2020-07-03

ورقة صغيرة مطلية بالكلوروفيل: عن العولمة وسطوة الدولار

 الأشياء تتداعى، الفوضى المحضة أُطلقت على العالم، والعولمة لا يمكن أن تصمد.  نعلم ذلك لأن هنري بولسون، الذي كان في يوم من الأيام الرئيس التنفيذي لشركة غولدمان ساكس (Goldman Sachs)، ثم وزير الخزانة الأمريكي خلال الأزمة الأخيرة، يحشد رأسمالي العالم للدفاع عن العولمة من الحمائية، وإعادة شراء السلع المصّدرة، وضوابط الهجرة.

يدرك بولسون أن هذه حرب أفكار، فقد حذر في أعمدة الفاينانشيال تايمز من أن «المعركة الوشيكة ستضع قوى الانفتاح المتجذرة في مبادئ السوق، ضد مبادئ الإغلاق عبر أربعة أبعاد: التجارة، تدفقات رأس المال، الابتكار والمؤسسات العالمية».

| آن بيتيفور

ترجمة: شاكر جرّار

إن هذه «المعركة الوشيكة» تميل بالفعل لصالح طبقة الدائنين في العالم، المدعومة من قبل محافظي البنوك المركزية، وعلى وجه الخصوص من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي يفعّل أقوى سلاح لديه، وهو الدولار الأمريكي، تلك «الورقة الصغيرة المطلية بالكلوروفيل». لقد أوضحت أفعالهم أنه قد لا تكون هناك لجنة دولية لإنقاذ الناس من جائحة عالمية، ولكن هناك لجنة دولية تنشئ «شبكة أمان عملاقة» لإنقاذ القطاع المالي الخاص من الجائحة. انخرط محافظو البنوك المركزية في إجراءات حاسمة وموسعة ومنسقة دوليًا لإنقاذ الرأسمالية الريعية، على الرغم من أن حكومات ترامب وبولسونارو ومودي وجونسون أساءت التعامل بشكل خطير مع أزمة كورونا. إن صعود القومية والحمائية التي أوصلت هؤلاء القادة الاستبداديين إلى السلطة، إلى جانب عمل البنك المركزي الاستثنائي لدعم وول ستريت ولندن، كلها ردود فعل على (ونتائج لـ) الآثار الخارجية السلبية التي تشكل سمات العولمة الأساسية: الاتصال والتكامل. هذه الجائحة هي كذلك نتيجة للمخاطر الصحية الشاملة المتأصلة في اتصال وتكامل مشروع العولمة.

أين يقف التقدميون في ساحة المعركة الدولية؟

أين يقف التقدميون في ساحة المعركة الدولية هذه فيما يخص الأفكار المتعلقة بالعولمة والسياسة النقدية؟ إذا بنينا حكمنا على مستوى ونبرة النقاش العام الغربي، فإن التقدميين على هامش الساحة المؤيدة والمناهضة للعولمة. قدمت كل من الحملة الانتخابية التي قادها جيريمي كوربين وترشح بيرني ساندرز للرئاسة في الولايات المتحدة تحليلًا سليمًا وتعاطفًا عميقًا وتضامنًا صادقًا مع ضحايا العولمة وتدهور المناخ. لكن حملتيهما ركّزتا غالبًا على القضايا المحلية: الأنظمة الصحية، تأمين السكن بأسعار معقولة، تأميم السكك الحديدية والعطف على الفقراء والمشردين؛ بينما تجاهلت [الحملتان] البنية التحتية المالية المعولمة التي تكاد تجعل إصلاح هذه القطاعات مستحيلًا، إضافة إلى المؤسسة السياسية التي ستقاتل حتى الموت دفاعًا عن النظام.

هذا الجهل بالعناصر المؤذية للنظام النقدي الدولي وتأثيره على الجنوب العالمي يُخمد النقاش ويثبط «الاحتمالات الراديكالية». ففي نهاية المطاف، لا يمكن تغيير نظام، وإعادة تصميم بنية مالية دولية، دون أن يكون هذا النظام مفهومًا ومناقشًا.

بكلمات أخرى، كي نقرر إلى أين نتجه، يجب أن نفهم كيف وصلنا إلى هنا.

