2020-07-24

 ورقة تقييم لتشكيل مجلس القضاء الأعلى الانتقالي الفلسطيني وأدائه

أصدرت "الرابطة الأهلية لحماية الدستور"، اليوم الجمعة، ورقة تقييم حول تشكيل مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني الانتقالي وأدائه، طالبت من خلالها بإنهاء عمل المجلس، والعودة الصادقة إلى الإصلاح بتشكيل مجلس القضاء الأعلى الدائم المنصوص عليه في قانون السلطة القضائية.

وفيما يلي نص الورقة:

درجت السلطة التنفيذية، منذ العام 2000، على تشكيل مجالس قضاء أعلى متعاقبة، وفي العام 2002 صدر قانون السلطة القضائية الذي أقره المجلس التشريعي، وشكل هذا القانون نقلة نوعية باتجاه مأسسة القضاء وفق أسس ومعايير موضوعية وعالمية، واعتُبر قانوناً نموذجياً يضمن استقلال القضاء وحياده. من هذا القانون، اتجهت إرادة السلطة التشريعية لتشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي، يعمل على بناء التكوين والأداء المؤسسي الفاعل للسلطة القضائية بالضمانات التي احتواها القانون الأساسي وهذا القانون، إلا ان السلطة التنفيذية تجاهلت إرادة المشرّع في ذلك الوقت، واعتبرت المجلس الذي شكلته قبل صدور القانون هو ذاته الانتقالي، فخالفت القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية، وأرادت بذلك احتكار تشكيل المجلس للهيمنة وكامتياز لها، وأضاعت أول فرصة حقيقية جادة لإصلاح القضاء وتمكينه مؤسسياً بما يضمن استقلاله واستقلال أعضائه وصيانة الحقوق.

منذ ذلك الحين والسلطة التنفيذية تعمل على اختيار وتعيين رؤساء المجالس المتعاقبين دون أي تدخل أو مشاركة حقيقية من السلطة القضائية، حتى بات معلوما للكافة ان إدارة القضاء هي صنيعة السلطة التنفيذية، وأن الإجراءات والممارسات التي تنتقص من استقلال القضاء وحياده كانت إما بطلب وتوجيه من هذه الإدارات المتعاقبة المعينة من السلطة التنفيذية، او بتغطية منها، من خلال عدم الجدية في إعمال أدوات الرقابة والمساءلة المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية. واستكمالاً لهذا المشهد، الذي كانت فيه وما زالت السلطة التنفيذية مسيطرة على إدارة القضاء، وخضوع الأخيرة لإرادة السلطة التنفيذية وأعوانها، مقابل إخضاعها القضاة، وازدياد تدهور الحقوق، واستباقاً لأية مبادرات حقيقية يمكن أن ينشأ عنها إصلاح جاد في القضاء، وبفعل تحالف مصالح بين السلطة التنفيذية وبعض مؤسسات المجتمع المدني على حساب الدستور والقانون، أصدر الرئيس القرار بقانون رقم (17) لسنة 2019 وانفرد بموجبه بتشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي قائم حالياً، بذات النسق السابق، ومن شخصيات شاركت سابقاً في إدارة القضاء وأزمته وكانت سبباً أساسياً بالخلل المطلوب تجاوزه أو إصلاحه.

الجديد في هذا التشكيل، أنه جاء مخالفا للنصوص والمبادئ الدستورية المتعلقة بالفصل بين السلطات واستقلال القضاء، ولاحقا للإطاحة بالمجلس التشريعي بحكم غير مسبوق من المحكمة الدستورية المثيرة للجدل، والمشكلة أيضا من السلطة التنفيذية على خلاف القانون، ودون أية مراعاة لقواعد الكفاءة والحياد والاستقلال. بالرغم من ذلك لم تكن هذه المحكمة ضمن رؤية السلطة التنفيذية لإصلاح القضاء، بالرغم من وجود شبه إجماع على دورها الخطير على النظام الدستوري والقانوني، وتجاوز قراراتها، في أغلب الأحيان، نصوص الدستور وفلسفته.

يُفترض أن تكون حماية الحقوق والحريات الوظيفة الرئيسية للسلطة القضائية، ولأجل ذلك، يولي المشرّع الدستوري ضمانات قوية لاستقلال القضاة وحيادهم وعدم التدخل في شؤون العدالة. استناداً لذلك، كانت حماية وصيانة الحقوق والحريات المغزى الأهم للمطالب المجتمعية بإصلاح القضاء كحق للمجتمع. الرابطة، وباطلاعها على قرارات وممارسات إدارة القضاء في عهد الانتقالي، تجد أن أداء القضاء الفلسطيني ازداد تدهوراً عما كان عليه قبل تشكيل المجلس الانتقالي، ومن أمثلة ذلك على مستوى الحقوق استمرار وتصاعد نهج استعمال التوقيف كعقوبة ودون مراجعة فلسفة ومبررات التوقيف؛ كما جرى مؤخراً بتمديد توقيف الحراكيين بشكل جماعي خلافاً لمبدأ قدسية الحرية الشخصية وقرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة، وموافقة القضاء على طلب النيابة العامة حجب عديد من المواقع الإعلامية بأسلوب القائمة خلافاً للدستور وضمانات المحاكمة العادلة، الامر الذي وضع فلسطين في مقدمة الدول الأقل احتراما لحرية الصحافة والحق بالتعبير عن الرأي، وكذلك التغاضي والتغطية على جرائم التعذيب وسوء المعاملة الموثقة في محاضر جلسات المحاكم، وغيرها العديد من الأحكام، كاعتقال صحفيين والغاء الاضرابات النقابية، وغياب الرقابة القضائية الجادة على انتهاكات السلطة التنفيذية ومتنفذين صيانة للقانون واحتراماً للحقوق.

