2020-07-10

سيناريوهات أربعة للهيمنة السياسية على"عالم ما بعد كورونا"

د. ماهر الشريف

على الرغم من استمرار انتشار جائحة كورونا على نطاق واسع في العالم، من دون أن تُعرف طبيعة التداعيات الخطيرة التي ستتركها، بعد القضاء عليها، على الأصعدة كافة، فإن التفكير في تحديد ملامح "عالم ما بعد كورونا" ما زال يشغل العديد من الباحثين والمفكرين؛ إذ قرأت البارحة مقالاً مطولاً بعنوان: "سيناريوهات أربعة للهيمنة السياسية على عالم ما بعد كورونا"، أعده فابيان إسكالونا، الأستاذ في معهد العلوم السياسية في مدينة غرونوبل الفرنسية، وروماريك غودان، الكاتب والصحافي المختص بالشؤون الاقتصادية، ونشر في 23 أيار/مايو 2020 على موقع ميديا بارت، وهو يبدأ بالسؤال التالي: "ما هي المخارج السياسية للأزمة الصحية ولمجمل الكوارث الاجتماعية المقبلة" الناجمة عن جائحة كورونا؟

وفي جوابهما عن هذا السؤال، يكتب الكاتبان: "في السياسة، لا يكفي أن يمتلك المرء الحق. من الصحيح أن تعبيرات اليسار التي فضحت النيوليبرالية وتحوّلت نحو الإيكولوجيا يمكنها أن تستخلص من الوضعية الراهنة شعوراً  بالارتياح الثقافي، على اعتبار أن الجائحة بيّنت الطابع غير المحتمل لنمط التنمية المتبع، بيد أن احتمالات الحفاظ على الاقتصاد السياسي السائد، وربما القيام بعملية هروب إلى الأمام من جانب الدول وأوساط رجال الأعمال هي أيضاً احتمالات ذات مصداقية، وربما أكثر من حدوث تحول ديمقراطي وإيكولوجي ومساواتي لمجتمعاتنا".

ثم يطرح الكاتبان سيناريوهات أربعة محتملة للهيمنة السياسية على العالم الذي سيتبلور بعد القضاء على هذه الجائحة، وهي: أولاً، سيناريو محافظ، هو ترميم "النيوليبرالية المتوحشة" بقيادة يمين نخبوي؛ وثانياً، سيناريو يقوم على انكفاء موجّه ومناهض للأجانب يضطلع به يمين تسلطي؛ وثالثاً، سيناريو نهضة اشتراكية-ديمقراطية تكلل جهود يسار نخبوي؛ ورابعاً، سيناريو ما بعد رأسمالي وإيكولوجي متوافق مع انتصار يسار شعبي.

السيناريو الأول: ترميم النيوليبرالية:

يبدو في الظاهر أن النيوليبرالية، كما يرى الكاتبان، كانت واحدة من ضحايا كورونا فيروس. فجميع أسسها، من التقشف في الموازنات إلى التبادل الحر مروراً  بتحديد الأجور من خلال السوق، جرى التشكيك بها من قبل زعماء اكتشفوا  فجأة فضائل دولة الرفاه والضبط الاقتصادي. بيد أن الساعة ليست لبناء نظام جديد، وإنما لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام القائم، وذلك عبر اللجوء إلى شكل من الترميم بالمعنى السياسي للكلمة. وتملك النيوليبرالية إمكانيات تحقيق ذلك. فهي تمثل النظام القائم، وهي شكل التحقق الراهن للرأسمالية، ذلك لأن الكلمات الدارجة الآن، مثل "الدولة"، و"الإنعاش الاقتصادي"، و"الحماية"، و"السيادة" ليست غريبة على النيوليبرالية، ويمكنها أن تلجأ إلى هذه الكلمات للدفاع عن المصالح نفسها التي كانت لها في الماضي. فمن أجل إنقاذ السوق والقطاع الخاص، يصبح من واجب الدولة أن تتدخل، كي تساهم في إطلاق الإنعاش الاقتصادي وتطوير تيمة "الحماية"، وخصوصاً للوظائف والأشغال. كما  يمكنها الاعتماد على "رقمنة" الاقتصاد، الذي اكتسب خبرات خلال الحجر المنزلي، وهو ما سيقلص قدرات عالم العمل على المقاومة. وفي مرحلة ثانية، وما أن تستقر الأوضاع، حتى تصبح سياسات التقشف أمراً لا بدّ منه، وتغدو السياسات المتبعة أشد عنفاً، بحيث تعزز النيوليبرالية وظيفتها القمعية لإضعاف أشكال المقاومة لسياستها وإخفاء تناقضاتها الداخلية.

ويقدّر الكاتبان أن هذا السيناريو هو الأكثر احتمالاً من بين السيناريوهات الأربعة، لكنه يتضمن نقاط ضعف، إذ هو يفترض، في المقام الأول، أن تنسي الأزمة الاقتصادية الناس دروس الأزمة الصحية، ومن غير المؤكد أن يقبل الرأي العام مرة جديدة، كما في سنة 2008، العودة إلى الوصفات القديمة باسم "الاقتصاد".