كيف وصلنا إلى هنا؟

على النقيض من التجربة الأخيرة للأزمة العالمية، أدت صدمة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية إلى الكثير من النقاش العام حول النظام المالي الدولي. كان جون ماينارد كينز مساهمًا منتظمًا في الصحافة الشعبية، بما في ذلك صحيفة الديلي ميل (Daily Mail) اليمينية، وأشرك الجمهور في نقاشات البث الإذاعي المتكررة حول السياسة الاقتصادية الكلية. فعل الرئيس روزفلت الشيء نفسه. كانت اتفاقية بريتون وودز لعام 1944، جزئيًا، نتيجة لهذه النقاشات، كما أدت إلى بناء هيكل ماليّ دوليّ مصمم لإدارة واستقرار الاختلالات في كل من التجارة والتمويل، التي عطلت النظام العالمي وأثارت التوترات السياسية وأدت إلى حرب كارثية. ساعد هذا الهيكل في إدارة الاختلالات التجارية في جميع أنحاء العالم لما يقرب من ثلاثين عامًا. فقد أمّن ربط العملات الفردية بأصل ذي قيمة ثابتة، مما أدى إلى منع المضاربة على العملات وضمان أن عملة الدولة تعكس نقاط قوة واحتياجات الاقتصاد المحلي، وليس مصالح أسواق رأس المال في الاقتصاد العالمي.

مع ذلك، سرعان ما ظهرت توترات وضغوطات. ففي وقت مبكر من عام 1963، حذّر روبرت ماكنمارا من أن الإنفاق العسكري الأمريكي الخارجي أصبح ضخمًا للغاية لدرجة أنه يهدد ما أسماه «غطاء الذهب» للدولار الأمريكي. في دراسته البارعة للاستراتيجية الاقتصادية للإمبراطورية الأمريكية، يشير مايكل هدسون إلى أن وزير الخزانة الأمريكية ديفيد كينيدي حذّر، في أيار عام 1970، من أنه إذا لم تسمح الدول الأجنبية للولايات المتحدة بزيادة صادراتها، فقد يقيد الكونجرس الواردات إلى الولايات المتحدة. يقول هدسون: «في المضمون، كان كينيدي يصرح بأنه مع استمرار استحواذ رأس المال الخاص الأمريكي على الصناعات والشركات في أوروبا وآسيا، خالقًا عجزًا في ميزان المدفوعات الأمريكي على حساب رأس المال،[1] فإنه على الدول التي حازت على فائض تشكّل قسرًا من خلال تلقي هذه الدولارات، أن تزيد مستورداتها من الولايات المتحدة بمبالغ تعادل تكلفة استحواذ الولايات المتحدة على صناعات تلك الدول ومؤسساتها».

بعد أن يأس من تحقيق هذا الهدف بسبب حلفاء عنيدين مثل الرئيس ديغول، قام نيكسون بشكل أحادي ودون استشارة بتفكيك نظام بريتون وودز من خلال تعليق جميع عمليات بيع الذهب الأمريكي إلى البنوك المركزية الأجنبية. من الآن فصاعدًا، سيتم دفع 61 مليار دولار من الديون السائلة المستحقة للأجانب فقط في شكل «ورقة دولار نقدية خضراء، مجرد ورقة صغيرة، مطلية بالكلوروفيل». مع تعليق مدفوعات الذهب، أنكرت الولايات المتحدة، عمليًا، ديونها الخارجية. على الرغم من أن الاقتصاديين والمؤرخين لم يصفوها بذلك قط، إلا أن قرار نيكسون، أو «صدمة نيكسون»، أدى في ذلك الوقت إلى أكبر تخلف عن سداد الديون السيادية في التاريخ.

من ذلك الحين، لم تعد العملات الأجنبية قابلة للتحويل إلى أصل آمن قيمته ثابتة، بل إلى الدولار الأمريكي الورقي. وبدلاً من الذهب، سيتم الاحتفاظ بالديون الأمريكية قصيرة الأجل (أذون الخزانة) في المستقبل بين الاحتياطيات النقدية للبنوك المركزية الأجنبية. بعبارة أخرى، فقد استبدلت التزامات حكومة الولايات المتحدة من الديون قصيرة الأجل بالذهب، لتصبح في نهاية المطاف الاحتياطي النقدي الرسمي للعالم.

لكن كان على نيكسون أن يفعل المزيد لترسيخ الولايات المتحدة باعتبارها القوة المهيمنة عالميًا.

