2020-07-21

الـنـجـاة مـن "كـورونـا" أولاً

مهند عبد الحميد

انتشر فيروس كورونا في فلسطين كما تقول بيانات وزارة الصحة اليومية، حيث ارتفع معدل الإصابة ليصل بين 400 - 500 إصابة يومياً. وجرى التعرف على البؤر التي ينتشر منها الفيروس كمحافظة الخليل ومحافظة القدس وقلقيلية وبعض قرى رام الله، إضافة إلى مخيم الجلزون. السبب هو عدم الالتزام بشروط السلامة العامة والاستسلام لمقولة: «لا يوجد فيروس». 

يستمر التخالط الاجتماعي المفتوح وكأنه لا يوجد فيروس، ما يجعل الانتشار يحدث بوتائر قد تضاعف من نسبة الإصابات. نقابة الأطباء تحدثت عن سبب وجيه لانتشار الفيروس وهو وجود عدد كبير من حاملي الفيروس، غير معروفين للناس الذين يتخالطون بهم، والأخطر أن المصابين لا يعرفون أنهم مصابون، ما يجعل نقلهم للعدوى أمراً خارج السيطرة والضبط والربط. حسنا فعلت الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني بإغلاق صالات الأفراح بما في ذلك الموجودة في مناطق تسمى (ب) و(ج). لكنها لم تحسن صنعاً في وقف احتفالات «التوجيهي» واحتفالات استقبال الأسرى المحررين. 

لا شك في أن ارتفاع نسبة المصابين بالفيروس إلى 500 مصاب يعود إلى النشاط الاجتماعي المكثف في الأعراس والمآتم واستقبال المحررين في وقت سابق، وستضيف مخالطات الاحتفال بـ»التوجيهي» وكل أنواع المخالطات الأخرى إصابات جديدة في الأيام القادمة. طالما هناك مصابون بالفيروس بأعداد كبيرة غير معروفين ولا يعرفون أنفسهم سيبقى الفيروس خارج السيطرة. هذه الفئة تعتبر أخطر البؤر التي من المفترض معرفة أسباب حملها للفيروس حتى يتم تجاوز الخطر الذي تتسبب به. الأعراس توقفت في الصالات وقد تستمر في البيوت، العمال العائدون من العمل داخل الخط الأخضر الذين لا يتبعون إجراءات السلامة لهم ولعائلاتهم يعتبرون مصدراً للعدوى، صلاة الجماعة في المساجد من دون إجراءات سلامة... إلخ، وغير ذلك من استقبالات وسهرات مصادر أخرى للانتشار.

هل يكون الحل بالإغلاق الكامل وما قد يتسبب في خنق وانهيار اقتصادي؟ هل يستمر الانفلاش وعدم الانضباط، ما قد يتسبب في مضاعفة الإصابات إلى مستوى يفوق قدرة الجهاز الطبي وإمكانياته على العمل والذي قد يتسبب في انهياره، بما في ذلك إصابة أعداد كبيرة منه بالفيروس والدخول في كارثة صحية؟ المخرج الحاسم يكون بتحمل المسؤولية الفردية والجماعية في الالتزام بإجراءات السلامة العامة. ويأتي في المرتبة الثانية إجراءات الحكومة وإخضاع الجميع لسلطة القانون وللبروتوكول الصحي الصادر عن وزارة الصحة ومعاقبة المخالفين استناداً للقانون.

ما تقدم ينحصر في درء خطر الفيروس عبر إجراءات الوقاية، غير أن العامل الإيجابي يرتبط بتماسك وتعاضد المجتمع ومؤسساته وقواه الفاعلة كما حدث في المرحلة الأولى لانتشار الفيروس. ثمة فرق بين المرحلة الأولى التي كان فيها انتشار الوباء محدوداً، وبين المرحلة الثانية التي تضاعف انتشار الوباء في معظم محافظات البلد، والتي كان من المفروض أن تزداد وتيرة التعاون والدعم بين مكونات المجتمع. خلافاً لذلك حدث نوع من التراجع في الروح المعنوية والثقة، وفي التعاون والتطوع والدعم بين مكونات المجتمع. إن تراجع التعاضد المجتمعي لحظة اشتداد الخطر من شأنه أن يفاقم الخطر، خطر الفيروس وخطر تصفية القضية المتأتي من «صفقة القرن» سيئة الذكر. 