السيناريو الثاني: "نيو-لا  ليبرالية" أكثر، أو  بالأحرى انكفاء قومي خالص.

يقدّر الكاتبان أنه عندما تضيّق طوباوية السوق الخناق على المجتمع، يصبح هذا المجتمع مؤهلاً للتحرك كي يدافع عن نفسه؛ وهذه "الحركة المضادة" لا تسير بالضرورة في اتجاه تحرري. وكان الاقتصادي كارل بولاني (1886-1964)، قد تطرق إلى "الحل الفاشي للمأزق الذي واجهته الرأسمالية الليبرالية" في الربع الأول من القرن العشرين، مؤكداً "طابعه التدميري". فازدهار الفاشيات، والأنظمة التسلطية والرجعية عقب الحرب العالمية الأولى، وتفكك النسق الاقتصادي الدولي، أظهرا أن العولمة الرأسمالية يمكن التراجع عنها، كما أن الديمقراطية والحريات الدستورية يمكن القضاء عليها. ومنذ أربعة عقود، تتطور قوى سياسية قومية تقف على يمين الخارطة السياسية في بلدان عدة، وتدعو إلى رفض الهجرة والتعددية الثقافية، وتعتبر أن الأمم تفقد "جوهرها" بفعل العولمة. وقد يكون في إمكان هذه القوى الاستناد إلى الجائحة وما يرافقها من مآسٍ اقتصادية واجتماعية كي تقترح قيام دولة قوية، تعيد إلى البلد مؤسساته الصناعية التي نقلت إلى الخارج، وتشتري ولاء الأوساط الشعبية عبر إعادة توزيع نسبي للثروة، وتوجّه  نقمتها نحو العناصر الأكثر هشاشة في المجتمع.

بيد أن الضعف الكبير لهذا السيناريو يكمن، في نظر الكاتبين، في أننا لا نعيش من جديد سنوات الثلاثينيات. إذ إن سكان الفضاء الأوروبي-الأطلسي تأثروا بحركة قوية لإضفاء طابع فردي على القيم لا ينسجم مع إعادة إنتاج فصل فاشي جديد في التاريخ، ولا مع قيام أنظمة قومية-إكليريكية، خصوصاً وأن تعبيرات اليمين القومي الراهنة لا تمتلك أي مشروع تحويل راديكالي للنظام الاجتماعي: فإيديولجيتها موجهة نحو معايير ثقافية نابعة من الماضي وليس نحو مستقبل "إنسان جديد" يتوجب تشكيله. وكما يرى الفيلسوف جاك بيديه، "فباستثناء النزعة المعادية للأجانب والنزعة التسلطية، فإن اليمين القومي الشعبوي لا يمتلك سياسة خاصة به يطرحها في مواجهة الليبرالية"، وهو إذ يعجز عن أن يتجسد في فاشية جديدة، سيكون مصيره الالتحاق باليمين التقليدي، عبر تجديد  وتجذير طاقته المتطرفة.

السيناريو الثالث: تجدد اشتراكي- ديمقراطي مشكوك به

هذا السيناريو يتمثل في قيام المجتمع بالدفاع عن نفسه، ولكن على قاعدة نمط تضامني وتعاوني، وذلك عبر الاستناد إلى رافعات الدولة، بحيث نكون عندئذٍ، كما يرى الكاتبان، أمام مساومة طبقية أكثر توازناً، تفضي إلى إعادة توزيع الثروات والسلطة بين عالم رأس المال وعالم العمل، مع إخضاع رأس المال لقواعد المصلحة العامة، الإيكولوجية على الخصوص. ويقف على رأس الدولة، والشركات، "قادة أكفاء" عقلانيون، من دون أن يضعوا الرأسمالية في حد ذاتها موضع الشك. وكانت الاشتراكية-الديمقراطية، قبل أن تقضي على نفسها عبر تشاركها في إدارة ظاهرة العولمة والاندماج الأوروبي، اعتباراً من الثمانينيات، الضامن الأمثل لهذا التوازن.

فهزيمة النموذج الاشتراكي-الديمقراطي الكينيزي في السبعينيات أفضت إلى قيام عالم تغلّب فيه التبادل الحر على الاعتبارات الاجتماعية والبيئية، وباتت الحكومات في هذا العالم عرضة بصورة دائمة لتحكم أسواق رؤوس الأموال. ويفترض مثل هذا السيناريو الاشتراكي-الديمقراطي المتجدد تنظيم أشكال تعبئة شعبية واسعة، قد توفر لها تداعيات الجائحة ميداناً مثمراً. ويمكن أن تتشكّل  تحالفات بين  قوى اجتماعية منظمة أو في طور التنظيم في إطار"جبهة شعبية إيكولوجية".

