2020-07-10

بناء حركة شعبية ديمقراطية

سعيد مضية  

بعثت الحركة الجماهيرية في أمريكا موجات تسونامية في العالم بأسره، إذ أطْلعت العالم على ظلم اجتماعي ذي طابع عنصري ممنهج  في الولايات المتحدة هو مكون عضوي في نظامها الاقتصادي والاجتماعي، بينما تنصب نفسها عرّاب الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم. انفضاح العصرية ونظام الأبارتهايد ومن خلال التشهير بهما يمكن تحشيد تضامن دولي يردع المشروع الاقتلاعي الإسرائيلي وينهي نظام الأبارتهايد.

اضطهاد السود في الولايات المتحدة فتح الأعين على الاضطهاد العنصري الممارس في إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني فوق أرضه. أسهم ذلك في تكثيف المعارضة الدولية وتنديدها بنوايا إسرائيل ضم أجزاء من الضفة. كانت بيانات التنديد بالضم بمثابة لطمات على فم ترمب، تلك المكرهة العنصرية، صدعت الرؤوس بالهذيان العنصري، وحطت من هيبة السياسية الأميركية المتداعية. ان المظاهرات الحاشدة في الولايات المتحدة ضد العنصرية والظلم الطبقي والتضامن معها يقدم للشعب الفلسطيني مرشدا مجربا لمستقبل نضاله، فعنصرية الحركة الصهيونية ونظام الأبارتهايد الذي شيده الاحتلال هما الحلقة الأضعف في موقف إسرائيل الراهن

تفجرت التظاهرات الحاشدة في الولايات المتحدة والعالم مواصلة لظاهرة احتجاج ضد الامبريالية في مظهرها الليبرالي الجديد. فقد شهد العقد الأخير موجات من الانتفاضات الشعبية في أقطار عربية أطاحت بالأنظمة الأبوية الاستبدادية، فتحت اعين الشعوب العربية على تخلف أنظمة تحكم بأسلوب أبوي ينفرد بالقرار ولا يقبل الحوار ولا المشاركة؛ انظمة أبوية لا عقلانية وعاجزة وفاشلة بالنتيجة، تنشد الحماية لدى السيطرة الامبريالية وتسد الطريق بوجه التطوير الاقتصادي والثقافي والسياسي للمجتمعات العربية. قصرت الانتفاضات عن التغيير الثوري للمجتمعات، نظرا لغياب او ضعف هيمنة حركات  ثورية تقودها. بالنتيجة نجحت الأنظمة الأبوية، بالتعاون مع الهيئات الاستخبارية الأجنبية وبالاستناد الى عناصر الليبرالية الجديدة في أجهزة الإدارة والأمن داخل الدولة في التصدي. غير أن الحراك الجماهيري عمل بمثابة مدرسة سياسية أطلعت الجماهير على عورات تلك الأنظمة؛ إذ تعرت بعدائها للتقدم والوحدة العربية  وتكشف دورها الكابح للعلم وللتحرر والديمقراطية والتنمية. فقدت الأنظمة الأبوية الاحترام  والثقة من جانب الجماهير الشعبية المحرومة.

كما أظهرت نتائج الانتفاضات الشعبية أن المجتمعات العربية تواجه أزمة مركبة: أزمة نظام الحكم الأبوي عفا عليه الدهر وبات جثة متعفنة، وأزمة قوى ثورية لم تتأهل لقيادة الجماهير الساخطة في عملية تغيير جذري باتجاه الديمقراطية والتحرر وتحقيق السيادة الوطنية والوحدة القومية، ولو بأدنى مظاهرها، والتنمية الاجتماعية. في عصر التقاني المتقدمة تلعب المشاريع الاقتصادية المشتركة دورا في تسريع التنمية.