أدى فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971، كما هو متوقع، إلى انخفاض في قيمة الدولار. باتت العائدات التي تجنيها الدول المنتجة للنفط تشتري قدرًا أقل من السلع من الأسواق الدولية، ولزيادة ضائقة منتجي النفط في الشرق الأوسط، دعمت الولايات المتحدة إسرائيل في الحرب العربية-الإسرائيلية عام 1973. ردًا على ذلك، رفعت منظمة «أوبك» أسعار النفط بشكل دراماتيكي، فتدفقت الأرباح الهائلة من مبيعات النفط في الشرق الأوسط إلى البنوك والمؤسسات المالية الغربية، وسجلت متوسط معدلات نمو سنوية للودائع تتراوح بين 25-30 في المئة، ليفضي ارتفاع أسعار النفط، إلى جانب تحرير القيود المالية بعد بريتون وودز، إلى التضخم في جميع أنحاء العالم.

وهكذا، كلّف الرئيس نيكسون وهنري كيسنجر كلًا من ويليام سايمون، وزير الخزانة الأمريكي المعين حديثًا، ونائبه جيري بارسكي، بالتفاوض على صفقة مع السعوديين، وكان الهدف واضحًا: إقناع العاهل السعودي باستثمار عائدات نفطه في الديون الأمريكية.[2] في المقابل، طالب ملك السعودية فيصل بن عبد العزيز آل سعود بشرط واحد فقط: أن تظل مشتريات الخزانة في البلاد وتمويلها للعجز الأمريكي «سرية للغاية»، وفقًا لبرقية دبلوماسية حصلت عليها وكالة بلومبرج من قاعدة بيانات الأرشيف الوطني.

تم الحفاظ على سرّ السعوديين لأكثر من أربعة عقود، وجعل هذا الاتفاق المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر الدائنين الأجانب لأمريكا. وقد تبين أن هذا الدين سلاح دبلوماسي مفيد ويساعد على تفسير تردد الحكومة الأمريكية في التحقيق في الاغتيال الوحشي لصحفي واشنطن بوست والمعارض السعودي جمال خاشقجي في 2018. في نيسان 2016، ووفقًا لنيويورك تايمز، حذرت المملكة العربية السعودية من أنها ستبدأ ببيع سندات خزينة وأصول أخرى بقيمة تصل إلى 750 مليار دولارًا إذا أقر الكونغرس مشروع قانون يسمح بتحميل المملكة مسؤولية هجمات 11 سبتمبر الإرهابية أمام المحاكم الأمريكية.

غيرت دَوْلَرة [3] الوقود الأحفوري النظامَ الدولي، وأدت إلى إنشاء البترودولار، «مفتاح عمل الأموال الاستعمارية الجديدة»، كما جادل الوزير الإكوادوري السابق والمستشار الدولي التقدمي، أندريس أراوز.

كانت «صدمة نيكسون» والبترودولار عاملين أساسيين في إنشاء وصيانة الهيمنة العالمية. ساهم كلاهما في تحرير القيود والاتصال والتكامل الذي مَوْأَلَ (financialised) وكَرْبَنَ (carbonised) الاقتصاد العالمي. وبهذا المعنى، فإن الأزمات الاقتصادية والبيئية والصحية اليوم هي إلى حد كبير نتيجة للقرارات الجيوسياسية التي اتخذت في عام 1971.

ما هو النظام النقدي الدولي الحالي؟

إذا كان النظام النقدي الدولي اليوم هو نتيجة قرارات الحكومة الأمريكية، فإنه يعمل بشكل فعال لحماية مصالح الطبقة الريعية المعولمة، تمامًا مثلما عمل معيار الذهب في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لحماية المصالح العالمية المستقرة في لندن.

على سدّة النظام، يقف الاحتياطي الفيدرالي: مُصْدر عملةِ احتياطي العالم. أما الدولار الأمريكي، فهو الدعامة المركزية التي تحمل البنية النقدية الدولية.

على هذا النحو، أصبح الاحتياطي الفيدرالي الآن المصدر الوحيد للسيولة العالمية، الذي يقدم الدولارات (عبر «خطوط المقايضة») ليس فقط لكل بنك ودائن في العالم، ولكن أيضًا لقلة مختارة من بنوك العالم المركزية. وتشمل الدول المستبعدة من هذا السخاء الملحوظ معظم البلدان ذات الدخل المنخفض، لكنها تشمل الصين أيضًا.

