2020-07-22

"مساواة" يصدر ورقة موقف حول وضع القضاء الفلسطيني الحالي والإصلاح

أصدر المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء"مساواة"، في الربع الأول من شهر تموز/يوليو الجاري، ورقة موقف حول وضع القضاء الفلسطيني الحالي والإصلاح، بعنوان"إصلاح السلطة القضائية: قراءة هادئة في انهيار عاصف". ولأهمية الورقة نقوم بإعادة نشرها.

فيما يلي نص ورقة الموقف:

إصلاح السلطة القضائية: قراءة هادئة في انهيار عاصف

بداية وكمدخل تفرضه الأمانة النابعة من إحاطة عمرها ممتداً منذ ما قبل ولاده السلطة، وما نشأ عنها من سلطات وبالذات منها السلطة القضائية، لا بد من الإقرار بأن الإصلاح في ظل بنية النظام السياسي والسلطة القضائية على نحو جذري صعبٌ للغاية، فالمكوّن البنيوي للقضاء شُكّل منذ البداية على نحو مغاير لما يجب أن يكون، وكرّس ثقافة وسلوك واختيار عميق في مخالفته لما يجب أن يكون عليه وفقاً لصحيح القانون وقيم ومبادئ حقوق الإنسان، وسياده القانون، والفصل بين السلطات، ومبادئ دولة القانون والدستور، والحكم الرشيد والشفافية في الأداء والمساءلة عن الأخطاء والخطايا، ما يجعل من إعادة البناء برمته هي المخرج المضمون النتائج. وهذه بدورها تتطلب ثقافة نظام ديمقراطي تشاركي يؤمن بحقوق الإنسان، وسيادة القانون، ويرسي قيم العمل المؤسسي ويعمل المساءلة بشفافية ونزاهة.

وفي هذا السياق، يجدر تلمس الخلل الجوهري الكامن وراء حال القضاء ومنظومة العدالة برمتها، والمتمثل في استفراد السلطة التنفيذية في اختيار رئيس مجلس القضاء على نحو يرى فيه نفسه صاحب القرار والسلطة والصلاحيات كافة، كشريك أن لم نقل تابع للسلطة التنفيذية أو لمراكز النفوذ فيها وفي أجهزتها ذات الصلة وبخاصه الأمنية منها، واستمرار هذا الإسقاط التنفيذي لرؤساء مجالس القضاء الأعلى حتى يومنا هذا دون أدنى التزام بصريح نصوص المواد ٢٥، ٣٧، و٣٨ من قانون السلطة القضائية، ودون احترام للقواعد الناظمة لعمل السلطة القضائية كمؤسسة، والعبث بتشكيل دوائرها على نحو يعزز رغبات ومصالح كل رئيس مجلس، ويُرضي داعميه والناصحين للرئيس باختياره، وباعتماد لائحة تفتيش قضائي تحصر كافة السلطات في يد رئيس المجلس منفرداً. وهكذا سادت ثقافة المصالح والاجتهادات المتناقضة على المستوى الداخلي والخارجي للسلطة القضائية، ما شكل بيئة منتجة لمراكز قوى، وجماعات مصالح متعارضة، وتكتلات تسندها علاقات واعتبارات شخصية أخرجت قطار القضاء عن سكّته، فتاه عن المسلك، ونسيت أو تناست الالتزام بالقانون، وانتهكت الأداء الشفاف ولم تُعمل المساءلة، وكرست نهج الاستحواذ والابتزاز، وعمقت الشللية والمحسوبية والتبعية والتخويف، بديلا عن احترام القانون والالتزام بأحكامه وموجباته، ما أدى إلى تفرد رؤساء المجالس المتعاقبة، وبحث كل منهم عن بقائه في المنصب، والحفاظ على مصالحه بعيداً عن القانون، وهو صاحب الولاية في تطبيقه .