لم توقف الامبريالية مساعيها لكبح جماح التحولات الثورية على صعيد العالم بعدة وسائل وأساليب: أولاها نشاط المخابرات المركزية لتدبير انقلابات دموية وثورات مضادة سحقت بصورة دموية  النظم والحركات الواعدة والملهمة للشعوب؛ دبرت الامبريالية الانقلابات العسكرية للقضاء على الحكومات المنتخبة والمتطلعة لبناء مجتمع الرفاه؛ كما اعتادت الامبريالية رشوة الشرائح العمالية العليا في البلدان الرأسمالية المتطورة، فحولتها كوابح تفرمل الحركة الثورية، خاصة في بلدان الرأسمالية المتطورة، واعتمدت أنماطا من التربية والإعلام يشيعان الإرباك في صفوف الجماهير ويولدان ثقافة تعزز أيديولوجيا البرجوازية في الوعي الاجتماعي، ويؤدي الى تسطيح وعي الشباب، وفي المجتمعات العربية أشيع الاقتصاد والثقافة الاستهلاكيين؛ اتسعت قواعد الأنظمة الأبوية، حيث التف التيار السلفي حولها وتبنى توجهات اقتصادية تشجع الاستهلاكية وتحول دون التنمية، وفي المجال الثقافي سخر منابره الإعلامية ومؤسساته التربوية والخطب الدينية لتشويه الفكر التقدمي وتسفيه ثقافة الديمقراطية، وضمن هذه الحملات نشطت إسرائيل تخرب الحركات الديمقراطية في المجتمعات العربية كافة، وتشغلها بالفتن وبالصراعات الطائفية والعرقية عن التوجه نحو إنجاز التغيير التقدمي.

وأطلق عدوان حزيران 1967 والليبرالية الجديدة التي تزامنت معه مسلسل تداعيات داخل المجتمعات العربية كافة، أرجعت دول منطقة الشرق الأوسط ومقدراتها الى السيطرة المباشرة للتحالف الامبريالي  -الإسرائيلي. اقتصر اهتمام الحركات الوطنية في فترة النهوض الوطني والاجتماعي على تحفيز الحماس الشعبي واستثماره، واغفلت التربية السياسية والفكرية للجماهير، حتى أنها اندمجت مع التيار الناصري في رفضه للديمقراطية، أي إبقاء الجماهير تحت الوصاية. ولذا تعمقت الردة بعد حزيران، بحيث لم تتح التداعيات فرصة لشعوب المنطقة كي تلتقط الأنفاس. وليس من تقليد حركات التحرر في المنطقة إجراء مراجعة نقدية، ولا هي اتقنت التفكير الاستراتيجي؛ فانخرطت في ردود أفعال متشنجة انفعالية أفضت الى نتائج كارثية. أحدثت تداعيات حزيران وثقافة الليبرالية الجديدة المتفاعلة معها تأثيرا عميقا على الوعي الاجتماعي، تركته أسيرا للفكر السلفي. دعمت الليبرالية الجديدة مخططات الهيمنة الامبريالية، وقدمت الأنظمة الأبوية تسهيلات طوعية بإشاعة الفساد الإداري والمالي والتفكك الاجتماعي والانحلال الأخلاقي في المجتمعات العربية. 

في هذه الأثناء، وبإشغال كل مجتمع بكوارثه، أوغل الاحتلال الإسرائيلي في نهب الأراضي العربية المحتلة وتشييد المستوطنات وتهويد القدس وفرض نظام أبارتهايد كبّل المقاومة الشعبية لمشاريعه الاقتلاعية. أقرت الكنيست قانون قومية دولة إسرائيل، بموجبه أسقط حق تقرير المصير للفلسطينيين. اوصد الاحتلال جميع المنافذ بوجه الشعب الفلسطيني، باستثناء مخرج الترانسفير. بقيت الفصائل الفلسطينية مشغولة عن الواقع المتدهور بخلافاتها البينية، واندمج التنظيم السياسي لكل فصيل استحوذ على السلطة، في الضفة او القطاع، بالجهاز الإداري وفقد حيويته الثورية. من اجل سيطرة وهمية استثمر الفصيلان في الضفة والقطاع السلطة المفرغة كل بتثبيت سطوته ورشوة الأعوان. في تلك الأثناء كتف الأيدي بقية الفصائل ، ومعظمها تدعي اليسارية، بانتصار رشاد الفصيلين.

