2020-07-06

 حوار جديد مع نعوم تشومسكي:

كيف تقود الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية حرباً طبقية شرسة

جي سي

ترجمة: سلمى بالحاج مبروك

منذ الستينيات، يعتبر نعوم تشومسكي من أبرز المثقفين الرسميين المنتمين لليسار الدولي. وقد عرف بمعارضته للحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على الفيتنام، حيث أصبح تشومسكي من أكثر النقاد شراسة للسياسة الخارجية الأمريكية في الغرب، منذ ليندون جونسون حتى ريغان وكلينتون وبوش وأوباما. وعلى الرغم من أنه معروف كأستاذ جامعي مختص في الألسنية، فقد أثرت مساهمات تشومسكي السياسية على أجيال من النشطاء - من خلال شرحه لـ"نموذج الدعاية" ولهيمنة الشركات على وسائل الإعلام وصولا إلى نقده للعولمة الرأسمالية، وحدود الديمقراطية الليبرالية وعدم قدرة المثقفين الغربيين الدفاع عن المبادئ التي يعلنون تبنيها.

في هذه المقابلة يناقش نعوم تشومسكي مدى أهمية الحركة العمالية لإحداث أي تغيير محتمل ذي جدوى وأسباب مقاومة الشركات العالمية في أمريكا لأي محاولة إصلاح ديمقراطي اجتماعي.

جي سي: إذا كان بيرني ساندرز قادرًا على الوصول إلى الرئاسة، فإلى أي مدى تعتقد أنه كان بإمكانه تنفيذ البرنامج الذي وعد بالالتزام بتطبيقه؟

تشومسكي: من الصعب جدًا تخيل ذلك، لكن لنفترض أن الأمرهو كذلك. سيعتمد الكثير على طبيعة وحيوية والتزام الحركات الشعبية التي ألهمته والتي ستكون، وفقًا لهذه الافتراضات، العامل الذي كان سيقوده إلى النصر. لسوء الحظ، تفتقر الطليعة التاريخية للنشاط الشعبي في هذه الحالة بالذات - لحركة نقابية منظمة. لذا إذا نظرت إلى ما يسمي "بالصفقة الجديدة" في الثلاثينيات، على سبيل المثال، فإنه كان من الممكن تنفيذ إصلاحات مهمة للغاية لأن كانت توجد حركة نقابية نشطة تمارس ضغطًا قويًا للغاية. وكانت تهدد بالمراقبة وبالسيطرة على الشركات، وفي المقابل، كانت هناك إدارة خيرة مستعدة للرد على هذا الضغط. وقد كان هذا المزيج محددا بالنسبة تقريبا لجميع الإصلاحات المعروفة في الماضي.

في الحالة الافتراضية التي ندرسها، سيكون من الضروري التساؤل عما إذا كان يمكن إحياء الحركة النقابية للمشاركة في هذه الجهود. والتي هُزمت بشدة في الولايات المتحدة وبريطانيا، من قبل الهجوم النيوليبرالي منذ ريغان وتاتشر. يمكننا أيضا أن نتساءل ما إذا كانت الحركات الشعبية الأخرى التي تطورت في السنوات الأخيرة، والتي تعتبر مهمة نسبيًا، إلى الحد الذي يمكنها من ملء هذا الفراغ. أعتقد أن مثل هذا النوع من العوامل سيكون ضروريا لتحقيق شيء ما. لكن يمكننا أن نكون على يقين من أن الرأسمالية الاحتكارية ستدافع عن نفسها بكل بقوة. وفي الواقع، إذا عدنا إلى ما يسمي "بالصفقة الجديدة"، فإن هذا السؤال معقد ومثير للاهتمام وقد تمت دراسته بطريقة مفصلة وثاقبة إلى حد ما من قبل العالم السياسي المميز توماس فيرغسون.