رغم ما يقوله تفويضه الرسمي، فإن مهمة الاحتياطي الفيدرالي في هذه الأوقات ليست أمن وازدهار الاقتصاد المحلي الذي يشرف عليه حكامه، والذي يستمدون منه تفويضهم. على العكس من ذلك، فإن الاحتياطي الفيدرالي هو مؤسسة مدعومة حكوميًا، تدير عملياتها فعليًا سلطاتٌ خاصة، تكاد تكون معزولة تمامًا عن الرقابة الديمقراطية أو المساءلة.

بشكل متزايد، تُتخذ التدخلات المتنوعة والعديدة للاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى من أجل حماية فئة واحدة فقط تعمل في النظام الدولي: الدائنون والمستثمرون والمضاربون. إن أخذنا مثالاً يعجّ بالمصطلحات [التقنية]، فإن ضخ السيولة الذي يمارسه الاحتياطي الفيدرالي -بهدف دعم أسواق رأس المال الخاص- يتم بالفعل في نظام الظل المصرفي، من خلال عمليات إعادة الشراء، أو «الريبو» (حيث تجري، كما هو الحال في متاجر الرهن، مبادلة الضمانات مؤقتًا مقابل النقد)، وليس من خلال الممارسات الراسخة عبر الزمن المتمثلة في شراء أصول السوق المفتوح مقابل السيولة.

بكلمات أخرى، باتت عمليات الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى توفر الأمن والحماية لطبقة ريعية عالمية، تشمل شركات الأسهم الخاصة التي «تستغل السرية لسرقة المستثمرين ودافعي الضرائب». وبدلاً من الاقتراض باسمها، حمّلت شركات الأسهم الخاصة، متجنبة المخاطر، الشركات المستهدفة الديون، لتبدأ بعدها، بوصفها «بنوك ظل»، بإقراض الأسر والشركات الأمريكية. عندما قادت جائحة الفيروس التاجي «أسواقَ الائتمان إلى حالة من الفوضى في شهر آذار»، ضغطت شركة الأسهم الخاصة «أبولو» (Apollo)، بعد أن تفادت الضرائب، بقوة ونجاح لإنقاذها بأموال دافعي الضرائب. سعت التدخلات المذهلة وغير المسبوقة التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي في آذار 2020، كما يقول تريفور جاكسون إلى «إغراق الأسواق المالية بالنقد بأقصى سرعة ممكنة، حتى تتمكن البنوك من الاستمرار في الإقراض ويتمكن مشترو الأسهم من الاستمرار في الشراء وتتمكن المؤسسات من الاستمرار في تسديد ديونها». لم يودِ الاحتياطي الفيدرالي بفقاعة الدين العالمي للانكماش، بل هو على العكس، يستمر في دعم الدين وملّاكه.

،، غض الاحتياطي الفيدرالي بصره فيما كانت أسواق الائتمان الخاصة تتوسع بسرعة بعد الأزمة المالية العالمية 2007-2009 لتصل قيمتها إلى 9 تريليون دولار على مستوى العالم،،

لهذا السبب أيضًا، لم ينجح الاحتياطي الفيدرالي، رغم قوته الهائلة، في إدارة اقتصاد عالمي غير مستقر بعمق، بل قد يكون، في الواقع، ساهم في الفشل الاقتصادي. وفق ما يشرح صندوق النقد الدولي في تقرير الاستقرار المالي العالمي لعام 2020، غض الاحتياطي الفيدرالي بصره فيما كانت أسواق الائتمان الخاصة تتوسع بسرعة بعد الأزمة المالية العالمية 2007-2009 لتصل قيمتها إلى 9 تريليون دولار على مستوى العالم. في الوقت نفسه، أدى التنظيم الضعيف من قبل محافظي البنوك المركزية إلى خفض جودة الائتمان للمقترضين وإضعاف معايير التأمين وحماية المستثمرين. بقيت أسواق الائتمان المحفوفة بالمخاطر -[التي تكثر فيها] السندات ذات العائد المرتفع والمخاطرة العالية، والقروض المرفوعة،[4] والديون الخاصة- تواجه الضغوط حتى أوائل نيسان، على الرغم من ضخ الاحتياطي الفيدرالي لقدر هائل من النقد.