في ضوء الخطر الوجودي، وبتأثير موجة تضامن دولي ضد خطة ضم مناطق محتلة لدولة إسرائيل، ومن ثم التصفية شبه التامة (او قبل الأخيرة) للقضية الفلسطينية لصالح دولة يهودية خالصة في فلسطين، استفاق الفصيلان الرئيسان على الهاوية فاغرة فاها، وقررا التحول الى توحيد الجهود. وفي برنامج "لعبة الأمم"، الذي حاور، مساء الأربعاء، السيد جبريل الرجوب، عضو مركزية فتح، اكد صدق نوايا فتح وحماس في التعاون وتذليل الخلافات بينهما. التحول الجديد ينعش الآمال؛ ولكن حراجة الموقف نتيجة لتداعيات الفشل السابقة وضغوط نهج الضم تلزم الجميع اتباع منهجية علمية صارمة تتجنب أخطاء الماضي ولا تجرب المجرب.

السيد الرجوب تحدث اربع مرات، خلال الأربعين دقيقة الأولى من الحوار، عن التوجه الى المجتمع الدولي قبل أن ينبس بعبارة التوجه الى الشعب. ابلغ عن مهرجان سيعقد في رام الله يدعى إليه نخب مميزة، ويخطب فيه شخصيات دولية. هذا نشاط استعراضي لن يضيف الى قناعة العالم بعدالة قضية شعب فلسطين. والمؤتمر الدولي، على أي شكل وصيغة يتم، لن يوقف الجهد الأميركي لتعطيل كل قرار لا تقبل به إسرائيل. تغييب الجماهير يعوض بعقد ندوات تشرح وتحلل وتشرك الجماهير في عملية تثقيف جماعي. أسلوب التثقيف الجماعي اجدى واكثر فائدة.

تطرق السيد جبريل الرجوب الى توجه الدول العربية الى أميركا دون الضغط عليها؛ إذ بدون تهديد المصالح الأميركية بالمنطقة، دون تدفيعها ثمن انحيازها لباطل إسرائيل، لن تنجح أي مساع مع "المجتمع الدولي"ولن تفضي الى نتيجة إيجابية. تحدث السيد الرجوب طوال أربعين دقيقة قبل ان يبهج المستمعين بذكر المقاومة السلمية الشعبية، إحدى شروط ثلاثة لقيام الدولة الفلسطينية.

البعض ممن يقصرون اهتمامهم على التحولات الجذرية ينسون او يتناسون أن الثورة في أصلها وعيا وثقافة، يتم تراكمها من خلال الممارسة اليومية للسياسة. ما من ثورة ظافرة أُنجزت بدون مشاركة جماهير واعية ومعبأة. أبرز معالم الرؤية العلمية لتطوير الحراك الشعبي ان لا نجرب المجرب، او كما قال أحد المفكرين: الحماقة ان تكرر محاولة فشلت ضمن نفس الظروف والملابسات. دخلنا في ظروف الحصار الإسرائيلي والتباساته في مواجهة مسلحة مع المحتل الإسرائيلي وكانت النتيجة نكسة للنضال أطلقت الأيدي في مصادرة الأرض وتوسيع الاستيطان والتوطين. ولم يتغير من ملابسات الفشل عنصر.