دعونا نتوقف عند هذا التحول، تراجع زخم حملات التبرع والدعم نسبة للحملات والمبادرات في بداية الوباء، كانت المبادرات قليلة وغير نوعية، باستثناء البنك الإسلامي للتنمية الذي تبرع بـ 5.5 مليون دولار لتغطية احتياجات صحية عاجلة، وما تبقى كان دعماً محدوداً كحملة «ثمرة خير» بالتعاون مع مديرية التنمية الاجتماعية وزعت 8 أطنان خضار وفواكه على 95 أسرة محجورة في بلدة تفوح/ الخليل، وهيئة الأعمال الخيرية العالمية أطلقت المرحلة الثانية من حملة «دفع البلاء» بتعقيم مئات المساجد والمتاجر والمحال، وتقديم مجموعة باسم فاعلي الخير المغتربين 10 أجهزة طبية وأدوية، ومؤسسة جذور تتبرع بأجهزة طبية وتسلمها لمحافظ طولكرم، وثلاثة مشاريع تمكين في طولكرم، ومزرعة الدالية التي تمتد على مساحة 128 دونماً بدأت تعطي ثمارها، ودعم هيئة الأعمال الخيرية الإماراتية بطرود نظافة لمخيم الجلزون إضافة إلى حملة تعقيم. يلاحظ محدودية المبادرات التي تم رصدها على موقع محليات / وكالة معاً على امتداد أسبوعين.

من جهة أخرى، لم نسمع بإضافة مبالغ لصندوق «وقفة عز» في الوقت الذي خضعت فيه أموال المقاصة للقرصنة الإسرائيلية، وفي الوقت الذي لم تنفذ فيه الدول العربية قرار تأمين شبكة أمان مالية بقيمة 100 مليون دولار شهرياً لتفادي الحصار الإسرائيلي الخانق. لم يصل الصندوق لرقم 30 مليون دولار الذي وضعه القائمون عليه كهدف لشهرين من بدء الحملة. هل 30 مليون دولار هو أقصى ما يستطيع تقديمه الرأسمال الوطني الفلسطيني في الداخل والخارج؟ ولماذا لا يتحول صندوق وقفة عز إلى صندوق يشارك في تغذيته متوسطو الدخل وأقل من ذلك إلى جانب كبار الرأسماليين الفلسطينيين.

إن تطوير الموارد من داخل المجتمع والتجمعات هو التحدي الذي يواجه الشعب الفلسطيني في معمعان التحولات التي تمظهرت بهيئة توحش الرأسمال الكوني وإداراته الحكومية وغير الحكومية. هل حدثت أخطاء أضعفت دعم الرأسمال الوطني؟ لماذا لم يخرج صوت للقائمين على الصندوق في الموجة الثانية الكبيرة لانتشار الفيروس. 

هناك فرق بين مفهوم الدعم الموسمي الذي يقدمه أصحاب المال وينتهي في لحظة قد تتكرر وقد لا تتكرر، وبين مساهمة رأس المال المتواصلة في تقاسم الأعباء وفي حل الأزمة وتقديم شبكات الأمان لفئات متزايدة من المواطنين/ات بالمعنى المجازي، وتحمل جزء مهم من مسؤولية تعزيز صمود الشعب المحاصر بين فكي فيروس كورونا القاتل وفيروس الاحتلال المدمِر. إن رفع العتب بمستوى معين من الدعم على أهميته، لا يخرج الشعب من الأزمة الطاحنة. ثمة فرق بين الشراكة في كل شيء وبين اللاشراكة. 

هناك من يقول: إن الرأسمال الفلسطيني يساهم في حل الأزمات بتقديم القروض وبمستوى من الدعم للمؤسسات والجمعيات ولفاقدي عملهم. هذا صحيح ولكن ليس بمستوى الشراكة، ولا يتناسب مع مستوى الأزمة والحصار الخانق. وهناك من يقول: إن السلطة لم توفر البنى والمؤسسات التي تسمح لهم بالمشاركة وبهذا فهي المسؤولة عن محدودية دعمهم. 

لم يقتصر التراجع على الدعم وإنما تراجع العمل التطوعي عن زخمه السابق الذي كان بحاجة إلى تطوير للحيلولة دون توقفه. مقابل ذلك زاد الإحباط والتشكيك والرؤى السوداوية في أوساط جيش «التواصل الاجتماعي». ما تقدم بحاجة إلى نقد، فيه بناء أكثر، وفيه هدم أقل، ننجو من «كورونا» أولاً، توطئة لإلحاق الهزيمة بالصفقة ثانياً، لمواصلة تحررنا وتقرير مصيرنا دون وصاية من أحد.