لذا، وبما يتوافق مع مصالح الدائنين الدوليين، يدعم الاحتياطي الفيدرالي الشركات المثقلة بشدة بالديون، في حين أن الاقتصاد الحقيقي يؤشر بوضوح إلى الانحدار نحو الانكماش. من المستفيد من دوامة الانكماش؟ لقد حزرتَ؛ إنها الطبقة الريعية. مع انخفاض الأسعار والأجور، ترتفع قيمة الدين وكذلك تكلفة خدمته.

على الرغم من أن الانكماش يلاحق الاقتصاد العالمي اليوم، ويتسبب في انخفاض الأسعار والأرباح ويرفع من نسب البطالة، فإنه يثري الدائنين. ذلك لأن الانكماش «ينطوي على نقل الثروة من بقية المجتمع إلى الطبقة الريعية»، كما كتب كينز في كتابه «الإصلاح النقدي»، و«مثلما ينطوي التضخم على عكس ذلك… فإنه يتضمن نقل [الثروة] من جميع المقترضين، أي من التجار والمصنعين والمزارعين، إلى المقرضين. من النشط إلى غير النشط».

ما هي العواقب على الجنوب العالمي؟

نتيجةً لإجراءات المستثمرين العالميين شديدة التقلب، شهدت الأسواق الناشئة وأسواق التخوم [5] أشد انعكاس مسجّل في تدفقات المحافظ المالية، وفقًا لصندوق النقد الدولي. فقد سَحقت 100 مليار دولار من تدفقات رأس المال إلى الخارج خلال الأسابيع القليلة الماضية من آذار وبداية نيسان عملاتِ الدول ذات الدخل المنخفض، مع تضخيمها قيمة الدولار في الوقت نفسه. فنظرًا إلى أن الأسواق الدولية لا تعترف سوى بالدولار الأمريكي وحده لدفع [أثمان] الواردات الحيوية، فقد زادت قوته من تكلفة الواردات المقيّمة بالدولار. وأدى ذلك بدوره إلى اختلالاتٍ في الميزان التجاري وحسابات رأس المال، دفعت غيلان الاقتصاد العالمي -أي وكالات التصنيف المستقرة في الغرب- إلى خفض مستوى البلدان التي كانت ضحية هروب رؤوس الأموال. وقد أدى خفض التصنيف الائتماني بدوره إلى زيادة تكاليف الاقتراض وتضييق توافر الائتمان في وقت كانت فيه الأسواق العالمية لصادرات السلع الأساسية للبلدان الفقيرة ضعيفة بالفعل، مما أدى إلى خفض دخلها. في الوقت نفسه، أدى ضعف العملات إلى رفع تكلفة شراء المعدات والمستحضرات الصيدلانية الحيوية من الخارج.

عمليًا، لقد تمت التضحية بالدول الفقيرة على صليب الدولار الأمريكي.

لم يلقَ هذا الفرار الجماعي لرأس المال وتأثيره على حياة وقوت ملايين الناس في الجنوب العالمي اهتمامًا في الدوائر التقدمية. لكن هروب رؤوس الأموال وفقًا لأهواء المستثمرين، إلى جانب ما تبعه من تقوية للدولار الأمريكي، ليست نتائج عرضية ولا حتمية للجائحة. ففي نهاية المطاف، ينذر الفيروس بفشل اقتصادي أكبر في الولايات المتحدة منه في العديد من الأسواق الناشئة. كما لا يمكن تفسير [هذا الفرار] مباشرةً بالتغيرات المفاجئة في الظروف الاقتصادية للدول التي داسها اندفاع المستثمرين للخروج. في الواقع، إنه نتيجة لتصميم النظام الدولي، بوصفه هيكلًا ماليًا دوليًا يهدف إلى موائمة أهواء المستثمرين، مهما كانت غير عقلانية، وحماية مصالح الدائنين.

هل يمكن أن يهبّ صندوق النقد الدولي للإنقاذ؟

وسط بحر من مقالات الرأي حول «ما يجب القيام به» إزاء الأزمة المالية الدولية التي يسببها فيروس كورونا المستجد، هناك شبه إجماع على الحاجة إلى أن يلعب صندوق النقد الدولي دورًا أكبر. على وجه الخصوص، يدعو الكثيرون صندوق النقد الدولي لإصدار حقوق سحب خاصة (SDRs) بقيمة مليارات الدولارات وتوزيعها على البنوك المركزية لأعضائه. وقد أصبحت حقوق السحب الخاصة هذه حلاً جاهزًا لإصلاح مشكلة السيولة بالدولار في سياق الجائحة الحالية.

