركة الطلبة من اجل العدالة في فلسطين. فهؤلاء الشبيبة لا يلتزمون بمناهضة تجمع السجون الصناعي والعسكرة والعنصرية وقضية المهاجرين دون ان يروا فلسطين الاستعراض المبدئي لما باتوا غريزيا يرونه الخطأ : الأبارتهايد في إسرائيل.

يعود لجزء كبير من أنشطة الطلبة من اجل العدالة بفلسطين وغيرها من المجموعات الجامعية في أنحاء الولايات المتحدة والعالم غياب أي قضية تخص إسرائيل موضع البحوث العلمية والأكاديمية. تلك التحولات السياسية الممتدة خلال 20-30 عاما يجب احتسابها ونحن نقيس لماذا تتصرف إسرائيل في الوقت الراهن بطريقة مضطربة، محاولة استعادة الدعم ، حيث انفجر خزان الأكاذيب والتمويه. بات أنصار إسرائيل يوجهون تهم اللاسامية ويرفعون قضاياها الى المحاكم ومن ضمنها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات.

في نفس الوقت تحاول هذه القوى حمل الدولة والكونغرس على سن تشريعات تحمي إسرائيل من حق حرية التعبير حين يتعلق الأمر بفلسطين. وهذه غلطة استراتيجية، ان التركيز على الإسكات كإجراء وقائي ينقل النقاش حول التعديل الأول للدستور الأميركي، الذي بقي حتى الآن حقا مضمونا داخل السياق الأميركي.

حكومات إسرائيل تشهر قلقها بلجوئها الى القوة المجردة ؛ وبالفعل فدليل القوة الحقيقية يتجلى في القدرة على كبح النفس والامتناع عن اللجوء الى القوة لأن الناس تخشى التلويح بالقوة. بهذا المعنى إسرائيل تحاول يائسة إقامة سد يحمي موقفها المتداعي بسرعة، بما في ذلك موقفها داخل المجتمع الأميركي الأوسع.

لقد تخلت قواعد الحزب الديمقراطي وهيئاته الوسطى، على سبيل المثال، عن اعتبار إسرائيل موضوعا مركزيا في برنامجها؛ ومعروف كيف هاجم رئيس وزراء إسرائيل الرئيس اوباما، ما أدى هذا كله الى إدراك العديدين داخل الحزب أن استهداف اوباما يعود الى زيادة نفوذ حزب الشاي وأدى الى نجاح ترمب في الانتخابات. كل ذلك ساعد على لخبطة خط الحزب إزاء اسرائيل.

لم تجد محاولات إسرائيل استخدام القوة المكشوفة لإسكات النقد قبولا لدى أعضاء الحزب الديمقراطي. وعلى هذا اعتمد بيرني ساندرز في دعايته. ورغم ان الأمر التنفيذي الرافض للاسامية الصادر عن الرئيس ترمب في ديسمبر 2019 قد يبدو كارثيا – يسمح الأمر بسحب التمويل عن مؤسسات، بناء على تعريف اللاسامية بانها نتقاد إسرائيل، وذلك من قِبَل ( الائتلاف الدولي للتذكير الدولي بالهولوكوست)، هذا التعريف يحيل الدعاية الفلسطينية مشمولة بتهمة اللاسامية – فمن المهم إدراك ان واقع إسرائيل يتزعزع منذ اتفاق اوسلو. هذا الأمر محاولة طائشة لوقف التدهور. علاوة على أن ترمب، حين يضع اسمه على شيء تعارضه قاعدة كبرى لا لسبب إلا لأن ترمب دعمه. بات من غير الممكن إعادة مكانة لإسرائيل داخل التنظيم الجامعي والمجتمع المدني الأوسع دولة لا تنتهك حقوق الإنسان والقانون الدولي.

بالطبع ، على المدى القريب ستظهر نتائج سلبية على الطلبة والكليات ، لمحاولات مثل إغلاق مساقات حول فلسطين، تعطيل الشبكة العنكبوتية، والتنديد بأقسام ومجموعات طلبة. كمثال توضيحي لتلك الصعوبات الهجمات الجارية ضد مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورجتاون والطلبة من أجل العدالة في فلسطين وقسم الأبارتهايد بجامعة كولمبيا.