وما يظهره بشكل مقنع هو أنه خلال "الصفقة الجديدة،" كان هناك انقسام داخل الرأس المال الخاص بشكل عام، إذ تميل الصناعات ذات التقنية العالية والرأس المال المرتفع والموجهة دوليًا إلى مساندة ودعم روزفلت. في حين أن الصناعات التي تعتمد على كثافة العمالة ذات التركيز الوطني، مثل الرابطة الوطنية للمصنعين، كانت تميل إلى معارضة روزفلت بشدّة. لذلك كان هناك انقسام داخلي ساهم في نجاح تدابير "الصفقة الجديدة"، وكذلك الدعم الشعبي الواسع والفعال، الذي جاء بشكل رئيسي من الحركة العمالية والتي تبيّن أنه كان حاسما.

جي سي: كيف يمكن أن تعالج الحركة النقابية واليسار التقدمي ككل هذا الضعف؟ هل تعتقد أن هناك تناقضات أو نقاط ضعف داخلية داخل الحركة نفسها، وأنه يجب معالجتها أولاً قبل أن تتمكن من محاربة رأس المال والمؤسسات الكبرى؟

تشومسكي: أولاً، يجب أن نذكّر ونأخذ بعين الاعتبار أن مارغريت تاتشر والأشخاص الذين تواجدوا حول ريغان لم يكونوا أغبياء. لقد كانوا يعلمون جيدًا أهمية وضرورة تدمير الحركات العمالية إذا أرادوا تنفيذ هذا النوع من السياسات التي من شأنها أن تضر دون شك بعموم السكان، وهو ما حدث فعلا. إذا كنت ترغب في رؤية بعض التناقضات داخل الحركة العمالية، ألق نظرة على الصفحة الأولى من صحيفة نيويورك تايمز، التي نشرت مقالًا مثيرًا للاهتمام. كان بيرني ساندرز يقوم بحملة في نيفادا، وكان هناك صراع داخل الحركة العمالية.

عارضت إحدى النقابات الرئيسية بشدة اقتراح ساندرز لنظام الرعاية الصحية الشامل. ويرتبط هذا بخصوصية مثيرة للاهتمام من تاريخ العمل الأمريكي. لذلك دعونا نقارن بين الولايات المتحدة وكندا، اللتين لديهما مجتمعات متشابهة إلى حد ما. في الواقع، هناك نفس الحركات النقابية على جانبي الحدود. اتحاد عمال السيارات (UAW) هو نفس الاتحاد الموجود على كلا الجانبين. لكن لديهم عقلية مختلفة مرتبطة بثقافة وطبيعة المجتمعات.

إذا عدت إلى الخمسينيات من القرن الماضي ستجد أن اتحاد عمال السيارات في كندا كانوا يناضلون من أجل نظام الرعاية الصحية الشامل، وهو ما نسميه نظام رعاية صحي أحادي الدفع. لقد وصلوا إلى هناك جزئياً بفضل التزامهم النضالي. لذا تمتلك كندا اليوم نظامًا صحيًا مثل ذلك الموجود في المجتمعات المتقدمة.

وعلى النقيض من ذلك في الولايات المتحدة كان نفس الاتحاد يكافح من أجل توفير الرعاية الصحية لأعضائه وليس للمجتمع كله. كانوا يسعون جاهدين للتوصل إلى اتفاقيات مع أرباب العمل يمكنهم من خلالها التضحية بمراقبة الأداء في مكان العمل. كان أصحاب العمل على استعداد لإبرام هذه الاتفاقيات لإسكات القوة العاملة. وبالتالي، توفر عقود النقابات في كثير من الأحيان رعاية صحية لائقة إلى حد ما لأعضائها، ولكن ليس للمجتمع كله. وهو ما يجعل من نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة كارثة حيث يكلف حوالي ضعفي نصيب الفرد منه في البلدان الأخرى المماثلة ويقدم خدمات سيئة نسبيًا.