لكن من منظور تقدمي، هناك مخاطر حقيقية لتوريث هذه السلطة الهائلة لصندوق النقد الدولي.

،،يعمل صندوق النقد الدولي كوكيل للدائنين ويفرض على الدول شروطًا سياسيةً هدفُها المحدد هو توليد الموارد للدائنين الأجانب، وضمان ألا يتكبد هؤلاء خسائر في قروضهم للحكومات السيادية،،

فأولاً، لا تثق الدول المدينة بالصندوق بسبب دفاعه المستمر عن مصالح الجهات الدولية الدائنة، سواء السيادية منها أو التجارية. يعمل صندوق النقد الدولي كوكيل للدائنين ويفرض على الدول شروطًا سياسيةً هدفُها المحدد (الذي كثيرًا ما يتخفى باسم «برامج تحقيق الاستقرار») هو توليد الموارد للدائنين الأجانب، وضمان ألا يتكبد هؤلاء خسائر في قروضهم للحكومات السيادية.

ثانيًا، إن مسألة حقوق السحب الخاصة الصادرة عن صندوق النقد الدولي هي ببساطة طريقة أخرى للبلدان ذات الدخل المنخفض للحصول على الدولارات من القوة المهيمنة [الولايات المتحدة]، عبر صندوق النقد الدولي، لا السوق المفتوحة.

علاوة على ذلك، فإن سلطة التصويت التي تحظى بها القوة المهيمنة في صندوق النقد الدولي تسمح لها باستخدام حق النقض ضد أي مقترح لتخصيص حقوق السحب الخاصة بصورة تعتبر مضرة بمصالح الولايات المتحدة، وفق الرئيس الأمريكي لها. ومن هنا، جاء قرار إدارة ترامب باستخدام حق النقض «في الوقت الحالي» ضد المناشدة الجيّاشة لزيادة تخصيص حقوق السحب الخاصة، «لأنها لا تريد منح الصين وإيران حق الوصول إلى احتياطيات إضافية غير مشروطة»، وفق ما نقل.

ما التغييرات المطلوبة في النظام المالي الدولي؟

إذا أردنا أن نكسب معركة الأفكار، وأن نبطل مفعول العولمة المفرطة وتفضيلها الوحشي للريعية على حساب مصالح الناس والكوكب، فعلى التقدميين إذن وضع خطة لتفكيك النظام الحالي وبناء هيكل نقدي دولي أكثر عدالةً وديمقراطيةً، وبالتالي أكثر استدامة. يبدأ ذلك بتحدي تفوق الدولار.

أحد الأهداف التي يجب استكشافها هو إمكانية إنشاء نظام يمكن فيه استخدام جميع العملات في المعاملات الدولية والمحلية، بغض النظر عن حجم الاقتصادات التي صدرت فيها تلك العملات. وكما حاججت جين داريستا في عام 2003، «على احتياطي الأصول الدولي (العملة العالمية) أن يستجيب للحاجة إلى الشمول: يجب أن تستند قيمته إلى سلة موزونة تجاريًا من عملات جميع الدول الأعضاء».

في قمة هذا البناء النقدي الدولي التقدمي، سيكون هنالك بنك: مؤسسة دولية تسهّل المعاملات بين الدول أو الأقاليم. يمكن أن تستخدم سلطاتها لثني الدول عن مراكمة «السحب على المكشوف»،[6] أي العجز في تجارتها، وضبط الدول الأعضاء التي تراكم فوائض ضخمة، لأن فائض بلد ما هو إلا عجز بلاد أخرى. وبهذه الطريقة يمكن أن يساعد في إنهاء الاختلالات العالمية الحالية التي بموجبها تمتلك دول مثل الصين وألمانيا فوائض تجارية كبيرة، بينما تعاني الولايات المتحدة وإسبانيا وبريطانيا من عجز غير مستدام. هذه الاختلالات تؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي.

لكن يمكن لهذا البنك فعل المزيد. إذ يمكن أن يحتفظ بالأوراق المالية (السندات الحكومية) للبلدان الأعضاء ويستخدم هذه الأصول أو الحيازات الاحتياطية لتوليد سيولة إضافية. بعبارة أخرى، فإن الأصول السيادية المضمونة والآمنة ستمكّن البنك من القيام بما يفعله الاحتياطي الفيدرالي حاليًا، أي خلق السيولة ولعب دور «المُقرض الأخير».

