2020-08-27

هل تُعلِّق على جدار غرفتك صورة فيدل كاسترو؟

| عبد الرزاق دحنون

يفتتح المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه كتابه "حياة الصورة وموتها" بحكاية طريفة ومعبِّرة. تقول الحكاية: في أحد الأيام طلب أحد أباطرة الصين من كبير الرسامين في القصر الامبراطوري محو الشلال الذي رسمه في لوحة جدارية لأن خرير الماء كان يزعجه ويمنعه من النوم.

الإحساس بصوت خرير الماء المتدفق بغزارة وقوة شلال هادر في اللوحة الجدارية والذي منع الامبراطور الصيني من النوم ملء جفنيه، هو ذات الإحساس الذي دفعني لتأمل صورة فيدل كاسترو النادرة والتي رافقتني وأنا في أول سن الشباب حيث صادفتها على جدار غرفة اخي في زيارتي الأولى لمدينة دمشق صيف عام 1977، أنا القادم من بلدة ريفية صغيرة في الشمال السوري.

في ذلك الصيف أنهيت اختبارات مرحلة التعليم الإعدادي-الصف التاسع-بنجاح، وأراد والدي مكافأتي، فأرسلني لزيارة أخي الكبير الذي يدرس الصيدلة في جامعة دمشق. حمَّلني الأهل حقيبة مُتخمة بما لذَّ وطاب من لحوم مشوية ومطبوخة-حتى لا تفسد نيئة في الطريق الطويل التي سيقطعها الباص من إدلب إلى دمشق- وكبّة بأصنافها وسمبوسك ولحم بعجين وحلويات، لذا كانت الحقيبة ثقيلة على ذلك الفتى الذي كنته في تلك الأيام. وحين وصلت بعد جهد جهيد إلى الغرفة التي يسكنها أخي في سفح جبل قاسيون، وأذكر ما أزال أنها في بيت شامي قديم في زقاق قريب من جامع ضريح شيخنا الأكبر مُحْيي الدين بن عربي. رأيتُ على أحد جدران الغرفة صورًا لشخصيات لا أعرفها، لفت نظري صورة في حدود الأربعين سنتمترًا طولًا والعشرين سنتمترًا عرضًا. يلفُّ سوادها بياض في الوسط كأنه هلال في ليل، أظهر المصور حرفيَّة عالية في عمله، أضاء حواف الوجه من الأمام بنور باهر وترك الباقي في سواد حالك، ثمَّ التقط الصورة من جانب الوجه الأيسر.

تتأمل الصورة مليًا، فتشك أول الأمر، هل هي صورة شخصيَّة أم لوحة تشكيلية لرسام حديث؟ تكتشف بعد حين أنها صورة شخصية مذهلة فعلًا. سألتُ أخي من يكون صاحب الصورة، فقال: فيدل كاسترو، ألا تعرفه؟ نعم، لم أكن أعرفه، وخجلت أن أسأله ماذا تعني عبارة "فيدل كاسترو" مما زاد في غُمُوض الصورة البارعة. تركت الصورة تأثيرًا عميقًا في مُخيلتي، ثمَّ رحتُ أبحث عمَّا قصد أخي من تسمية الصورة فيدل كاسترو. فاكتشفتُ أنه أحد أشهر الشخصيات السياسية في القرن العشرين. قاد ثورة مسلحة في جزيرة قصب السكر في الكاريبي إلى جانب رفيق دربه الثائر الأرجنتيني أرنستو تشي غيفارا. وها نحن بعد ستين عامًا على تلك الثورة نسأل هل تغيرت الصورة في جزيرة قصب السكر؟

بقيت صورة فيدل كاسترو هذه في مكتبتي بمدينة إدلب في الشمال السوري بعد أن شردتنا الحرب الضروس التي طحنت رحاها البشر والشجر والحجر. وفي الذكرى الستين لانتصار الثورة الكوبية تذكرت الصورة، رحت أبحث عنها في محركات البحث على "الإنترنيت" شبكة المعلومات العالمية، لعل وعسى أصل بطريقة ما إليها. كانت فرحتي عارمة حين لمحت الصورة في أحد المواقع الأجنبية التي تجمع الصور. نعم هذه هي الصورة التي أتحدث عنها.  عن جد سُررتُ بها كثيرًا. مات فيدل كاسترو وترك كوبا متمسكة بخيارها الاشتراكي، فقيرة، محاصرة، يبحث الشباب فيها عن الحرية في شوارع هافانا، وربما العجائز أيضًا، نعم، الناس فيها إلى اليوم يحصلون على مخصصاتهم الشهرية من بيض الدجاج بموجب قسيمة خصصتها لهم الحكومة الثورية.