لذلك سيساعد برنامج ساندرز للرعاية الصحية العامة الجميع التقليل بشكل كبير من التكاليف الإجمالية لكن هذا لن يحسن بالضرورة الرعاية الصحية للعمال الذين تمكنوا، من خلال كفاحهم الأناني في مكان العمل، من الحصول على الرعاية الصحية لأنفسهم، وكان هناك انقسام داخل النقابة حول ذلك. وهذا العامل يجب أن نأخذه بعين الاعتبار.

دخلت النقابات لسنوات عديدة، في اتفاقات مع أصحاب العمل بافتراض وجود حل وسط بينهم وبين الإدارة وفي عام 1980 فهموا الدرس. في هذا الوقت تقريبًا، استقال دوج فريزر رئيس اتحاد عمال السيارات من لجنة كان قد أنشأها الرئيس كارتر. أدان فريزر أصحاب العمل لقيادتهم ما أسماه "بحرب طبقية من جانب واحد ضد الحركة العمالية"، وهو ما كانوا يفعلونه دوما. حيث لم تتخلى الشركات أبداً عن يقظتها في هذه الحرب الطبقية الأحادية الجانب. وإذا قررت الإدارة انهاء اتفاقية ما فإنها تنتهي حتما، لقد أدرك دوج فريزر أن هذا الأمر قد تأخر كثيراً لسنوات عديدة، وعانت الحركة العمالية بالطبع من سياسات التعاون الطبقي هذه.

إذن نعم، كانت هناك انقسامات داخل الحركة العمالية لفترة طويلة. كانت هناك حركات إصلاح داخل النقابات الرئيسية - عمال الصلب وعمال السيارات وغيرهم - وكانت هناك صراعات حول هذا الموضوع، ولكنها وضعية ليس من السهل حلها.

جي سي: إنه أمر متناقض تماما لأنه من ناحية، قامت الحركة النقابية ببناء نفسها كقوة جماعية، حتى يتمكن العمال من الحصول على ما لا يمكنهم الحصول عليه بشكل فردي. ولكن من ناحية أخرى، أصبح نظامًا بيروقراطيًا. فكيف يمكن حل مثل هذا التناقض حسب اعتقادك؟

تشومسكي: مرة أخرى، يجب أن تأخذ في الاعتبار التاريخ المحدد للولايات المتحدة، والذي يختلف إلى حد ما عن تاريخ المجتمعات الصناعية الأخرى، بل يختلف بالفعل عن تاريخ كندا. كما اتضح، فإن الولايات المتحدة هي مجتمع تقوده الشركات مع مجتمع أعمال يدرك تمامًا الاختلافات الطبقية، والتي تقود أيضا حربًا طبقية شرسة.

انظر إلى تاريخ عالم العمل الأمريكي والذي يتميز بعنف قل نظيره. أين قُتل مئات العمال أثناء الأعمال النقابية في الولايات المتحدة في حين أنه لم يحدث شيء من هذا القبيل في إنجلترا وكندا وفرنسا وبلدان أخرى مماثلة.

في الماضي، كانت الحركة العمالية قائمة على التضامن الطبقي والدعم المتبادل - دعم مجموعة من العمال لصالح مجموعة أخرى - وفي الواقع لا يزال هذا هو الحال اليوم إلى حد ما، فعلى سبيل المثال، رفض اتحاد عمال الصيد البحري السماح للقوارب بالرسو إذا قامت الدول بقمع سكانها وقواها العاملة بعنف. لقد أدركت دوائر الأعمال الأمريكية المحافظة في وقت مبكر أنه كان عليها كسر هذا الدعم المتبادل.

يمكنك أن ترى ذلك مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما تحرك مجتمع الأعمال لمحاولة تقويض قوة القوى العاملة التي نمت خلال فترة الكساد والحرب. وكان أحد ردود الفعل الأولى في عام 1947 هو قانون تافت هارتلي Taft-Hartley، الذي يمنع، على سبيل المثال، خطوط الاعتصام الثانوية، هذه الخطوط الثانوية هي وسيلة للتضامن الطبقي. وهي تحدث عندما تكون نقابة ما في حالة إضراب وتقوم نقابة أخرى بمساعدتهم - لقد أصبح هذا الامر غير قانوني. واعترض الرئيس ترومان على هذا القانون، لكن الاعتراض تم تجاوزه فيما بعد. فقد كان هناك رد فعل قويّ من الشّركات ضد القوى الديمقراطية التي نمت في العقود السابقة.

