2020-07-05

مكائد مفضوحة لستر عنصرية الصهيونية وجرائم الاحتلال

سعيد مضية

تكرر عبر التاريخ ان تقف قوى التقدم مترددة عن الحسم، تراعي في ذلك قيم العدالة والإنسانية فيكون ترددها فرصة لقوى التخلف تنقض وتبطش وتطيح بقوى التقدم. قوى الرجعية تبطش بشراسة، لا تتردد ولا تقيم وزنا لقيم إنسانية وتكون لها الغلبة مؤقتا، لتتكرر الدورة. هكذا انتكست الثورات التحررية عبر التاريخ. وهكذا اطيح بجيريمي كوربين وفشلت تجربة لأخذ بريطانيا نحو ديمقراطية حقيقية بعيدا عن الغزو الاستعماري.

كينيث سورين محاضر بجامعة ديوك في كارولينا الشمالية، كتب عن تعسف الرئيس الجديد لحزب العمال البريطاني، كير ستارمر. في مقالة نشرت في الأول من تموز، وبديهي ان لا تنشر على منابر الميديا الرئيسة، التي لا تقبل الرأي الآخر ولا تحاور، وإن تمظهرت بالديمقراطية. كتب سورين، "لا مفر من أن أطرح رأيا، بصفتي عضوا بحزب العمال، بصدد طرد رئيس حزب العمال ريبيكا لونغ - بيلي من منصب وزيرة تربية في حكومة الظل العمالية. كانت المنافس الرئيس لستارمر في انتخابات رئاسة الحزب... غلطة لونغ- بيلي انها نقلت على موقعها في تويتر اتهام الممثل ماكسين بيك للشرطة الإسرائيلية بأنها نقلت تقنية الدوس على رقبة المعتقل الى شرطة الولايات المتحدة. اعتذر بيك فيما بعد عن النشر، اما لونغ- بيلي فرفضت التراجع".

وفي مقال الأكاديمي سورين يكشف عن تواطؤ اليمين على أكثر من ساحة ، ويحاول التستر على جرائم نظام الأبارتهايد الإسرائيلي داخل فلسطين وخارج فلسطين.

يتوجب القول أولا أن لجوء الصهيونية وانصارها الى مكافحة الانتقادات الموجهة بالأسلوب الهمجي- الاتهام باللاسامية - لا يعبر عن قوة. في يوم انتخابه رئيسا  لحزب العمال قدم كير ستارمر أوراق اعتماده للحركة الصهيونية وللمحافظة البريطانية، وصرح بتأييده اعتبار انتقاد إسرائيل لاسامية. ومع هذا فإسرائيل موضع اتهامات من أطراف المعمورة. وبعد نجاحه حظي بتأييد اللوبي اليهودي وحضر الى مقر حزب العمال وفد صهيوني للتهنئة. والمعروف ان مؤتمر حزب العمال قبل الأخير طرح في جدول أعماله بحث النزاع في الشرق الأوسط. ونظرا لقدوم الأكثرية الساحقة من المندوبين حاملين أعلاما فلسطينية فقد تقرر تقديم بند النزاع في الشرق الأوسط ليناقش اولا، واتخذ المؤتمر قرارات تندد بالممارسات الإسرائيلية وتتضامن مع العدالة في فلسطين. أعيد انتخاب كوربين بأغلبية ساحقة قائدا للحزب. فكيف أطيح به؟

التقليد المألوف في حزب العمال البريطاني وجميع أحزاب الاشتراكية - الديمقراطية ان من يصل مرتبة القيادة هم عملاء الاحتكارات داخل الطبقة العاملة، يصعدون وفق آلية متبعة في مؤسسات اجتماعية أساس، مثل هيئات تحرير المؤسسات الإعلامية الرئيسة وفي إدارات الشركات الكبرى والبنوك؛ جاء انتخاب جيريمي كوربين قائدا للحزب خروجا على المألوف؛ إذ انتخبته القاعدة الحزبية في مناخ انكشاف قرف القواعد الحزبية من فضائح ارتماء القائد العمالي السابق أنطوني بلير، في أحضان الامبريالية البريطانية ومشاركته غزو العراق. إلا ان انتخاب كوربين استقبل بعداء ظاهر من قبل مؤسسة الحكم ومن جميع الصحف البريطانية، بمن فيها الغارديان، مدعية الاعتدال. تضافرت قوى المحافظة والمعارضة الديكورية للإطاحة بكوربين.