مرارا نجحت إسرائيل في استدراج المقاومة الفلسطينية الى مواجهة مسلحة لكي تفتك بالشعب وتروعه. إسرائيل صدرت الى الولايات المتحدة أساليب ووسائل قمع الحراك الشعبي، كشفت حقيقتها الحركات الشعبية بالولايات المتحدة. لكن من جانب مقابل استوردت إسرائيل خبرات التسلط العنصري، وإسرائيل استوعبت الخبرات وطورتها ضد الجماهير الفلسطينية: الولايات المتحدة صدرت لإسرائيل تقنية أبقت السود في ظروف الخضوع المطلق لإرهاب مستدام من الشرطة ومن منظمات الجريمة التي لا تعيرها الشرطة الاهتمام. اختطت السلطات الأميركية نظاما تعليميا بائسا افضى الى تسطيح الوعي العام، ولا يدرب على مهنة، ما سهل الانحراف الى الجريمة ووضع السود كافة في خانة الإجرام وعرضة للمطاردات البوليسية، والإرهاب المستدام والترويع المتواصل من قبل الشرطة.

أدخلت الشرطة الأميركية في شيكاغو الدعارة في بادئ الأمر الى أحياء السود ثم دفعت بارونات المخدرات لتسريب بضاعتهم الى تلك المناطق وغضت النظر عن ترويج المخدرات واستهلاكها. وحيث حرية النشاط الإجرامي نقلت عصابات الإجرام المنظم أنشطتها الى أحياء السود. بشكل عام تعمدت الشرطة عدم تعقب الجرائم والمجرمين في أحياء السود؛ شأن الشرطة الإسرائيلية في التجمعات العربية صف القرن، والأصح أن الشرطة الإسرائيلية استلهمت خبرة الشرطة الأميركية الممتدة منذ منتصف القرن التاسع عشر. لا تتدخل الشرطة إلا لإبقاء  الضحايا في رعب وترويع، يحملها على الخنوع والإذعان، او لسحق التحرك، فتنزل بكل جبروتها لتبطش وتمارس إرهابها بشكل مستدام.

من غير المجدي تعويض التربية السياسية بالإكراه؛ فقد ثبت فشله في بناء جسور العلاقة مع الجماهير. فكثيرا ما تعوض فصائل سياسية غياب ثقة الجماهير بطروحاتها، بإكراهها على الإضراب أو التظاهر أو الامتناع. السياسة، بما تعنيه من التعامل اليومي مع الجماهير، تتيح التواصل الدائم مع الجماهير، تعلمها وتتعلم منها، تضبط إيقاع الحراك الشعبي بما يضمن الحفاظ على الواقعية السياسية ويعزز لحمة العلاقة بين الحركة السياسية والجماهير، وبما يصون الجماهير من الانزلاق في هاوية الخيبة أو الانفعالية النزقة، وترفع جاهزية الحزب مع تنامي المزاج الثوري. بدون إشراك الجماهير في السياسة يستحيل تجسيد الفكر واقعا متعينا.

ان استنهاض مقاومة شعبية متصاعدة ليست امرأ عفويا ولا ينجز غب الطلب. لا تهرع الجماهير فورا لنداء القيادات الوطنية، يجب أولا معرفة الواقع الذي تكابده الجماهير. على القيادة او القيادات الوطنية أن تعي أن القسم الأعظم من الجماهير التي يراد استنهاضها للنشاط المقاوم سئم صراعاتهم وأفكارهم، ولم يعنّ النفس باستكناه الخلافات، ففي حالات الركود استكانت الجماهير لأوهام وضعتها في محجر مفتوح على الإذعان للمتسلط، بعيدا عما يدور من وقائع ومن صراعات. اندفعت الجماهير، وقد غاب اليسار الثوري واختفى نفوذه الشعبي وفقدت الأفكار الاشتراكية جاذبيتها، إلى البحث عن منافذ بديلة تحقق تطلعاتها من خلالها أو حتى لتبرير القبول بالأمر الواقع. أشرعت أبواب أيديولوجيات جاهزة سلفا ومتربصة بالجماهير، أدخلتها بيت طاعة الأنظمة الأبوية بين وعود بـ"الرجوع" إلى ماضٍ تليد وحضارة خاوية. على القيادة الوطنية ان تعي البون الشاسع بين ما يدور بخلدها وبين حصيلة ما تجرعته  قطاعات من الشعب خلال عقود التيه.