كما أن هناك خصوصية أخرى للولايات المتحدة: وهي الدعاية المتشددة، والشبه هستيرية، المعادية لليسار. على سبيل المثال، المكارثية، التي تُنسب إلى جو مكارثي، على الرغم من أن ترومان كان هو الشخص المؤسس فإن أحد جوانبها – هو الهجوم "المناهض للحمر"- كان يتألف من طرد قادة النقابات العمالية من النقابات بحجّة أنهم يظهرون ليونة ضد الشيوعية أو أنهم يعملون لصالح الروس، أو لبعض الأسباب الأخرى.

ومرة أخرى، هذا الأمر أيضا خاص بالولايات المتحدة. يمكننا أن نرى ذلك بشكل ملفت للنظر اليوم، عندما يكون هناك جدل كبير حول ما إذا كان ساندرز اشتراكيًا. و"كيف يمكن أن يكون لدينا رئيس اشتراكي؟" في واقع الأمر، ساندرز هو ما يمكننا أن نسميه ديموقراطي اجتماعي معتدل في معظم المجتمعات الأخرى.

عندما لا تكون كلمة "اشتراكي" إهانة - يطلق الناس على أنفسهم اشتراكيين وحتى شيوعيين. يوجد في الولايات المتحدة، تابو حقيقي بسبب الدعاية الضخمة التي تعود إلى عام 1917. ومرة أخرى وفي الولايات المتحدة بشكل فريد توجد جهود دعائية ضخمة لتشويه مفاهيم الاشتراكية والشيوعية (قائلة أن هذا يعني جولاج gulag أو شيء من هذا القبيل). إنها عقبة أمام إدخال إصلاحات ديموقراطية اجتماعية، حتى لو كانت طفيفة، من نوع الصفقة الجديدة.

هذه كلها مشاكل خاصة. صحيح أنها ليست خاصة فقط بالولايات المتحدة، ولكن اتضح أنها تتفاقم هنا بسبب طبيعة المجتمع - ويتم إدارتها من قبل الشركات على نطاق غير عادي ويعتبر محيط الأعمال هذا متشدد ومنظم. حيث تقود غرفة التجارة والمنظمات التجارية الأخرى وضع ما قبل حرب الطبقات.

أما فيما يتعلق بمجلس التبادل التشريعي الأمريكي (ALEC)، على سبيل المثال، فهو مؤسسة تجارية رئيسية تدعمها جميع الشركات تقريبًا. إنهم يخوضون حاليًا صراعًا طبقيًا جادًا لمحاولة جعل أي إصلاح تشريعي مستحيلاً. وهي تعمل على مستوى الدولة للقيام بهذا الأمر. إنهم يكتبون قوانين للولايات - دعاية الشركات - ويحاولون تمرير تلك القوانين من قبل مشرعي الولاية. إذ ليس من الصعب رشوة سيناتور أمريكي، ولكن هذا الأمر يتطلب بعض العمل.

ومع ذلك، من السهل جدا الضغط على المجلس التشريعي للولاية؛ فهم ليس لديهم موارد وهو ما يجعلهم غير قادرين على مقاومة الضغط الهائل المسلط عليهم من طرف الشركات. وبالتالي تميل المجالس التشريعية في الولايات إلى اعتماد هذا التشريع. والذي في الكثير منه يعتبر رجعيا بشكل رهيب. ومن الواضح أنهم يحاولون تدمير نظام التعليم العام وجميع إصلاحات العمل. بل إنهم بلغوا إلى حد أنهم نجحوا في عرقلة الجهود لمنع تجريم سرقة الأجور. حيث أن سرقة الأجور تجارة ضخمة في الولايات المتحدة. إذ أنه يُسرق من العمال أجور بمليارات الدولارات كل عام، ويرفض أرباب العمل ببساطة دفعها لهم. لتتحول سرقة أجور العمال في الولايات المتحدة إلى سوق ضخمة.