وقبل الإطاحة به كان كوربين قد قبل التعريف، المتحيز الذي طرحته منظمة صهيونية أطلقت على نفسها "الائتلاف الدولي للتذكير بالهولوكوست"، وبموجبه طُرِد من الحزب اثنان من أنقى أتباعه لأنهما أدليا بتصريحات تدين الممارسات الإسرائيلية. والحكاية وردت ضمن عرض لمقال كريغ موراي، الإعلامي البريطاني، الذي راجع تقريرا قدمته لجنة من حزب العمل بحثت بموضوعية في الأزمة التي أطاحت بكوربين من قيادة حزب العمال البريطاني. العرض منشور على الرابط التالي:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=678775

الطرفة التالية جرت في مستهل الحرب الباردة نهاية أربعينات القرن الماضي، تختزل المألوف في زعامة حزب العمال وغيره من احزاب الاشتراكية الديمقراطية في اوروبا: جرت مشادة كلامية بين وزير  خارجية بريطانيا في حكومة إتلي العمالية في بريطانيا والمندوب السوفييتي، أندريه فيشينسكي، وكان منحدرا من الطبقة الاريستقراطية ومعروف بسرعة البديهة. قال الوزير العمالي الذي عرف عنه تخريب الإضرابات العمالية، ما أوصله الى المنصب: تزعم انك ممثل لدولة العمال وأنت من طبقة أريستقراطية؛ اما انا  فابن الطبقة العاملة. رد عليه المندوب السوفييتي: أجل انت مصيب، ولكن كلانا خائن لطبقته.  

مقارنة بتعسف ستارمر يجدر إيراد مقتطف مما خلص اليه كريغ موراي، بعد مطالعة التقرير المؤلف من 851 صفحة . وكان ستارمر قد أخفى التقرير كي لا يطلع عليه أحد: 

"كوربين فشل بما يفوق التصور في التعامل بحزم لتطهير الحزب من اعوان بلير اليمينيين، والذين ورثهم في موقع هيئة أركان الحزب. شغل كل من توني بلير وغوردون براون منصب رئيس الوزراء ونجحا في إنشاء ماكينة للحزب على صورتهما اليمينية". مضى موراي الى القول، "ماذا نستخلص من كل ما تقدم؟ اولا بالطبع كشف التقرير بصورة مذهلة أن هيئة أركان حزب العمال تضم أكثرية ساحقة من اليمينيين المعادين لكوربين، ورغبوا من صميم قلوبهم انتصار حزب المحافظين في الانتخابات لكي يتخلصوا من قيادة كوربين. وقضية جون ماكتيرّان بالغة الدلالة. فقد كتب عدة مقالات بجريدة ديلي تيليغراف امتدح فيها حزب المحافظين البريطاني، وهاجم حزب العمال؛ لكن الهيئة الحاكمة والوحدة القانونية داخل هيئة أركان حزب العمال رفضت اتخاذ إجراءات ضده. في نهاية الأمر اتُخذ إجراءٌ عندما كتب مقالة تحث حزب المحافظين على 'سحق النقابيين في سكك الحديد’ بسبب تعطيل عمل الشركات الخاصة في خطوط السكك الحديدية؛ غير ان الإجراء اتُخِذ ضد عضو طالب إخراج ماكتيران من الحزب بسبب دعمه حزب المحافظين (صفحة 140 من التقرير)".

نعود الى مقالة الأكاديمي كينيث سورين، التي تفضح نظام الأبارتهايد في إسرائيل:

من المسلم به أن الضابط الذي اغتال جورج فلويد قد تلقى التدريبات على أيدي إسرائيليين، الذين يستخدمون التقنية مع الفلسطينيين. لكن من غير المؤكد انه نقل الطريقة أثناء تدربه على أيدي "خبراء أمن" إسرائيليين. بعد كل هذا يوجد عشرات اللقطات تظهر تقنية الضغط على العنق تمارس ضد فلسطينيين، بعضهم أطفال، وربما شاهد الضابط القاتل التقنية لقطة على الفيديو.