في هذا المقام لن أذهب بعيدًا فقد قيل الكثير عن التجربة الاشتراكية في جزيرة قصب السكر. ولكنني سأتابع رحلة السيارات القديمة التي استغرقت في سيرها البطيء في شوارع العاصمة هافانا عقودًا من السنين. سأذهب معها-إن استطعتُ ذلك- إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الكوبي في ظلِّ الحزب الشيوعي الكوبي ومعطف فيدل كاسترو الذي ارتدته جزيرة قصب السكر لعقود عديدة.

قبل ذلك سأستدرج المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه صاحب الحكاية التي افتتحنا بها هذا المقال، ليقول ما عنده، فهو صاحب خبرة كبيرة في هذا الشأن وقد كان رفيق فيدل كاسترو وأرنستو تشي غيفارا، وله كتاب مشهور سماه (ثورة في الثورة) عن التجربة الكوبية. واليوم وقد اقترب من الثمانين عامًا من عمره يقول، وتراني أتفق معه في الرأي:

إن إحدى مفارقات الثورات أنها تؤدي إلى إبطاء سير الأشياء، بعد تسارع كبير في البداية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى منظومة مكابح ثقيلة. هناك في الثورات مناسبات كثيرة للفرح والبهجة، ولكن أيضًا للحزن والعزاء، وعلى المدى الطويل تتحول البهجة إلى مرارة، وأحيانًا كثيرة إلى كوابيس. الثورات التكنولوجية فقط، تشذُّ عن هذه القاعدة، لأن لا عودة فيها البتة إلى الوراء. لن نعود إلى الشمعة بعد أن اخترعنا الكهرباء، ولا إلى السفن الشراعية بعد أن ابتكرنا المحركات. الإنترنت غيّر وجه العالم. هنا تقبع محركات التاريخ الحقيقية الضامنة الوحيدة لتقدم لا رجعة فيه إلى الوراء، سواء كان جيدًا أو سيئًا. ما هي أخبار رفاقنا في كوبا اليوم بعد رحيل فيدل كاسترو؟

ياي ميلاي عازفة كوبية مع فرقة سان تيزز التي تتخطى شهرتها حدود كوبا، فهي تعزف في كل أنحاء العالم. التقيتها في فلم وثائقي بثته محطة دي دبليو باسم: كوبا تُجدد الحنين إلى الماضي، من إعداد لورديز بيكاريتا. ترجلت الفتاة من سيارة أجرة كانت توصلها إلى مقر الفرقة في أحد أزقة أحياء هافانا القديمة، تحمل حقائب طبلاتها الكاريبية من الكرسي الخلفي للسيارة وتُدردش مع السائق على إيقاع أغنية كوبية حديثة تصدح من مُسجل سيارة شيفرولية أمريكية، سماوية اللون، مكشوفة السقف، جميلة، ونظيفة، طراز نهاية خمسينيات القرن العشرين. تقول كلمات الأغنية:

(مدفونة بين جدران غرفتي الرمادية، متعبة من هذه العزلة، تغزو الكوابيس وحدتي، المخدرات سوداء، والفرح أبيض، الغيتار بيد، وجرعة خمر عند الفجر، نحن صامدون هنا، لأن الحظ العابر أخطأنا)

تسأل الشاب:

-هل تعمل سائق تكسي منذ زمن طويل؟

-كلا، منذ عام فقط.

-ما نوع محرك سيارتك، هل هو شيفروليه؟

-كلا، لقد وضعت بها واحدًا جديدًا.

-هل هو شيفروليه؟

-كلا، من طراز تويوتا وأحتفظ بالمحرك القديم في المنزل.