كما يحاول مجلس التبادل التشريعي الأمريكيALEC  منع التحقيق في ارتكاب هكذا سرقة، ناهيك عن ملاحقة المتسببين فيها. إنه مثال واضح على وحشية الطبقات الحاكمة التي تدرك جيدًا وضعها الخاص. وأحد أكثر مقترحاتهم خبثًا، وهو أمر يحدث بشكل أو بآخر في السر، هو محاولة حمل الدول على المطالبة بتغيير دستوري يتطلب ميزانية متوازنة. وإذا حصلت على ما يكفي من الحالات للمصادقة على ذلك، سيحصل التعديل.

بالطبع، تعني الميزانية المتوازنة بالنسبة للحكومة الفدرالية أننا ننفق الأموال على الجيش ونقلص المساعدات الاجتماعية. وهم على وشك القيام بذلك. دون أن تتحدث تقريبا وسائل الإعلام عنه أبدًا، رغم أنهم يكادون فعل ذلك. هذه الحرب الطبقية تخاض باستمرار في الولايات المتحدة على مستوى أعلى بكثير من مستوى المجتمعات الأخرى المماثلة. ويمكننا رؤيتها بطرق عديدة. إذا نظرت إلى رواتب المديرين التنفيذيين مقابل رواتب العمال، فإن الفجوة، خاصة منذ الثمانينيات، أكبر بكثير في الولايات المتحدة منها في الشركات الأوروبية. هذه كلها أسئلة حاسمة في الولايات المتحدة وتتطلب التزامًا صارما جدا. لذلك فإن السبب في مهاجمة ساندرز في وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم ليس بالضرورة بسبب سياساته.

وإنما لأنه ألهم حركة شعبية كبيرة لا تكتفي بمجرد الظهور كل أربع سنوات بضغطة زرّ، ولكنها تعمل باستمرار - وتدفع نحو الضغط - من أجل التغيير والتي حققت بعض النجاح. كان هذا الأمر مقلقا للطبقات الحاكمة في عالم الأعمال. حيث في اعتقادهم يجب أن يكون الجمهور الكبير مجرد متفرج سلبي ولا يتدخل في هذه الشؤون.

جي سي: غالبا ما تناقش دور وسائل الإعلام والدعاية. لقد ذكرت ما وصفته في الماضي على أنه "مشكل أورويل"- وهو شعب، على الرغم من وصوله إلى كم واسع من المعلومات، يتم خداعه ويتحول إلى ضحية بروباغندا نظام إعلامي قوي. هل تعتقد أن الوضع لا زال على ما هو عليه الحال؟ وكيف يمكن للجمهور تجاوز نظام التحكم هذا؟

تشومسكي: حقيقة الأمر أن بعض الناس، بل في الواقع عدد كبير منهم، يخرجون وينشقون وهو ليس بالأمر المفاجئ بصراحة. أعني أنه حتى في الدول الشمولية يوجد منشقون، على الرغم من العقوبات الشديدة والسيطرة الكاملة على وسائل الإعلام. لأن الناس ليسوا مجرد روبوتات –بل كثير منهم قادرون على رؤية ما هو أمام أعينهم. من ناحية أخرى، عندما نتحدث عن الوصول إلى المعلومات، يجب أن نكون حذرين للغاية.

