2020-08-20

هذا التطبيع الذي انتظرتموه طويلاً فماذا بعد؟

كتب/ علاء أبو فرّاج

لم يكن الإعلان عن تطبيع العلاقات بين دولة الإمارات والكيان الصهيوني مفاجئاً، وخصوصاً أن أحداً لم ير موقفاً خليجياً يدعم حقاً القضية الفلسطينية، أو سلوكاً يقف في وجه المشاريع الأمريكية في المنطقة، لكن كون الحدث متوقعاً لا يعني أنه عادي ويجب أن يمر دون موقفٍ منه، أو محاولة لفهم هذه الخطوة وتوقيتها.

يُروّج البعض، أن تطبيع علاقات الإمارات مع العدو الصهيوني ما هو إلا خطوة ضمن ما عرف بـ «صفقة القرن»، لكن هؤلاء يتجاهلون فكرة أن هذه «الصفقة» لم تر النور أبداً، فقد جرى استبعادها فور طرحها، فهي لم تلق دعماً أو موافقة إلا من الكيان الصهيوني، ولاقت رفضاً من المجتمع الدولي، لا من منطق دعم الجميع لقضية الفلسطينيين العادلة، فهذا لا يشمل الجميع، ولا يعتبر سبب رفضهم، فالخطة الأمريكية رُفضت لأنها تعدّ خروجاً صارخاً عن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وهذا ما كان يفرض على المجتمع الدولي- حتى الجزء المنحاز منه للكيان الصهيوني- النظر بعين الريبة لهذه «الصفقة» ورفضها، كونها تعيد جهود الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى نقطة تحت الصفر! والأخطر من ذلك، أن هذه «الصفقة» شكلت دافعاً جديداً للكفاح في سبيل القضية من قبل أصحابها الأصليين، الشعب الفلسطيني، الذي كانت عوامل وحدته تنضج منذ مدة، وأعطى الإعلان الأمريكي هذا سبباً لتسريع هذه العملية، وإعادة توحيد شاملة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، التي استفاد الكيان الصهيوني من بعثرتها وشق صفوفها.

حتى في الولايات المتحدة الأمريكية لم تعش الصفقة كثيراً، فقد نعاها مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، الذي قال في تصريحٍ صحفي: «لا أعتقد أن صفقة القرن سوف تؤدي إلى أي مكان، لقد كانت محاولة جديدة لحل الصراع وخطوة منطقية، لكن الخطة تأجلت لفترة طويلة، لدرجة أنها فقدت فرصة أن تثمر أي شيء... وكل يوم يمر يزيد من صعوبة تحريك الفكرة... ومن شبه المؤكد، أن أحداً لن يأخذها على محمل الجد». كلام بولتن هذا جاء في مصارحة قدمها للصهاينة حول مستقبلهم الأسود في المنطقة، وأن التراجع الأمريكي المتسارع سيتركهم وحيدين في الظلام، يلاقون مصيرهم في نقطة جغرافية لم يستطيعوا التلون بألوانها بعد. ما سبق يُمهد لفهم الخطوة الأمريكية هذه كإعلان جديد عن بديل، رغم أنه لا يلبي الحاجة «الإسرائيلية» الملحة، إلا أنه صدقةٌ من فقير عاجز لفقير عاجزٍ آخر.