- جديدة من الداخل قديمة من الخارج، جديدة وقديمة في آن واحد، هكذا هي كوبا.

محرك المجتمع الكوبي يتجه نحو نمط من اقتصاد حديث. وفرص العازفة ياي ميلاي للبقاء في الخارج كثيرة وقوية، لكنها مصرَّة على أن تعيش هُنا خاصة الآن، فكوبا تنفتح على العالم. تقول: لدينا آمال كبيرة في أن نتمكن من النمو، كنا محصورين في كوبا لوقت طويل، لكننا ننفتح الآن، خاصة الشباب وهم ليسوا الوحيدين الذين يتطورون، رغم ذلك هُناك خوف كبير من المستقبل، ولكن لا أحد يضع حدًا لنا. 

كان أخي قد قصَّ صورة فيدل كاسترو من مجلة حصل عليها من أحد المراكز الثقافية الأجنبية في دمشق، وعلقها في جدار الغرفة إلى جانب صور كيم إيل سونغ وماو تسي تونغ وهو شي منه وأرنستو تشي جيفارا ولينين وتروتسكي وستالين وماركس وأنجلز. وقد تعرفت إلى هذه الأسماء فيما بعد من قادم الأيام، ورحتُ أُعلقها، أنا الآخر، على جدار غرفتي في مدينة إدلب، وأضفت إليها صور أنجيلا ديفيس وريجيس دوبريه وباتريس لومومبا وسلفادور أليندي وعبد الفتاح إسماعيل وجورج حبش وغسان كنفاني وبابلو نيرودا وناظم حكمت والشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وهادي العلوي البغدادي وعلي الشوك. ولكل صورة من هذه الصور حكاية تستحق سرد قصتها وتتبع الأثر الذي تركته في حياتي. وأنا أتذكر الصور التي كانت معلقة على جدران غرفتي في إدلب لم ألمح صور نساء غير الشيوعية الأمريكية أنجيلا ديفيس. أين النساء في الأحزاب الشيوعية العربية والعالمية وفي البلدان الاشتراكية؟ 

هذه التشكيلة من الصور شكلت الأرضية التي حملت فيما بعد توجهي السياسي وقادتني إلى طرق ودروب بعضها كان معبدًا سهل المسالك وبعضها الآخر كان سالكًا بصعوبة. لقد لعبت صورة فيدل كاسترو دورًا محوريًا في حياتي فاهتديت في تلك الأيام إلى كتاب طبع في دار النهضة بفرعيها في بيروت وبغداد كان قد صدر في بداية سبعينات القرن العشرين عن الثورة الكوبية هو مذكرات أرنستو تشي جيفارا مترجمة عن الإسبانية. كان المترجم فطنًا حيث صاغ الترجمة بلغة عربية فصيحة مشحونة بالحماس الثوري.

وأنت تقرأ الكتاب كأنك تُشاهد فيلمًا مصورًا عن هؤلاء الشباب الذين امتشقوا السلاح للدفاع عن الحرية والعدالة. وهذا ما دفع الفتيان من أمثالي للبحث عن الكتاب فوجدت نسخة وحيدة منه مصادفة في مكتبة "وحيد قباني" في مدينة إدلب في شارع شكري القوتلي قرب سينما الزهراء التي عرضت أول الأفلام عن الثورة الكوبية وفيدل كاسترو وتشي جيفارا. حضرنا الفيلم وكنا ما نزال تلاميذ مدارس في المرحلة الابتدائية.

تلك الأيام كان العمل الفدائي في أول توهجه يملأ النفس حبورًا.

من كان يُصدق أن "غريب" ابن حارس حارتنا الليلي كان فدائيًا عند "أبو عمار" يقتحم الليل في بعض الأوقات قادمًا من ساح المعارك مع العدو، مرتديًا بذَّة الفدائي المرقطة ملتحفًا بذلك الشماخ الفلسطيني المشهور المنقط بالأبيض والأسود. هل كان "غريب" فلسطينيًا؟ أنا لا أعرف حتى اليوم لأننا في تلك الأيام لم نكن نسأل الشخص ما دينك أو ما طائفتك أو ملتك أو بلدك أو هل تُعلِّق على جدار غرفتك صورة فيدل كاسترو؟