علاوة على ما تقدم حضر اكثر من مائة ضابط من شرطة مينابولس مؤتمرا عام 2012- وهو الثاني من بين مؤتمرات- استضافتها القنصلية الإسرائيلية في شيكاغو، وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي مشاركا في استضافة المؤتمر(كما لو اننا بحاجة للمزيد من الشهادات على ان عسكرة الشرطة الأميركية تمت بقرار رسمي).

في هذه المؤتمرات تلقت شرطة مينيسوتا الإرشادات باستخدام تقنية القسوة الشرسة التي تستخدمها القوات الإسرائيلية وهي تمارس الإرهاب والعنف ضد الفلسطينيين بالمناطق المحتلة، تحت قناع العمليات الأمنية.

في ضوء هذه الحقائق لا يرقى ما قامت به لونغ- بيلي ومن قبلها بيك الى "نظرية مؤامرة معادية للسامية". فهي موجهة ضد دولة يعتبرها الكثيرون دولة مارقة، او على أقل تقدير، دولة من صميم ممارساتها الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان.

يواصل مقال الأكاديمي كينيث سورين: ينص تعريف الائتلاف الدولي للتذكير بالهولوكوست:

"اللاسامية تصور معين لليهود، قد يعبر عنه بالكراهية لليهود. يجري توجيه التجليات الكلامية  والمادية للاسامية تجاه أفراد يهود أو غير يهود و/او تجاه أملاكهم، وتجاه المجتمع اليهودي او مرافق دينية يهودية". يوضح الائتلاف التعريف فيضيف:

"ربما تتضمن بعض تجليات اللاسامية استهداف دولة إسرائيل، بتصورها مجموعة يهودية. وعلى كل حال، فانتقاد إسرائيل إذا جاء مماثلا للمستوى الذي تنتقد به دولة أخرى لا يعتبر  لاسامية".

يقتضي الملاحظة أن الائتلاف الدولي يقول بوضوح ان التعريف غير ملزم قانونيا. وهناك حقوقيون عديدون ومعهم لورد العدالة في المملكة المتحدة، ستيفين سيدلي، وهو يهودي، قالوا ان التعريف لا يصمد في المحاكم. [وها نحن نرى في التطبيق العملي ان الاستدراك من قبل الائتلاف بصدد دولة إسرائيل تم تجاهله. كان بمثابة تبرئة ذمة لا غير.]

مشكلتان على الأقل تبرزان لسترامر وأنصاره فيما يتعلق بطرد لونغ- بيلي.

الأولى ان فقرة الائتلاف القائلة ان"انتقاد إسرائيل إذا جاء مماثلا للمستوى الذي تنتقد به دولة أخرى لا يعتبر لاسامية"، تظهر بما يقبل النقاش ان انتقاد إسرائيل  لتعليم شرطتها وشرطة دول أخرى تقنية الاعتقال التي توقع إصابات خطيرة او الموت  لشخص أثناء الاعتقال، ليست لاسامية.

علاوة على ما تقدم، قام نظام الأبارتهايد بجنوب إفريقيا بتدريب قوات الشرطة في ليسوثو وسوازيلاند ومالاوي (روديسيا فيما بعد) ثم زائير تحت ديكتاتورية  موبوتو سيسيكو على اساليب قمع المظاهرات. في تلك الأثناء كانت شرطة جنوب إفريقيا منظمة شبه عسكرية لا تحاسب على تصرفاتها، ولها فرع عهد اليه مهمة الحراسة في بلدات السود ممن اعتبروا على نطاق واسع "اوباشا يرتدون البدلات". وجهت انتقادات لنظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا بسبب أساليبه الشرطية العنصرية، وهي تناظر الطريقة التي بها تنتقد إسرائيل بسبب تصرفاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والكثير من الانتهاكات جرى توثيقها فيما يختص بنظام الابارتهايد في جنوب إفريقيا، ويناظرها توثيقات لانتهاكات الأمن الإسرائيلي، الشرطة والجيش.