تخطئ القيادة خطأ فادحا إن هي تعاملت بالأوامر مع الجماهير. الشعب لا يساق بالأوامر، فطموحاته الوطنية محفز داخلي، وهو على اهبة الاستعداد للمقاومة والتضحية. لكن الجماهير الشعبية،  وقد عانت الإهمال طيلة عقود، ولديها مخزون ذكريات مريرة لعقود من خيبات الأمل، بحاجة لما يحيي الآمال بمهام بسيطة ناجحة تعطي مردودا سريعا يلهب الحماس الشعبي. مهمات صغيرة، ص تنجزها جماهير المقاومة من شانها ان تكسب للحركة زخما يزيدها قوة وإقداما. ان وضع خطة قابلة للتنفيذ، صدام سلمي يستنفر المزيد من التضامن، دون  زج الجماهير في دوامة أو متاهة.. كل ذلك من شانه أن يضمن تدفق جماهير متزايدة باضطراد الى المقاومة.

الجماهير بعد النكسات لا تسلم قيادها بيسر، تطلب الثقة بطاقاتها والإلمام بنفسيتها كي تثق بقيادتها. يتميز الماركسيون بفهم الامكانات الثورية للجماهير وكيفية بعثها وتحريكها. الماركسية هي نظرية التغيير الثوري الذي لا ينجز بغير تدفق الحراك الشعبي الديمقراطي. تشكل الجماهير النشطة سياسيا أداة التغيير الاجتماعي، وليس مجرد عزوة واحتياطي استعراضات او انتخابات. ولذلك تحرص القوى الرجعية والمحافظة على حجز الجماهير في محجر وتحاشي الحراك الشعبي. 

 الجماهير تتعلم من التجربة. تعاقبت أجيال في مناخات الإحباط والقطيعة مع قوى التغيير الاجتماعي، ولا بد من مراعاة  تنظيم الجماهير في هيئات اجتماعية كالنقابات والأندية والجمعيات واتحادات الشباب والنساء والطلبة. لقد أشار كارل ماركس، منذ زمن بعيد، إلى أن الطبقة العاملة بدون تنظيم ليست سوى مادة خام للاستغلال. والشرط الأخير، لكن الأساسي، لإنجاح الثورة هو قيادة تحالف ثوري جذوره متشعبة في الوسط الشعبي وكوادره تتقن التعامل مع الجماهير وكسب ثقتها ، قيادة تتقن التفكير الاستراتيجي، استشرافا وتخطيطا وتنظيما، متمرسة بالتوقع السياسي المبني على الحدس باحتمالات المستقبل انطلاقا من الحاضر واتجاهات تطوره.

من خلال النشاط الشعبي يجري تثقيف الجماهير وتربيتها سياسيا؛ الجماهير لا تتعلم من الكتب ولا في دورات دراسية؛ فهذه أساليب تربية الكوادر الحزبية الثورية سياسيا وفكريا- نظريا. والكوادر بدورها تنقل الى الجماهير عبر الممارسة العملية حقائق الحياة المجتمعية وتفسر لها الأحداث ذات العلاقة بالمقاومة الوطنية، ومن ثم تحدد المهام اللاحقة للنشاط الشعبي. عبر هذه الفعاليات يتم تنظيم الأنشطة. التنظيم والوعي يتلازمان في مجرى الممارسة العملية للنشاط السياسي. وهذه هي الوسيلة الوحيدة والمجربة لنقل الجماهير من حالة السلبية الى الإيجابية المغيرة للواقع.