وقد نال القضاء الفلسطيني ما نال، في ظل انفراد رئيس المجلس الانتقالي بإدارة القضاء، وغياب أعضاء المجلس بأسلوب التفويض غير الدستوري والقانوني. وتذكّر الرابطة، أن التزام السلطة القضائية بسيادة القانون أساس شرعيتها وثقة الجمهور بها وبأدائها، كونها سلطة غير منتخبة، من أجل ضمان استقلالها عن أي تأثير خارجي. خلافاً لهذا المبدأ، وُلد المجلس الانتقالي بتجاوزات للقانون الأساسي وقانون السلطة القضائية، وتجسدت هذه التجاوزات في قرارات إدارية باسمه وعن رئيسه؛ من قبيل إحالة العديد من القضاة للتقاعد خلافا لمبدأ عدم قابلية القضاة للعزل وحق الدفاع والحق في محاكمة عادلة، وكعقوبة مقنعة خلافاً لمبادئ القانون، وإجراء تشكيلات قضائية على خلاف قانون السلطة القضائية كعقوبة أو مكافاة ودون اكتراث بالأثر السيء لهذه الممارسات، وتغيير تشكيل الهيئات القضائية بقرارات صادمة تؤثر سلباً على ثقة المتقاضين في حياد الهيئات واستقلالها، وإجراء تعيينات قضائية بعيداً عن مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، واستمرار إعمال نهج الفحص الأمني المسبق على القضاة على نحو غير معلن ومخالف للقانون، واستمرار نهج التعميمات لتكميم أفواه القضاة ودون اكتراث بأثرها على الثقة بالقضاء وحماية الحقوق، وندب عدد من القضاة لمؤسسات الدولة العامة، بشكل مخالف للقانون وبصيغة ملتبسة، أدانتها عدد من الجهات مثل نقابة المحامين، واعتبرتها في بيانها الصادر بتاريخ 30/06/2020، أنها جاءت في سياق تصفية حسابات، وبتوجيهات من جهات متنفذة في السلطة التنفيذية، وغير ذلك العديد من القرارات، التي لا يتسع المجال لذكرها، التي تجاوزت مبدأ سيادة القانون.

معلوم أن ادارات المجالس القضائية المتعاقبة اتسمت جميعها بتفرد رئيسها بإدارة الشأن القضائي، بدون هدف واضح أو خطة معلنة، أو نهج يقوم على الشفافية والمشاركة، وكان سيد الموقف غالبا، التخبط والتناقض والخلط بين الوظيفة القضائية والوظيفة الإدارية لدور المجلس القضائي، الأمر الذي القى بظلاله على العمل القضائي، وعلى سلوك القضاة والتزامهم بالتقاليد والقيم القضائية المتعارف عليها. وترى الرابطة أن رئيس المجلس الانتقالي وإن كان كذلك، إلا أنه زاد عن سابقيه، بولائه الأمين لسياسات وممارسات السلطة التنفيذية في النيل من استقلال القضاء، وباستخدام الأدوات التي زودته بها للقيام بذلك، المتمثلة بالعزل والاحالة الى التقاعد والندب، كسيف مشهر على رقاب القضاة لإخضاعهم وترهيبهم. وتجسدت هذه الحالة في الواقع بعدد من الممارسات، أبرزها تدخل رئيس المجلس، او التفتيش القضائي، بعمل الهيئات القضائية، ومساءلة القضاة عن قراراتهم القضائية، خلافا لمبدأ استقلال القاضي، إضافة الى إحالة عدد من القضاة إلى التحقيق الإداري على خلفية حرية الرأي والتعبير أو نقدهم لنهج الانتقالي في الإصلاح القضائي، ووقف ترقيات بعض القضاة، بذرائع مختلقة، خلافا لحكم القانون، ومحاولات الضغط على جمعية نادي القضاة لإجهاض دورها في حماية القضاة والدفاع عن مصالحهم، إضافة الى التساوق مع السلطة التنفيذية في محاولاتها المتكررة لتعديل قانون السلطة القضائية، لتزويدها بأدوات مستدامة للمزيد من الهيمنة على القضاة واخضاعهم، والنيل من استقلال مؤسسة القضاء، وإنهاء أي أمل في حق المجتمع في قضاء مستقل ومحايد وعادل.

على ضوء ما سبق، تؤكد الرابطة على ضرورة إنهاء عمل مجلس القضاء الأعلى الانتقالي، والعودة الصادقة إلى الإصلاح بتشكيل مجلس القضاء الأعلى الدائم المنصوص عليه في قانون السلطة القضائية، والالتزام الجدي بمبدأ الفصل بين السلطات، وإعمال مبدأ سيادة القانون، واحترام حياد واستقلال الهيئات القضائية، ووقف خلق الأزمات وتعميق الصراعات داخل السلطة القضائية، كنهج في عمل المجالس والإدارات القضائية. وتحذر الرابطة من استمرار محاولات العبث أو المساس بقانون السلطة القضائية الصادر عن السلطة التشريعية صاحبة الولاية والصلاحية الدستورية وبالتوقف عن التعدي، والمشاركة فيه، لكبح جماح السلطة التنفيذية من ممارسة اختصاصات السلطة التشريعية سعيا لهدم استقلال القضاء وتغييب أي دور له في حماية حقوق الإنسان، وتنوه الرابطة إلى أن استمرار نهج ادارة الظهر الى احكام القانون الاساسي ومبدأ سيادة القانون يوجب المحاسبة، ويمنح المتضررين الحق بالمطالبة بشل جميع القرارات المخالفة للدستور والقانون والمطالبة بالتعويض وفقاً للقانون.

الرابطة الأهلية لحماية الدستور