وحتى لا نغرق في التفاصيل والشواهد، نولج إلى الحل الذي نرى من الواجب تبنيه وإعماله للوصول إلى غاية وضع كوابح تمنع الانهيار الشامل، وتشكّل إذا حسنت النوايا والتُزم بالقانون، واتسعت عيون الرقابة، والنقد البناء، وأعملت المساءلة الشفافة، مدخلاً مناسباً لمواجهة الأزمة والتغلب عليها رغم عمقها، والحل يبدأ قبل كل شيء بالابتعاد عن صراعات السلطة التنفيذية، وبإبعاد القضاء عن صراعات الحزب الحاكم، وبالالتزام بالقانون الناظم للسلطة القضائية دون أدنى مساس به، وتطبيقه تطبيقاً سليماً، مع إعادة النظر بكامل فلسفة ونصوص لائحة التفتيش القضائي، ومدونة السلوك القضائي، على نحو يكرس مبدأ أن القضاء حق مجتمعي وإشغال الوظيفة على قاعدة تكافؤ الفرص والكفاءة والنزاهة بعيداً عن ما يسمى السلامة الأمنية، وذلك باتخاذ الإجراءات التالية وإعمالها كوحدة واحدة لا تتجزأ وهي:

1. إستقالة مجلس القضاء الأعلى الانتقالي فوراً ودون إبطاء.

2. العودة إلى مجلس القضاء الأعلى العادي وفق ما تنص عليه المواد ٢٥، ٣٧، و٣٨ من قانون السلطة القضائية.

3. أن يلتزم المجلس الدائم بإجراء عملية تقييم شاملة متخصصة وفق معايير الكفاءة، والنزاهة ومكافحة الفساد، وتمثل قيم حقوق الإنسان، والحياد. عملية تقييم مهنية معلنة بإجراءات شفافة تكفل المساءلة وحق الدفاع.

4. تعديل لائحة التفتيش القضائي لاعتماد أسس ومعايير واجراءات التقييم هذه بشكل دوري ودائم، وتعديل مدونة السلوك القضائي بما يضمن استقلال القاضي الفردي واستقلال السلطة القضائية المؤسسي، مذكرين بأن المواد ٢٥، ٣٧و٣٨ من قانون السلطة القضائية يشكل بموجبها مجلس القضاء الأعلى بقوة القانون دون حاجة لإصدار قرار رئاسي بذلك، ودون حاجة لتنسيب، وفق صريح نصوصها التي تشكل المجلس بمسميات وظيفية، وذلك إعمالاً لحقيقة أن التنسيب والمرسوم متطلبان للتعيين الابتدائي لإشغال وظيفة القاضي، ولتشكيل مجلس القضاء الأول أو المجلس التأسيسي، وهذا ما تم منذ زمن.

مع الإشارة أيضاً إلى التأكيد على حظر المساس بقانون السلطة القضائية لكونه قانوناً ناظماً لسلطة من سلطات الدولة الثلاث، ومكمّل للقانون الأساسي، ويحظر تعديله إلا من قبل مجلس تشريعي منتخب، والإشارة إلى محددات قانونية بديهية لكنها ضرورية، وهي تلك المتعلقة بنتائج التقييم، والتي إما أن تسفر عن ملاءمة القاضي/ة لإشغال الوظيفة القضائية، أو عن عدم ملائمته/ها لذلك، أو عن فساد. وسنداً لذلك لا يجب الصمت على الفاسد/ة بل يجب محاكمته/ها جزائياً وعزله، كما لا يجب إبقاء من ليس ملائماً لسبب يعود للكفاءة أو السلوك، فهذا يجب نقله/ها إلى وظيفة أخرى أو إحالته للتقاعد، ويجب رد الاعتبار وصون الكرامة لأي قاضي اتخذ بحقه إجراء دون سند قانوني وخارج إجراءات التقييم المهني الشفاف، وفي غيبة لحق الدفاع.

الطريق الصحيح والنزيه واضح، وقادر على كبح جماح الانهيار، ومنع تغوّل السلطة التنفيذية وأجهزتها ومراكز القوى فيها في شؤون العدالة والقضاء، ومنع تكريس سياسة وثقافة التزاوج المصلحي بين أجهزتها ومجلس القضاء الأعلى ورئيسه، وحائل دون تنصيب وإسقاط من تراه السلطة التنفيذية على رقاب العدالة وسلطتها. ولا بديل عنه لمعالجة منتجة لظواهر الانهيار العاصف، فهل يعتمد وبذلك يعاد القضاء إلى سكّته وتنجح مساعي تطويره وإصلاحه.

أم يستمر مسلسل التنمر والعبث بحقوق الإنسان وكرامته وقيمه وإبقاء القضاء أداة حفظ مصالح خاصة وانتهاك لحقيقته كحق مجتمعي وسلطة إنصاف وعدالة؟

والأمانة ذاتها توجب عدم تسويق عوامل الانهيار كمُنجَز، وعدم الصمت على ذلك.

ليتوقف فورا العمل بنهج كان ولا يزال المسبب للانهيار والمنذر بكوارث.