أيا كانت الحملات، رغم أنها تفيد حكومة إسرائيل وترمب على المدى القصير، فعلى المدي البعيد فإن التغيرات في مكانة إسرائيل لا تقبل التراجع. لم يعد ممكنا إعادة تموضع إسرائيل في البنية الجامعية دولة لا تعتبر منتهكة لحقوق الإنسان وللقانون الدولي.

تكثير الدراسات الفلسطينية بالجامعة

على الطلبة والكليات وكل من يعمل بالمؤسسات الجامعية المطالبة بإدماج فلسطين وشمولها بدون شروط، مثلا يتوجب الإصرار على المساقات التي تتحرى الشأن الفلسطيني ووضعها ضمن سياق محدد واقترانه برفض سؤال هل ذلك"جيد لإسرائيل" او سؤال "ما مدى علاقته بالصهيونية". بذلك تأتي خطوة مفتاحية مقاربة الشأن الفلسطيني ضمن سياق النضالات التحررية الأممية – جعلها جزءًا من التاريخ المعاصر المشترك للإنسانية جمعاء، وليس الاستثناء. إدخال مساق قضايا راهنة، على سبيل المثال، مقارنة بين الحركتين التحرريتين في الصحراء الإفريقية وفلسطين. مثل هذا المساق لن يشمل جنوب إفريقيا فقط، بل سوف يدقق في اندماج الحركة الفلسطينية بحملات الوحدة الإفريقية ونشاطها المشترك في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الفائت ضمن الحركات المناهضة للكولنيالية ومن أجل تصفية الكولنيالية. وفي مساق آخر يمكن إدراج فلسطين مع اميركا اللاتينية ، حيث توجد جاليات فلسطينية هناك.

وعلى الطلبة والكليات الإصرار على تطوير قدرات المؤسسات ضمن مختلف الجامعات والمعاهد. فحتى الآن لا يوجد دراسات فلسطينية سوى في جامعة براون وجامعة كولمبيا. وبمقدور الطلبة حشد الضغوط لإقرار برامج بنفس طريقة تطوير البرامج الإثنية خلال عقدي الستينات والسبعينات. إن إنشاء برامج دراسات عن فلسطين أمر مهم.

على الأكاديميين العاملين من أجل فلسطين كذلك التعبئة من اجل تحصيل الموارد لدعم هذه البرامج.. الفلسطينيون بالولايات المتحدة وخارجها لم يطوروا استراتيجيًا مصادر تمويل، وعليهم الإهابة بهؤلاء المتبرعين للاستثمار في مبادرات طويلة الأمد ذات نتائج إيجابية على النضال الفلسطيني.

واخيرا يجب تعزيز الفرق الحقوقية التي توفر الحماية في الهيئات الأكاديمية؛ المركز الحقوقي الفلسطيني الذي تأسس العام 2012 يقدم مساندة تعظم الحاجة اليها ؛ غيران هذا النشاط يجب تعزيزه وتكثيفه.

باختصار يجب إدراك الهجمات ضد الأكاديميين ومنظمات الطلبة من أجل العدالة في فلسطين والنشطاء الفلسطينيين على أنها طويلة الأمد تاريخيا مع التفهم العميق للخط البياني باتجاه العدالة، الجاري داخل الكليات الجامعية على الصعيدين القومي والدولي. تنشط جهود إسرائيلية جيدة التمويل تديرها مؤسسات متشابكة لشيطنة الفعاليات الفلسطينية، يجب ان تساعد الحجج الأخلاقية والمعنوية والثقافية المعارضة بنجاح لتلك الجهود على مواصلة النضال من أجل تحرير فلسطين وإنهاء الأبارتهايد.

في مواجهة المعترضات الهائلة فإن المستقبل الفلسطيني يتشكل اولا داخل فلسطين التاريخية، وكذلك في حركات التضامن وحركة (بي دي إس) عبر العالم وفي الكليات الجامعية. ومثلما انتهى أبارتهايد جنوب إفريقيا الى مزبلة التاريخ فإننا نقترب من فلسطين المحررة.