بيد ان الاقتصادي والفيلسوف فريدريك لوردون يقلل من احتمال سيادة مثل هذا السيناريو، إذ هو يفترض أن وصول حكومة يسارية إلى السلطة، مصممة على تغيير قواعد اللعبة لصالح الأكثرية الاجتماعية، سيتسبب في اللجوء إلى تدابير انتقامية متوقعة، بحيث يتوقف الاستثمار والتشغيل من جانب أصحاب الأعمال، وترتفع إلى حدود كبيرة معدلات الفائدة على الدين العام، ويتم القيام بعمليات تخريب علني لكسر حكومة يُنظر إليها بوصفها عدواً طبقيا.ً وعليه، ومع أنه يتزايد في وسط اليسار المعاصر الوعي بأن خروجاً واقعياً من سيطرة النزعة الإنتاجوية هو أمر لا بد منه، فإن قابلية هذا السيناريو على الحياة وفرص حلوله تبدو هشة.

السيناريو الرابع: الطريق نحو الاشتراكية الإيكولوجية

في مواجهة رأسمالية مصممة على إعادة إنتاج ومراكمة رأس المال واستغلال العمل و/أو الطبيعة، فإن السيناريو الأخير، في نظر الكاتبين، هو السيناريو الديمقراطي، الذي يقطع بصورة واضحة مع سيطرة الاقتصاد السلعي على المجتمعات وعلى العالم.

ويدور نقاش غني حول تعريف هذه الاشتراكية الإيكولوجية التي يمكنها تجاوز الرأسمالية، والتي من أولى سماتها سمتها الديمقراطية. فهي ثورة ضد النيوليبرالية التسلطية أكثر فأكثر، وضد خطر انحراف هذه النيوليبرالية. وهي اشتراكية استوعبت دروس فشل"الاشتراكية الواقعية"، بحيث تقوم على تخطيط متوافق مع الزمن الحاضر. وهي ديمقراطية على مستوى المؤسسات الإنتاجية تنقل سلطة رأس المال إلى المجتمع، الممثل في العمال المأجورين والمستهلكين، أو كما يقترح اقتصاديون آخرون تحقق مساواة بين حملة الأسهم والعاملين بأجر في المؤسسات الإنتاجية، على أن يبقى الهدف هو هو  نفسه، أي القضاء على سيطرة رأس المال عبر الديمقراطية الاقتصادية. كما ينبغي لهذه الاشتراكية، أن تتجاوب مع التحدي الكبير الذي لا يستطيع رأس المال التجاوب معه، وهو الانتقال الإيكولوجي، وذلك عبر القطع مع التقليد الإنتاجوي الذي ميّز اشتراكية الماضي على قاعدة مقولة "تطوير القوى المنتجة". وهنا، تبرز مسألة تحديد الحاجات بوصفها مسألة مركزية  لضمان حياة متحررة من النزعتين الإنتاجوية والاستهلاكية، بما يضمن تلبية الحاجات الإنسانية خارج نطاق استلاب علاقة الإنتاج الرأسمالي. ويمكن للأزمة البنيوية العميقة التي نشهدها أن  تساعد على تملك الوعي بضرورة مثل هذا الخيار.

بيد أنه في هذه المرحلة، ليس هناك ناقل سياسي قوي لهيمنة اشتراكية إيكولوجية محتملة، خصوصاً وأن المجتمعات هي في موقع الدفاع في مواجهة النيوليبرالية. فهل يمكن، في غياب أحزاب سياسية، كما يتساءل الكاتبان، أن تقوم حركات اجتماعية بحمل مشروع هذه الاشتراكية الإيكولوجية، ووضعه في مركز النقاش العام؟ ثم هل يمكن تحقيق هذه الاشتراكية الإيكولوجية في بلد واحد؟ وهل يمكن تصوّر قيام حركة على المستوى الأوروبي تتبنى هذا الهدف، وما هي الإستراتيجية التي تخدمها بصورة أفضل؟ وأخيراً، كيف يمكن إدراج هذا السيناريو ضمن إطارالعلاقات الدولية المطبوعة بالتنافس الصيني-الأميركي وبعدم استقرار دولي متعاظم؟ إن هذه الأسئلة غائبة إلى حد كبير، في نظرهما، عن المتأملين في هذه الاشتراكية الإيكولوجية، وهو ما يشكل ضعفاً لعرض خيار بديل متين ويتمتع بالمصداقية.    

ومع ذلك، فإن إيجاد طريق لتجاوز الرأسمالية، من دون الانشداد إلى حلم أو التبعية للمنطق الرأسمالي، يظل، في رأيهما،  تحدياً مركزياً لبناء حل سياسي، قابل للحياة، للانسدادات الديمقراطية، والاجتماعية والإيكولوجية الراهنة. وهذا يفترض القيام بنشر واسع لأفكارالاشتراكية الإيكولوجية على الصعيد العالمي.

https://www.mediapart.fr/journal/france/230520/les-quatre-scenarios-pour-l-hegemonie-politique-du-monde-d-apres?page_article=1