الخطة الاحتياطية

القول بأن الولايات المتحدة انتقلت لتطبيق خطة بديلة، يعني أنها أعلنت ضمنياً فشل خطتها الأولى «صفقة القرن» وهذا ما لن تعلنه رسمياً بالطبع، فما هي ملامح هذه الخطة البديلة؟ يبدو أنها الإعلان عمّا كان يجري تحت الطاولة لا أكثر، فحتى وسائل إعلام الكيان الصهيوني نقلت متبجحةً تصريحات لرئيس الموساد السابق أفرايم هليفي، قال فيها إن هذه العلاقات قديمة وتعود إلى 50 سنة إلى الوراء، لا بل أكد هليفي أنه نفسه زار الخليج وذهب إلى البحرين قبل 20 عاماً والتقى حاكمها، فما الذي يمكن أن تقدمه هذه الخطوة للكيان الصهيوني؟ وإن كُنّا جادين في الإجابة عن هذا السؤال، نبدأ من الفكرة الأساس التي تقول: إن أية خطوة تصعيدية تجري تفرض خطوة من الطرف المقابل، ونقصد هنا الشعب الفلسطيني وكل المناصرين لقضيته، والذين يرفضون التطبيع مع الكيان الصهيوني ويرون فيه عدواً، فهذه الخطوة تشكل دعوة لرصّ الصفوف، وتستثير الهمم لرأب الصدع الحاصل في صفوف المقاومة الفلسطينية، ومن جهة أخرى تضع دول الخليج في موقعٍ ضمن نزاعٍ إقليمي لن يكونوا قادرين على تحمل تبعاته، فلم تلق محاولات الولايات المتحدة التصعيد ضد إيران- والتي أرادت تحميل تبعاته للخليج- الزخم المطلوب، فدول الخليج لا تستطيع ولا ترغب أن تذهب إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، فماذا ستكسب إذاً من إعلان التطبيع هذا؟ وما الموقف المتوقع من إيران التي تشترك بحدودٍ مع دولة الإمارات، التي باتت تعلن أنها تستضيف مسؤولين أمنيين لدولة الكيان الصهيوني على أراضيها؟ هذا سيكون مبرراً لأن تحصن إيران جبهتها أكثر، وسيضع دول الخليج بموقع المتحدي لإيران، وهو دورٌ لا يستطيعون تحمل تبعاته.

ماذا عن خطة الضم؟

حاولات الإمارات تبرير هذه الخطوة بأنها «خطوة باتجاه السلام» وبأن الكيان الصهيوني سيتراجع عن مخططات ضم الضفة الغربية التي كان أعلن عنها سابقاً، ولاقت هذه التصريحات ترحيباً على المستوى العالمي بعد الرفض الذي حصده الإعلان «الإسرائيلي» عن الضم، لكن رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو لم يستطع السكوت طويلاً حتى صرخ بأنه لم يتنازل ولن يتنازل عن خطة الضم، وقال: «أنا من وضع قضية الضم على الطاولة، وملتزم بها بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية فقط»، ليفهم من حديثه بأنه كان مضطراً «لتأخيرها» قليلاً تحت الضغط الأمريكي، وإن كانت الأكاذيب عن تراجع الكيان عن خطة الضم لم تنطل على أحد.

على الرغم من أنّ رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي أعلن إصراره على ضم الضفة، إلا أن البعض لا يجد تبريراً آخر للقبول بالتطبيع فيتمسكون بهذه الكذبة علّها تقيهم الجحيم الذي فتحوه على أنفسهم بخنوعهم هذا، وعدم قدرة نتنياهو لتأخير إعلانه يؤشر لقضيتين الأولى: أن الأرض التي يقف عليها نتنياهو في الداخل تهتز تحته، فهو يحاول تأخير انفجار الأزمة الداخلية بأي شيء، ومن جانب آخر يؤشر ذلك أن الكيان لا يرى في التطبيع معه تنازلاً يجب أن يقابله بالمثل، بل يرى فيه تصرفاً طبيعياً ينتظره من كل الأنظمة العربية، ولا يدرك أن معظم هذه الأنظمة تجد نفسها مضطرةً اليوم لرفض المشاريع الصهيونية على أمل أن تقبلها شعوبها أكثر، فما يجري لن يكون مخرجاً لأحد، بل يثبت أنّ الأزمات القائمة، ويدفعها إلى السطح، فالجميع يجد نفسه مضطراً لإعلان موقفٍ من التطبيع والقضية الفلسطينية وعلى أساس هذا الموقف يتحدد الكثير.