سيكون أساسيًا لصحة النظام الدولي أن يدار ويشرَف عليه بشكل ديمقراطي، ليس من قبل السلطة الخاصة، بل من قبل السلطة العامة. على القطاع المالي أن يعود التمويل خادمًا، لا سيدًا، للاقتصاد العالمي، أو الاقتصاد الأوروبي، أو أي اقتصاد وطني.

قد تبدو هذه الأفكار طوباوية، لكن وجوه المؤسسة المعهودة – التي تستشعر خطورة المنعطف الحالي – تتحرك بسرعة لتبني أفكار أكثر راديكالية. مؤخرًا، قال مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا السابق: «إن وجود عملات احتياطية متعددة سيؤدي إلى زيادة المعروض من الأصول الآمنة، مما يخفف من الضغوط الدافعة لهبوط سعر الفائدة العالمي المتوازن، التي يمكن لنظام غير متماثل أن يخلقها (..) ومع إصدار العديد من البلدان أصولاً آمنة عالمية تتنافس مع بعضها البعض، يجب أن تنخفض علاوة الأمان التي تتلقاها هذه البلدان».

يقترح كارني بديلاً: عملة اصطناعية مهيمنة جديدة (Synthetic Hegemonic Currency SHC) من الأفضل أن يقدمها القطاع العام، ربما من خلال شبكة من العملات الرقمية للبنك المركزي. «يمكن للعملة الاصطناعية المهيمنة في النظام النقدي والمالي الدولي أن تقود لنتائج عالمية أفضل، بالنظر إلى حجم التحديات التي يواجهها النظام النقدي والمالي الدولي الحالي والمخاطر في الانتقال إلى عملة احتياطي هيمنة جديدة مثل الرنمينبي [العملة الصينية]. يمكن للعملة الاصطناعية المهيمنة أن تخفف من تأثير تسلّط الدولار الأمريكي على التجارة العالمية، فإذا ارتفعت حصة التجارة التي تم تحرير فواتيرها بالعملة الاصطناعية المهيمنة، فإن الآثار غير المباشرة للصدمات [المالية] في الولايات المتحدة من خلال أسعار الصرف ستضعف، وستصبح التجارة أقل تزامنًا عبر البلدان. ومن نفس المنطلق، ستصبح التجارة العالمية أكثر حساسية للتغيرات في ظروف بلدان العملات الأخرى في السلة الداعمة للعملة الاصطناعية المهيمنة».

من الصعب وصف كارني، الذي بنى مكانته عبر العمل في جولدمان ساكس، بالتقدمي. لكن حقيقة أن كارني يدفع بهذه الأفكار الجديدة تكشف إلى أي مدى يجب أن يتحرك التقدميون لاستعادة النظام المالي الدولي باعتباره ساحة نضالهم هم.

ليس لدى اليسار الكثير ليقوله عن اقتصاد عالمي يحكمه عمليًا الآن تكنوقراطيون غير منتخبين وغير خاضعين للمساءلة. على العكس من ذلك، يشيد البعض على الجانب التقدمي من الطيف السياسي بإنقاذ محافظي البنوك المركزية للدائنين الخطرين والمتهورين في كثير من الأحيان. لقد أدرك آدم تووز مؤخرًا أن الاحتياطي الفيدرالي قد أنشأ «شبكة أمان عامة عملاقة … تمتد عبر النظام المالي». شارك العديد من الكتّاب والاقتصاديين الآخرين في هذا التملّق، وهو ما يذكرني بحفلات التغني الذي سادت في التسعينيات وأوائل القرن العشرين بـ«مايسترو» الاقتصاد الأمريكي والعالمي، المعصوم عن الخطأ، آلان جرينسبان.[7]

،،لقد حان الوقت للتنظيم من أجل أن نفهم النظام بشكل أفضل، ونغيره،،

يمكن عزو هذا الحماس تجاه الحلول التكنوقراطية وغير الديمقراطية جزئيًا إلى فشل الاقتصاد. تقول رنا فوروهار في كتابها «الصانعون والآخذون»: «إن الموألة (Financialisation) هي السبب الأقل دراسة واستكشافًا وراء عدم قدرتنا على تحقيق الرخاء المشترك».[8] وهذا يساعد على تفسير فشل التقدميين في فهم هيكل النظام المالي الدولي وهدفه والمكاسب التي يحققها للطبقة الريعية. كما يفسرّ الرهبة التي ينظر بها الكثيرون إلى التكنوقراطيين في البنوك المركزية، إضافة إلى التركيز قصير النظر على البعد المحلي في معظم الجدل الاقتصادي لدى اليسار. ناهيك عن غياب القلق البالغ تجاه الأزمات التي تواجهها البلدان ذات الدخل المنخفض.