بالنظر لكون انتقاد شرطة إسرائيل يناظر الانتقاد الذي وجه لشرطة الأبارتهايد الجنوب إفريقي، فإن إسرائيل تتعرض لانتقادات من نمط ما وجه لبلدان أخرى، ومن ثم لا يمكن اعتبار النقد الموجه لإسرائيل"لاسامية"، حتى بموجب تعريف الائتلاف الدولي للتذكير بالهولوكوست.

وثانيا، القول بـ"لاسامية" انتقاد إسرائيل كدولة، كذلك الذي وجهه كل من بيك ولونغ -بيلي يعادل القول ان انتقاد زائير، مثلا (كدولة)  تخضع لديكتاتورية موبوتو سيسي سيكو(المغرم بالتعذيب الروتيني)، حتى لو لم يفسر بأنه "عنصرية " نظرا لأن سكان زائير في أغلبيتهم من السود. واضح أن ذلك سخف.

لكن قد يعترض البعض بأن سلطات إسرائيل تقول انها لا تعلّم تقنية الضغط على الرقبة للقوات الأجنبية، ولا حتى لقواتها، لأن التقنية غير موجودة في الدليل الإرشادي للتدريب في إسرائيل. وهذا بالتأكيد محاولة بائسة للتنكيت- فما على المرء إلا أن يدخل على برنامج صور غوغل ويفتح على"القوات الإسرائيلية تضغط بالركبة على رقاب الفلسطينيين" ليجد العديد من اللقطات لقوات إسرائيلية تستخدم التقنية. فغياب شيء ما في مرشد تدريب لا يعني انه لا يستعمل.

كان واجب ستارمر ان يطلب توضيحا من الوزيرة بعد ان رفضت التراجع عن ما كتبته على تويتر، بمعنى السماح لها القول ان سياسة تدرب  ضباط الشرطة (في أي بلد) على أيدي الشرطة الإسرائيلية قضية إشكالية، في ضوء نزوع تلك القوات للتورط في انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك في سياق تعزيز احتلال غير شرعي بموجب القانون الدولي.

أوردت امنيستي إنترناشيونال أن مئات ضباط الشرطة الأميركيين قد سافروا للتدرب الى إسرائيل من ولايات بالتيمور وفلوريدا ونيوجيرسي وبنسلفانيا وكاليفورنيا وأريزونا وكونيكتيكوت ونيويورك وماساشوسيتش ونورث كارولينا وجورجيا وولاية واشنطون وشرطة دي سي كابيتول. وتم تدريب آلاف غيرهم بالولايات المتحدة على أيدي مدربين إسرائيليين.

ووجهت امنيستي انترناشيونال انتقادات عدة الى انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان.. وحسب منطق ستارمر عليه الوقوف في البرلمان ويعترف ان مستنده لطرد لونغ - بيلي يخوله اتهام أمنيستي انترناشيونال باللاسامية. حقا فأن اواجه وحيد القرن أثناء السير بالشارع أكثر احتمالا من إقدام ستارمر على اتهام امنيستي انترناشيونال. يوجد لحزب العمال عدة نواب مناهضين للصهيونية- فهل  يثير أحدهم القضية أمام مجلس العموم في الوقت المناسب؟

فبل أن ينتخب لرئاسة الحزب تسلم ستارمر تبرعا بقيمة 55 ألف أسترليني من جماعة ضغط صهيونية في بريطانيا. ولم يكشف عن التبرع إلا بعد أن تسلم قيادة الحزب. قد يكون هذا مغْفلا، أو لا يكون؛ وربما تكون له علاقة أو لا تكون بطرد لونغ-  بيلي.

في نفس الوقت لديّ شكوك في ان موقف لونغ - بيلي من الصهيونية ليس السبب الوحيد لطردها من منصب وزيرة تربية في حكومة الظل؛ فقد أيّدت اتحاد المعلمين في معارضته توجه حزب المحافظين لحملهم وطلابهم على مواصلة الدراسة في ظروف انعدام الأمن.

علينا ان نتذكر ان ستارمر من أنصار بلير، وبلير وأتباعه ليسوا أصدقاء لأي من الاتحادات العمالية.