على سبيل المثال، واحدة من مؤسسات البحث الرئيسية التي تدرس مواقف السكان في الولايات المتحدة، مثل مركز بيو للأبحاث، نشر للتو دراسة مهمة إلى حد ما. أخذوا حوالي 30 مصدرًا مختلفا للمعلومات - التلفزيون والمطبوعات والإذاعة والمدونات - وسألوا الناس عن الأشخاص الذين يعرفونهم ويثقون بهم، وأنجزوا تقسيما بين الديمقراطيين والجمهوريين من بين الديمقراطيين، لا يكاد يوجد أي شخص يثق في وسائل الإعلام الرئيسية. أما من بين الجمهوريين، الوحيدون الذين فازوا بأغلبية طفيفة هم Fox News وRush LimbaughوBreitbart، وهو موقع إلكتروني يميني متطرف. وحتى صحيفة وول ستريت جورنال تعتبر بالنسبة لمعظم الجمهوريين يسارية جدًا. إذ يكفي مجرد الاستماع إلى Rush Limbaugh يوم واحد سترى نوع المعلومات التي يحصل عليها الناس.

بالنسبة إلى Rush Limbaugh، تعد العلوم والحكومة ووسائل الإعلام ركائز الخداع - ويكفي الاستماع فقط إلى اليمين المتطرف بدلاً من ذلك. هذا ما يحصل عليه الجمهوريون كمعلومات، وهم يمثلون ما يقارب نصف السكان. لا يعني ذلك أن الباقي منفتحون جدًا وأحرار بل هم بعيدون عن ذلك تماما.

فماذا تفعل حيال ذلك؟ أنت تفعل ما قمت به دائمًا. يجب أن تعمل بجد على التعليم والنظام. كانت الحركة العمالية ذات مرة أساسًا مهمًا لهذا - ويمكن إحيائها. وهناك قواعد أخرى يمكن تطويرها وهي كذلك قيد التطوير. لقد حقق النشاط الشعبي تقدماً في العديد من القضايا.

إن الحركة البيئية مثال جيد على الرغم من المعارضة الشديدة لها من جانب الشركات، حيث يتعرض الكونجرس اليوم لضغوط من النشاط الشعبي المهاجم لسياساته التخفيضية في هذا المجال. هذا الأمر يمكن أن يحدث فرقا، وهناك العديد مثل هذه النشاطات.

جي سي: لقد أبرزت العديد من أسباب التشاؤم. ما رأيك في أسباب التفاؤل؟

تشومسكي: أسباب التفاؤل واضحة جدًا، أردت أن أقول إن بيرني ساندرز على سبيل المثال قد نجح تقريبا مع القوى الشعبية في الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في عام 2016، وكان ذلك دون دعم إعلامي، ودون دعم الأعمال التجارية ومن غير تمويل من الأثرياء. ربما كان سيفوز إذا لم يكن هناك أي تخطيط في الحزب. وانتهى به الأمر ليصبح الشخصية السياسية الأكثر شعبية في البلاد.

هذا هو بالتدقيق سبب خوف المؤسسة منه. وهذا يقود إلى التفكير فيما يحدث داخل عقل الجمهور الكبير.

حسنًا، هذا الحراك الشعبي يمكن أن ينتشر من جديد–إذ كانت هناك أوقات مظلمة في الماضي وبحلول عشرينيات القرن العشرين، تحطمت الحركة العمالية - كانت اللامساواة تنمو بشكل حاد، كانت جنة رأسمالية ولم يكن هناك أيّ حركة شعبية. أما في الثلاثينات فقد تغير كل شيء بشكل جذريّ - وهذا الأمر يمكن أن يحدث مرة أخرى.

الهوامش:

- "قانون تافت – هارتلي"، هو قانون اتحادي للولايات المتحدة يقيد أنشطة نقابات العمال وسلطتها. أصدره الكونغرس الأمريكي الثمانين بشأن حق النقض ضد الرئيس هاري إس ترومان، ليصبح قانونًا في 23 يونيو 1947. تم تقديم Taft-Hartley في أعقاب موجة إضراب كبرى في عامي 1945 و1946.

- "جولاج" هو نظام معسكرات العمل.  

اقرا ايضاً من تصنيف شؤون عربية و دولية