لقد حان الوقت للتنظيم من أجل أن نفهم النظام بشكل أفضل، ونغيره.

خاتمة

إن تغيير النظام المالي الدولي أمر ملّح، إن أراد العالم محو الأذى الذي ألحقه النظام الحالي الهائج، القائم على «النمو» الاقتصادي الأسيّ ومراكمة رأس المال عبر الريعية المالية، بالمجتمعات البشرية، كما بالنظام البيئي.

إن التعطّل الحالي للنظام الرأسمالي الدولي يضع هذا التحول ضمن نطاق «الإمكانات الراديكالية». ولكن دعونا لا ننسى أنه يمكن حل الأزمة إما عن طريق الصراع -حيث ستوظّف القوة المهيمنة قدرتها العسكرية الهائلة- أو من خلال التغيير العقلاني والتدريجي للنظام.

الأسئلة الكبيرة التي نواجهها هي: أولًا، لماذا لا نجد التقدميين في طليعة هذا النقاش؟ ثانيًا، كيف يمكن توسيع التثقيف والفهم العام للنظام وعواقبه؟ وثالثًا، كيف يمكن حشد الدعم الشعبي وراء حل تقدمي للأزمات الحالية؟

ربما يمكن لهذه [المبادرة] التقدمية الدولية، من خلال عقد حوار عالمي في هذا المنعطف الحاسم، أن تجيب على هذه الأسئلة. ربما يمكننا معًا إنهاء اعتمادنا على «ورقة الدولار النقدية الخضراء»، التي هي في النهاية مجرد «ورقة صغيرة مطلية بالكلوروفيل».

*آن بتيفور هي باحثة اقتصادية بريطانية تركز دراساتها على النظام المالي العالمي، وإعادة هيكلة الديون السيادية، والتنمية المستدامة. وكانت إحدى قادة حملة «تحالف اليوبيل 2000» لإلغاء ديون دول العالم الثالث بحلول عام 2000، وهي عضو في مجموعة «الصفقة الجديدة الخضراء» البيئية، وفي مجالس عدد من المؤسسات البحثية المختصة بالاقتصاد والاقتصاد السياسي والعدالة الاجتماعية في بريطانيا.

الهوامش:

[1] يعتبر ميزان المدفوعات بمثابة سجل مالي تُقيّد فيه كل التعاملات التجارية والمالية للدولة المعنيّة مع بقية العالم. ويمكن تقسيم ميزان المدفوعات إلى قسمين اثنين. الأول هو الحساب الجاري وتُقيّد فيه جميع العمليّات المتعلقة بتصدير واستيراد السلع والخدمات بالإضافة للتحويلات النقدية من وإلى الدولة المعنية. والثاني هو حساب رأس المال وتُقيّد فيه العمليّات الخاصة بالاستثمار الوطني في الأصول الأجنبيّة والاستثمارات الأجنبية في الأصول الوطنية وكذلك التغيرات في الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي.

 [2] تشير «الديون الأمريكية» هنا إلى السندات التي تصدرها الحكومة الأمريكية والتي تشتريها العديد من البلدان مثل بلدان الخليج العربي والصين مثلًا.

 [3] تعني «الدولرة» اعتماد الدولار كعملة عالمية لتجارة النفط والغاز.

 [4] القروض الممنوحة إلى شركات أو أفراد نسبة ديونهم إلى أصولهم مرتفعة، مما يجعلها قروضًا عالية المخاطر.

 [5] يشير مصطلح «أسواق التخوم» إلى البلدان التي تطوّر فيها القطاع المالي ولكن ليس إلى درجة أن تكون ضمن الأسواق الناشئة بالنظر للمخاطر وعوامل عدم السيولة التي تتخلل نظامها المالي.

 [6] سلفة على الحساب الجاري.

 [7] اقتصادي أمريكي احتل منصب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي من 1987 إلى 2006.

 [8] Rana Foroohar, Makers and Takers: The Rise of Finance and the Fall of American Business, Crown Business, 2016.

نشر هذا المقال بالإنجليزية في موقع Progressive International في الأول من أيار 2020.