من خلال النشاط السياسي تنجز مهمة تربية للجماهير سياسيا وثقافيا، انتشالها اولا من حضيض التبخيس الذاتي والاستلاب، الموروثين عن قرون عديدة خلت من القهر والهدر هدف السياسة التقدمية في البلدان التي ما تزال عالقة بإرث العصور القديمة، وأبرزها تبخيس الجمهور، ينشد بناء حركة شعبية ديمقراطية، أداة سياسية للتغيير الاجتماعي. وظيفة السياسية إحداث تغييرات كمية تتراكم فتحدث تغيرا نوعيا يجسد الفكر الملهم للسياسة. هدف السياسة التقدمية في البلدان التي ما تزال عالقة بإرث العصور القديمة، وأبرزها تبخيس الجمهور، ينشد بناء حركة شعبية ديمقراطية، أداة سياسية للتغيير الاجتماعي.

الحركات الاجتماعية غدت القوة الأساس القادرة على تحدي الوضع القائم ومجابهة سلطته المركزية دون اللجوء الى أساليب الثورة المسلحة. ونظرا لكونها تمثل المجتمع، فإن بنيتها تتألف من مجموع شرائحها الاجتماعية وطبقاتها المحرومة ضمن النظام الأبوي وتنظيماتها السياسية والاجتماعية واتجاهاتها الفكرية الإيديولوجية. من ثم فمطالب الحركات الاجتماعية عريضة وشاملة: الحريات الديمقراطية، حقوق الإنسان، خاصة المرأة والطفل، التنمية الاجتماعية، تطوير التعليم ونظام التربية، العدالة الاجتماعية الخ.

رفع هذه المطالب يدخل شرائح جديدة باستمرار الى النضال السياسي، وإنجاز بعض المطالب يشجع الحركة الجماهيرية، ويعزز التوجه الديمقراطي داخل المجتمع. لكن إنجاز مطالب الحركة الشعبية كاملة  يتم بعد الانتصار التام للحركة الشعبية الديمقراطية وبناء الحياة الديمقراطية؛ حينئذ لا تركن الجماهير جانبا، بل تحوز حصتها من مكاسب الثورة، تبقي الجماهير حارسة لمكتسبات الحركة الثورية، التي هي أيضا مكتسبات لمختلف شرائح المجتمع. في هذا السياق يتميز الماركسيون الحقيقيون، حيث الجماهير الشعبية ، حسب رؤيتهم، اداة التغيير الاجتماعي، والمستفيدة الرئيسة من مكاسب التغيير وحارسة منجزات التغيير.

بعكس ما ساد في السابق، حيث الولاء وما يكتنفه من انتهازية ووصولية واستئثار بالمغانم هو الاتجاه السائد، فإن "في ثقافة الإنجاز تتحدد المكانة انطلاقا من الجدارة وحدها. الجدارة هي المرجعية في الحكم والتقويم والامتيازات. هنا يكمن مأزق العصبيات والمحسوبيات على اختلاف أنواعها وأشكالها. ذلك أنه لا إنسانية ممكنة لأي فرد إلا من خلال الشرط المؤسس لها، والذي يتمثل في الاعتراف بإنسانية الآخر. الحق بالمواطنة شامل للجميع بغض النظر عن الجنس او اللون او العقيدة الدينية."بالتبادل يفتح باب اللقاء الإنساني والشراكة الإنسانية في الوجود والمصير"، كما يقول علم النفس الاجتماعي. في ثقافة الإنجاز التي تشكل قاعدة كل نماء أو بناء لا يرى المرء من مفهوم لذاته أو تصور إلا باعتباره كائنا منجزا يحسن تنمية طاقاته وتوظيفها.

كما أن صناعة المستقبل قائمة على الجهد الذاتي والجماعي بما فيه من تجديد وإبداع ونقد. ثقافة التطور الاجتماعي نقدية في طابعها وجوهرها. والخطاب النقدي يزلزل الإيديولوجيا اليقينية الموروثة ، القائمة على الثبات والديمومة – الإبقاء على الجسور القائمة!! تلك الإيديولوجيا كرستها الأنظمة الأبوية مستندة الى استبدادها واحتكارها للحقيقة واعتماد الأوامرية السلطوية. الفكر العقائدي بأنماطه كافة يلهم الركود والمراوحة ، بينما الفكر النقدي يشيع أجواء الحوار المبدع للأفكار والرؤى الجديدة. وعلى مستوى الممارسة الاجتماعية يلجا الخطاب النقدي، وان تجريبيا، الى رفع غطاء الشرعية عن المقومات النظرية للسلطة اللاهوتية ونفوذها السياسي. النقد وما يترتب عليه من حوار يثبت قواعد الديمقراطية.

رغم النكسات والخسائر فإن البعض من الصف الوطني ما زال يراوح عند الكفاح المسلح، او يتواضع ليطرح مختلف أشكال النضال. من المستحيل ان تقصر إسرائيل عنفها المسلح على حملة السلاح فقط، ولا يخامرنا الوهم ان المقاومة السلمية لن تقابل بالعنف الدموي. إسرائيل لا تفوت فرصة دون استخدام العنف المسلح  للفتك بالجماهير كافة بهدف ترويعها وتركيعها. وتجربة الماضي القريب ماثلة في الأذهان. الكفاح المسلح لا ينجح ولا يتواصل إن اندلع بغتة وفق نزوات. استمرارية الكفاح المسلح مشروطة بتفاعله مع نهوض شعبي يغذي الكفاح المسلح ويتغذى من نجاحاته. وهكذا نعود الى العمل الدؤوب في أوساط الجماهير وتربيتها سياسيا وتحريكها بعد بيات.

بالتفكير الاستراتيجي تستوعب القيادة بصورة شاملة تقلبات الماضي المفضية الى الحاضر. تدرك العدو تمام الإدراك وتتعامل معه بموضوعية، بدون أوهام أو تقديرات ذاتية؛ وإن استطاعت تعبر الى تلافيف عقله وتتفهم كيف يفكر، وبماذا يفكر ويخطط، تستشرف أساليبه وتتوقع ردود أفعاله المحتمله وتتهيأ لها. خلال الحراك الشعبي تتعلم الجماهير وتغتني معارفها بحاجات المجتمع ويتسارع مع اتساع وعيها الاجتماعي، تستوعب  الجماهير في غضون 24 ساعة من الأحداث العاصفة،  أكثر مما تستوعبه خلال عقود.

كيف نتوجه بالمقاومة؟ نواجه احتلالا يدعي انه حرر أرض الأجداد ويلقى ادعاؤه قبول المتأثرين بالكتاب المقدس عند المسيحيين. والبعض من بين السلفيين المسلمين يصدق قيام دولة يهودية في فلسطين القديمة، جاهلا بما توصل إليه علم الأثار والتنقيب الأثري. الثقافة المسيحية تتسامح مع الرواية الإسرائيلية في هذا الصدد، غير ان أبسط مفاهيم القانون الدولي لا تعطي الحق بسيطرة شعب على آخر او انتهاج سياسة عنصرية، أوتهجير جماعة بشرية من حيث تقيم منذ قرون ولا حتى عقود. القانون الدولي صريح،  لو صدقت الرواية التوراتية، يدعو لتعايش الشعبين المتواجدين على الأرض المشتركة. واليهود الذين هاجروا الى فلسطين، مخدوعين بانه أرض الميعاد ووطن الإباء، من حقهم الإقامة حيث هم شريطة التخلي عن العنصرية وقبول العيش المشترك. وذلك هو المآل النهائي للصراع على فلسطين. لكن هذا لا ينجز إلا على مراحل تتعاقب، أكثرها تعقيدا التخلص من نظام الأبارتهايد. النظرة العنصرية للصهيونية هي الحلقة الأضعف، وهي التي  تقبع خلف الشحن الفاشي للجماهير اليهودية. يجب التركيز عيها لاستنفار تضامن دولي يكسر صلف الغطرسة الإسرائيلية.